في الإنترنيت و"الحركات الإسلامية"
يحيى اليحياوي
1- لا يمكن أن ندعي التكوين والتخصص في الإسلام أو في "الحركات الإسلامية" أو فيما يسمى منذ مدة ب "الإسلام السياسي" حتى يكون بمستطاعنا الحديث فيها حديث المتخصص الفاقه. فالموضوع يحيل على أكثر من تخصص ويفترض استحضار أكثر من حقل معرفي، ويتطلب فضلا عن ذلك فقه العلوم المعاصرة لتلمس مستويات الالتقاء والتوظيف واستكشاف عوامل الممانعة والتنافر.
وعلى هذا الأساس، فالحديث في علاقة الإنترنيت بالحركات الإسلامية مثلا لا تكتنفه الصعوبة فقط كون الدراسات والأبحاث في ذات العلاقة نادرة وسبل استقرائها محدودة، ولكن أيضا لأن طبيعة الشبكة متحركة ومواقع الحركات إياها بداخلها غير ذات أهداف واضحة.
ولئن كان من الثابت تزايد وتيرة إنشاء المواقع على الإنترنيت تهتم بالإسلام (دينا وحضارة ونظام قيم)، فإنه من الثابت أيضا تزايد الإقبال على إقامة مواقع بالشبكة تهتم بالفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية، تماما كما تتزايد مواقع الحكومات والمنظمات و"الحركات" التي تدفع بتمثلها للإسلام أو تدافع من خلالها على مرجعيتها في ذلك.
لا نستهدف، في هذا المقام، خوض قراءة تحليلية في المواقع إياها ولا تقييم طرق هيكلتها أو أنماط تصنيفها للمضامين أو إعمال مبدأ المقارنة لترتيب درجات أهمية بعضها البعض (فذاك أمر لا يقدم إشكالنا هنا كثيرا)، بقدر ما نتغيأ بالأساس محاولة استنباط الآية واستخراج الفلسفة الثاوية وراء لجوء الحركات الإسلامية لشبكة الإنترنيت وإنشاء مواقع لها.
والحركات الإسلامية التي نقصدها هنا لا تشمل فقط الأفراد والتنظيمات التي تتخد من الإسلام مرجعية في الفعل السياسي، ولكن أيضا تلك التي تعتبر نفسها "متمردة" على "الإسلام الرسمي" الذي لا تسمح الحكومات في ظله لباقي التيارات الإسلامية أن تنشأ أو تنشط داخل حدودها، فاتخدت (التيارات هاته أعني) من الشبكة أداة احتجاج ووسيلة "نضال" وقبل كل هذا وذاك "موطأ قدم" لها بها.
2- والواقع أنه لو كان لنا أن نقيم مواقع "الحركات الإسلامية" على شبكة الإنترنيت على خلفية من أهدافها، لاستوقفتنا في ذلك ثلاثة أهداف كبرى:
+ الهدف الأول ويتمثل أساسا في اتخاد الشبكة كوسيلة من وسائل فك الحصار عن هذه الحركات سيما في جانبه الإعلامي.
فالحركات إياها لا ترى نفسها فقط "ضحية" حصار قانوني يحول دون قيام هذه التنظيمات ودون ممارستها لنشاطها السياسي أو الثقافي أو غيره، ولكنها ترى نفسها أيضا ضحية "حصار" إعلامي يمنع بموجبه رواج منشوراتها وتداول مطبوعاتها وتغطية أنشطتها.
لا ترى الحركات الإسلامية في الإنترنيت هنا فضاء افتراضيا يتجاوز ضيق الحدود ويتحايل على تضييق الحكومات، بل وسيطا واقعيا يمكنها من نشر معلوماتها ومعطياتها ومن تمرير بياناتها ومواقفها ومن ترويج تمثلها للإسلام، وبالتالي "محاربة" إن لم يكن "الإسلام الرسمي" فعلى الأقل الحكومات القائمة عليه في الخطاب كما في الممارسة.
لا يقتصر الأمر، من جهة أخرى، على الحركات التي تناوئ حكوماتها على خلفية من توظيف الدين من لدن كليهما، بل قد يتعدى ذلك ليخص حركات إسلامية وظفت افتراضية الشبكة كامتداد لجهادها على أرض الواقع كما هو الشأن بالنسبة لحركات حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وغيرها.
+ الهدف الثاني ويكمن (من لدن الحركات الإسلامية) في توظيف شبكة الإنترنيت لتقديم صورتها وتصورها عن الدين الإسلامي ولخلق الوعي والتواصل بين زوار مواقعها.
لا ينحصر الأمر هنا، كما في الهدف الأول، فقط في تمكين الزوار من المادة الضرورية لذلك (وثائقا ومراجعا وغيرها)، بل يتعداه إلى الندوات الحوارية التي غالبا ما تعمل الحركات إياها على تأطيرها وتوجيهها والعمل على خلق النقاش في إطارها.
