هل من خطة إعلامية لإسناد الانتفاضة؟ 

يحيى اليحياوي

 

 

1- ليس ثمة أدنى شك في أن انتفاضة الفلسطينيين (انتفاضة الحجارة كما انتفاضة الأقصى) تعيش، منذ مدة، فترة عسر كبير في الخطاب "المواكب" لها كما بالواقع على الأرض.

 

والحقيقة أنه بصرف النظر عن انحباس مسلسلات التسوية وإفلاس النخب التقليدية التي دفعت بهذه المسلسلات في الضمن وتبنتها في العلن، وبغض الطرف عن تدني الأداء العربي لإسناد المقاومة فعلا، فإن الانتفاضة برهنت وبما لا يدع مجالا للمزايدة بأنها أنجع المسالك لقطع الطريق على المسلسلات إياها وإشهار إفلاس "الزعامات" التي لا تزال تراهن على ذات المسلسلات بل تراها الرهان الوحيد المتبقي.

 

ولئن كان "الإعلام العربي" (قنواته الفضائية أعني بالأساس) لا يتحمل الملامة كاملة (كونه قطري المنشأ، حكومي التصور، محافظ التوجه)، فإن الملامة الحقيقية إنما تقع على النظام العربي بأكمله ليس فقط لأنه لم يستطع إفراز خط إعلامي يواكب الانتفاضة صورة ومضا مينا، ولكن أيضا لأن هيئته الإقليمية المركزية (الجامعة العربية أقصد) لم تتمكن من وضع خطة إعلامية (تلفزية بالخصوص)، مدروسة الأهداف والأبعاد، قابلة للتنفيذ، غير خاضعة للإكراهات.

 

وإذا كان الأمر متعذرا لإقامة خطة إعلامية متكاملة على اعتبار ضعف النظام العربي واهتراء مكوناته وعجز الجامعة العربية على ضمان السقف الأدنى للعمل المشترك، فإن المطلوب راهنا (بصرف النظر عن الصيغ المناسبة) هو التركيز على أمرين أساسيين اثنين على الأقل لمواكبة مد الانتفاضة:

 

- الأمر الأول: إذا لم يكن النظام العربي القائم (وفي صلبه الجامعة العربية) غير قادر على إفراز خطة إعلامية موحدة لإسناد الانتفاضة وتطعيمها بخطاب يعطيها الحافز المعنوي الضروري، فالمطلوب منه حالا بالأساس  ضرورة وضعه و فرضه "لقاموس اصطلاحي" تجبر بموجبه القنوات الفضائية (كما باقي وسائل الإعلام) على اعتماده وتبنيه كجزء من ميثاق شرف عام.

 

ليس المطلوب هنا من ذات النظام ابتداع مفاهيم في الإعلام جديدة، ولا المقصود خلق منظومة عربية من المصطلحات على غرار السائد، ولكن المطلوب هو الوعي بأن ما تمارسه الصهيونية (والإعلام الغربي أيضا)  إنما هو جزء من حرب سيميائية كبرى... للمفردات والمفاهيم في خضمها أهمية مركزية.

 

لا تنقص الأمثلة في ذلك أو تتعذر بل قل إن أقصاها وأخطرها مفعولا على الإطلاق على الإنسان العربي هو تعامل وسائل إعلامه مع العمليات الاستشهادية التي ينفذها شباب الانتفاضة.

 

والواقع أن العديد من القنوات الفضائية العربية (وباقي وسائل الإعلام) لا تتوانى في اعتبار العمليات إياها عمليات "انتحارية" أو " فدائية" أو ما شابه ذلك، في حين يكاد يقترب بعضها الآخر من وصفها ب "الإرهابية" (على غرار الإعلام الصهيوني والغربي بوجه عام).

 

لا يقتصر الأمر في ذلك على البرامج الإخبارية أو التعليقات الصحفية، بل يتعدى الأمر ذلك إلى البرامج الحوارية التي يؤثث لها " المحللون السياسيون" أو "رؤساء" المراكز البحثية أو "خبراء الاستراتيجيا" أو غيرهم.

 

وعلى هذا الأساس، فإذا كانت "السلطة" الفلسطينية ذاتها تنعت ذات العمليات بأنها "إرهابية" (كيفما تكن المسوغات الثاوية وراء ذلك)، فإنه لن يكون الأمر مثار استغراب مستقبلا  لو نعتها الإعلام العربي ب "العمليات التخريبية" على غرار ما يذيع له الإعلام الصهيوني ويروج.

 

- الأمر الثاني ويتعلق (من جانب النظام العربي الرسمي كما من لدن إعلامه) في توحيد الرسالة الموجهة للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص.

 

والمقصود هنا إنما القول بأن الإعلام العربي (على غرار النظام القائم عليه) لم ينجح في " تسويق" رسالة الانتفاضة والعمليات الاستشهادية خصوصا في كونها رد فعل طبيعي ومنتظر ومبرر وليست بأي حال من الأحوال فعلا مستقلا أو إرهابا.