بالتالي، فبقدر ما تستوظف الشبكة هنا كوسيط، بقدر ما تتطور إلى فضاء تعتمل بداخله أدوات التواصل والتحادث والمشاركة...بغرض التفاهم.
وعلى هذا الأساس، فالحركات الإسلامية لا ترى فقط في الإنترنيت فضاء يجمع، افتراضيا من بين ظهرانيه، الزوار من كل بقاع العالم، بل وأيضا منبرا حقيقيا للتحايل على المنبر الواقعي الذي تحول دون هذه الحركات ودونه الدول والحكومات.
+ الهدف الثالث ويتعلق (في خطاب الحركات الإسلامية) فيما تمرره من كون شبكة الإنترنيت ستكون حتما مكمن توحد الأمة الإسلامية (وإن افتراضيا) وستساعد على إقامة ما فشل في إقامته "الإسلام الرسمي" على مستوى الواقع.
بالتالي، فما دام بإمكان كل مسلم من مسلمي الأرض بلوغ الشبكة والدفاع عن مرجعيته الدينية بواسطتها والتعبير على انتمائه للأمة الإسلامية وهويته عبر فضائها، فإنه سيصبح الإمكان خلق "فضاء إسلامي موحد" على المستوى السايبيري (يقول ذات الخطاب) ما دامت الحكومات قد فشلت في إقامته كواقع حال أو حال دونه ودون ذلك تشبتها ب "الإسلام الرسمي".
3- ليس ثمة أدنى شك في أن شبكة الإنترنيت قد خدمت، وإلى حد بعيد، الحركات الإسلامية وزادت من قوتها وأشاعت "رسالتها" على أكثر من جهة من جهات العالم.
فهي حالت دون تضييق الحكومات عليها (عبر منعها ومنع منشوراتها وسحب كاسيطاتها من السوق وما إلى ذلك).
وهي جمعت حول مواقعها "جماهير" جديدة تتطلع مجتمعة لخلق خطاب حول "أمة إسلامية افتراضية" على أنقاض خطاب الإسلام "الرسمي"...الخ.
لكن تقييم المحصلة، بالقياس إلى الأهداف، هو أبعد من أن يكون إيجابيا في المطلق:
- فالحصار الممارس على هذه الحركات لم يقتصر على وجودها الواقعي كتنظيمات قائمة، بل تعدى ذلك ليطال مواقعها على الشبكة أو بعضا منها على الأقل.
لا يتعلق الأمر هنا فقط بالإغلاق المستمر الذي تتعرض له مواقعها "داخل الحدود" (من خلال حكوماتها) أو أشكال التدمير المعلوماتي التي تدس فيروساتها الحكومات في مواقعها، بل وأيضا بالرقابة (والمقاضاة أحيانا) التي تتعرض لها الحركات إياها (من خلال مواقعها) عندما تكون المواقع "عابرة للحدود" لكن موطأ القدم لآويها معروف وبريدها الإلكتروني كما ملتقياتها الحوارية مخترقة.
ولئن كان بمستطاع الحركات الإسلامية حماية مواقعها من استهداف حكوماتها لها (عبر تنقيلها لها باستمرار أو دسها بعناوين لا فائدة من التشويش عليها)، فإنه لن يكون بمقدورها الانفلات من مضايقات دولة كبرى كالولايات المتحدة (سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر) لها الإمكانات والقدرات في ذلك.
- ثم لو سلمنا بإمكانية تعذر التضييق (لأسباب تقنية أو في غياب مسوغ كمسوغ 11 سبتمبر يجعل الولايات المتحدة لا تأبه بممارسات هذه الحركات)، فإن توظيف مواقعها لأغراض تحاورية (بجهة التواصل والمشاركة) يبقى محدودا وضيق الأفق.
والسبب في ذلك لا يتأتى فقط من الأمية المعلوماتية الجد مرتفعة بمختلف الدول الإسلامية ولا من تعذر بلوغ الشبكة (لضعف التجهيزات أو بسبب تكلفة الارتباط) ولكن أيضا لأن الزوار المحتملين غالبا ما تكون معرفتهم بالحركات إياها مسبقة واستمالتهم بجهتها مضمونة أو صعبة المنال بالنسبة للزوار الجدد.
بالتالي تبقى الملتقيات الحوارية محصورة على أعضاء الحركة الواحدة أو بين الحركات المتواجدة، لكنها نادرا ما تتعدى ذلك لاستمالة "أعضاء جدد" كما كان الأمر، من ذي قبل، مع الكاسيط أو مع شرائط الفيديو.
- ثم أن خلق "أمة إسلامية افتراضية" هو إلى الخطاب أقرب منه إلى واقع الحال، وإلى الإيديولوجيا أقرب منه إلى حقائق الأمور.