 

لا توجد مكامن التقصير بهذه النقطة في كوننا لا نتوفر على إعلام موجه للغرب خصيصا، ولكن أيضا لأنه إعلام يعيد إنتاج نفس المقولات وبنفس الوجوه.

فالفضائيات العربية مثلا لا تمل (طيلة ساعات إرسالها) من استدعاء وجوه (من "السلطة الفلسطينية" و من "المحللين") أثبتت الوقائع إفلاس منظومة تفكيرهم وعجزهم عن التواصل مع الجماهير.

 

وعلى هذا الأساس، فالمطلوب إعلاميا ليس فقط توحيد الرسالة وخلق آليات ناجعة لتصريفها بالغرب، ولكن أيضا اختيار من لهم القدرة والكفاءة والصدق على تبليغها وجعلها مستساغة لدى العامة من بين ظهرانيه.

 

2- وإذا كانت القناعة شبه قائمة بأن صورة الانتفاضة لدى الغرب قد أصبحت رديفة "للإرهاب" والعمليات الاستشهادية ضرب من ضروب العنف و "التخريب" فلأن الأداء العربي الرسمي رديء والإعلام السائد غير ذي جدوى كبرى.

 

فعلى الرغم من التزايد المطرد للمنابر الإعلامية العربية بالمهجر (صحفا ومجلات وقنوات فضائية وغيرها) فإنه من غير الوارد المراهنة عليها.

 

والسبب في ذلك لا يكمن فقط في كونها صورة شبه مكرورة لوسائل الإعلام المحلية أو الوطنية، ولكن أيضا لأنها تشتغل في محيط اخترقته الصهيونية منذ زمن بعيد وأصبح النفوذ إليه بالتالي أمرا متعذرا.

 

ثم هي منابر غالبا ما تتحدث باسم الأنظمة القائمة عليها أو الممولة لنشاطاتها، وبثها موجه للجالية العربية (المتعاطفة مع الانتفاضة أصلا) أكثر ما هو موجه لأهل البلد.

بالتالي فالمراهنة على إعلام المهجر هو من المراهنة على الإعلام الرسمي سواء بسواء.

 

إذا كانت المراهنة على الإعلام المحلي كما على إعلام المهجر مراهنة إلى حد بعيد خاسرة في الزمن الحاضر، فعلى ما المراهنة إذن؟

 

ليس من بديل في الوقت الراهن عن الجامعة العربية وإن في علتها وتقصيرها وقصور أدائها، فهي (اليوم على الأقل) في كل الأحوال، فضاء "العمل المشترك"  بل قل " قاعة الاجتماعات" الوحيدة المتوفرة لديه.

بالتالي فهي الأداة الموجودة و المتاحة لغرض إقامة خطة مستعجلة لإسناد الانتفاضة ودعمها.

 

والخطة إياها لن تتكفل بصياغتها الدول الأعضاء بل تتراءى لنا من خلال إنشاء مجلس إعلامي عربي أعلى تفوض له الجامعة العربية المهمة هاته، تمنح له الاستقلالية المادية والمعنوية، يقوم عليه خبراء عرب أكفاء ولا يخضع في تأدية مهمته لإكراهات الحكومات أو لحسابات الأنظمة الرسمية.

 

وهو من هنا (أو على الأقل كما نتصور صيغته الأولية) لن يكون ناطقا رسميا باسم جهة من الجهات أو هيئة استشارية قد يعتد وقد لا يعتد برأيها، بل مؤسسة تقريرية فيما سيوكل إليها من مهام ومسؤوليات.

 

لن يكون مطلوبا من ذات المجلس إعادة تقنين الممارسة الإعلامية على المستويين القطري والعربي (وهو ما تتكفل به الحكومات وأجهزتها) بقدر ما هو مطالب بتثبيت أمرين أساسيين اثنين فيما يتعلق بمواكبة الانتفاضة:

 

- توحيد خطاب القنوات الفضائية العربية (وباقي وسائل الإعلام الأخرى) على أساس مواجهة الحرب السيميائية التي ما فتئت الصهيونية تنهجها وتروج لها بالعالم العربي كما بالغرب.

- واستنبات ميثاق شرف إعلامي تلتزم القنوات الفضائية (بالأساس) بموجبه بطبيعة ونوعية الخطاب الإعلامي الذي من المفروض اعتماده وتبنيه.

والتلميح هنا لا يطال الإعلام المحلي فحسب، بل وأيضا إعلام المهجر.

 

إذا لم يتم التوافق على توجه من هذا القبيل لمواكبة الانتفاضة وإسناد استمراريتها، فترى على ماذا سيتم التوافق...ألم يقل يوما إن فلسطين هي القضية الوحيدة التي يتوحد العرب بشأنها؟

 

جريدة العلم، 13 أكتوبر 2002