فالشبكة (شبكة الإنترنيت) نخبوية الطبع والطبيعة، وبلوغها محصور في شرائح اجتماعية وثقافية جد محدودة وتكوينها غربي وهوس التوحيد لا يخامرها ونظرتها للحركات الإسلامية قد لا تختلف كثيرا عن نظرة الغرب لها.
والحركات الإسلامية، فضلا عن ذلك، ذات تمثلات مختلفة (لحد التضارب) عن الإسلام وعن الوسيلة التي من شأن اعتمادها جعل الإسلام ركن "الأمة الإسلامية".
نحن إذن، بهذه النقطة كما بغيرها، بإزاء خطاب مثالي، إيديولوجي المنحى، تجنيدي النبرة لكنه أبعد ما يكون عن حقيقة واقع الأمور.
ونحن أيضا بإزاء مواقع سياسية ومذهبية لا بإزاء مواقع دينية تستهدف تقديم الإسلام وحضارته ومنظومة قيمه.
4- لسائل يتساءل: ما السر في كون هذه الحركات مكمن اضطهاد في الوجود وتضييق في سبل التعبير من لدن حكوماتها كما من لدن العديد من دول الغرب؟ أو ليس لكونها "تتطرف" في تأويل الإسلام وتتخذ منه مطية لبلوغ أهداف سياسية هو براء منها؟
قد يجوز ذلك، لكن الثابت أن العديد من الحركات هاته هي على طرفي نقيض فيما بينها، ليس فقط "تناقض" السنة والشيعة أو تجافي المذاهب المختلفة، ولكن أيضا لأن من المواقع على الإنترنيت ما لا يتعدى كونها تقديما للإسلام كقرآن وسنة واهتمامات فقهية إسلامية وطروحات فلسفية وعقدية، ومنها أيضا (من المواقع أعني) ما يقتصر على جانب الإسلام الجهادي كما هو شأن الحركات الفلسطينية واللبنانية وغيرها.
بالمقابل، فهناك من مواقع الحركات الإسلامية ( من مضامينها أقصد) ما يجعلها تضع سماحة الإسلام في المحك:
+ فهناك أكثر من موقع (لأكثر من حركة) تتم عبره عمليات الإفتاء بالعنف (ضد الأفراد والجماعات) والتكفير والقتل...موظفة حرية الشبكة لاستهداف حريات الأفراد والجماعات والتشنيع بأفكارهم وتمثلهم للإسلام.
+ وهناك أكثر من موقع على الشبكة يشنع بمواقع مذاهب أخرى أو يشوش عليها أو يفتي "علماءه" بعكس ما يفتي به هؤلاء، لدرجة يختلط فيها على الزائر التثبت من الفتوى الأصح، فيفسح من هنا في المجال لدعاوى الحيرة لدى الزائر العادي بقبول هذه الفتوى أو تلك.
+ ثم هناك من مواقع الحركات الإسلامية ما تجعلها ارتباطاتها بجهات محددة لا ضد حكوماتها فحسب، بل كذلك ضد الحصار المضروب على شعوبها كما هو حال بعض المنظمات "الإسلامية" العراقية بالخارج وغيرها.
5- هل أحسنت الحركات الإسلامية استخدامها لشبكة الإنترنيت كوسيط وكفضاء؟
من دون شك بالنسبة للعديد منها سيما بالنسبة لتلك التي عملت وتعمل لتقديم الإسلام كدين تسامح وكحضارة وكمنظومة قيم وركزت، في جانبها العملي، على رفع الغموض عن تمثل الغرب للإسلام.
وهي لم تنجح في هذا المسعى لأنها انطلقت من مسلمة أن تمثلها هو الأقوى والأمثل، ولكن لأنها أدركت أن تقديم صورة عن المسلمين صحيحة هي من تقديم إسلام متوازن يعرف بالاختلاف ضمنه دونما غلو أو تشدد...
هل من شأن تواجد مواقع لحركات إسلامية متعددة على الإنترنيت خلق "هوية إسلامية جديدة" في إخفاق الحكومات والدول؟
من الوارد ذلك، يقول البعض، لكن شريطة تفعيل الحوار بين "الإسلام الرسمي" و"الإسلام الحركي" على أرض الواقع كما بشبكة الإنترنيت.
ومن الجائز، يقول البعض الآخر، شريطة الأخذ بما يجمع بين المذاهب في الإسلام وترك ما يفرق فيما بينها.
لكن الأساسي، فيما نتصور، هو التمثل المتوازن للإسلام بدون غلو أو إقصاء أو هضم للحق في الاختلاف...حينها لن يكون الإنترنيت وسيلة فك حصار أو أداة تحاور، بل فضاء سيبيريا يخدم الإسلام والمسلمين.
القدس العربي، 07 مارس 2003