في انتكاسة الحريات الإعلامية كخاصية عربية

يحيى اليحياوي

 

1- ثمة مسلمة جوهرية كبرى تشارف، في الغالب الأعم، على البديهة الثابتة بالعالم العربي كما بسواه من بلدان العالم الثالث مفادها: أن لا شيء عصي على النكوص والانتكاس حتى في بلوغ ذات الشيء مراتب عليا من التجدر والتكريس.

فالكل، حقوقا و"مكتسبات"، حريات وضمانات، خاضع لإمكانات الارتداد ولا شيء يسلم من شتى ضروب الزجر والحجر إذا لم يكن ذلك بنصوص القانون المباشرة فحتما بأساليب التأويل الممكنة وفعل الممارسة الواضحة.

والحقيقة أن " قابلية" الحريات والحقوق والضمانات على الانتكاس بالوطن العربي لا تفسر فقط باللجوء إلى واقع عام تتسيد بداخله سلوكيات الاستبداد   و"قيم" الرأي الواحد، ولكن أيضا لأن ذات الحريات (كما الحقوق والضمانات) تقدم (وهي عموما كذلك) ولكأنها هبة من الحاكم يمنحها كرما منه وتكرما ويسحبها بمزاجه متى عن له ذلك وتراءى.

بالتالي، فهي ليست مكاسب دائمة ولا مكتسبات قارة ...هي منحة مؤقتة لا يتردد الحاكم في سحبها جملة وتفصيلا كلما استجد بمزاجه أمر يبرر له ذلك أو دونما ضرورة من لدنه على  التبرير.

وعلى هذا الأساس، فلا يبدو لنا ما وقع بلبنان مؤخرا من إغلاق لمحطة "إم.ت.ف" ووقف للبث الفضائي لمحطة "إن.ت.ف"، لا يبدو لنا خارجا عن سياق الانتكاسة المستمرة للحريات العامة والتي لا تعتبر انتكاسة حرية الإعلام ضمنها إلا تجليا من تجلياتها الكبرى.

وإذا كانت إحالتنا هنا منصبة من البدء على لبنان فليس لأن النماذج بالعالم العربي تعدمنا أو حالات الانتكاسة بداخله نادرة، ولكن لأنه البلد الذي لا يستطيع المرء أن يزايد على مستوى الحريات الإعلامية التي كانت قائمة به قبل الحرب الأهلية (ولربما خلالها أيضا)  كما بعدها، أي في مرحلة "إعادة الإعمار" اللاحقة على فترة الحرب تلك.

ولئن كان المبرر المقدم من لدن السلطات لإغلاق محطة "إم.ت.ف" كامنا في كونها "تطاولت" على علاقة لبنان بسوريا وتمادت في "تطرفها" في معارضة التواجد السوري بلبنان، فإن المسوغ لمنع البث الفضائي لمحطة "إن.ت.ف" إنما جاء نتاجا لعزم القناة (ليس إلا) على بث برنامج "إخباري" تبين من وصلاته الإعلانية (ليس إلا) أنه استمد مادته من طبيعة النظام بالسعودية وعلاقة الحاكم بالمحكوم بذات البلد.

يبدو من الحالتين، حتى وإن اختلف السياق وتباينت الأدوات، أن الخلفيات والحيثيات هي ذاتها في حالة الإغلاق كما في حالة منع البث: ف"التشنيع" بالعلاقة مع سوريا الذي اعتمدته "إم.ت.ف" خطا تحريريا (أو يكاد) قدم من لدن الحكومة القائمة ولكأنه مس ب"الأمن القومي" للبنان...تماما كالتعرض للأسرة الحاكمة بالسعودية والتي لرئيس الحكومة اللبنانية معها ومع محيطها، ولسنين طويلة خلت، من المصلحة أكثر ما له إزاءها من الود.

بالتالي، فلم يكن (أو هكذا يبدو لنا) من مواز لقوة قرار الإغلاق والمنع إلا قوة العلاقة التي تربط سوريا بلبنان وتجمع رئيس الحكومة اللبنانية بنظام الحكم بالسعودية.

2- و بصرف النظر عن طبيعة المسوغات المعتمدة في الحالتين معا وبغض الطرف عن الخلفيات الحقيقية التي حكمت الحالة الأولى كما الثانية، فإن الذي حدث بلبنان يحيل حتما (ولا يمكن إلا أن يحيل) على ثلاثة إشكالات نادرا ما يعار لها من لدننا الاعتبار اللازم:

+ الإشكال الأول ويتعلق بالاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) بأن مستوى الحرية الإعلامية بأي بلد (فبالأحرى عربيا) لا يقاس بالضرورة بعدد المنابر الصحفية أوالمحطات التلفزية أو تعدد مصادر المعلومة والخبر من بين ظهراني صحفييه، بقدر ما يجب أن يقاس، في تصورنا، بعدد النصوص السالبة للحريات وطبيعة "الخطوط الحمراء" المصاغة للحيلولة دون التعرض لهذه الجهة أو تلك، لهذا الملف أو ذاك.

ومعنى هذا أن خطا أحمرا واحدا غالبا ما يكون كافيا وأكثر لتلويث مجال الحريات وجره إلى حالة انتكاس حقيقية حتى وإن تعددت "الخطوط الخضر" الضامنة للحرية بذات المجال.

ومعناه أيضا أن نصا واحدا يجرم التعرض لشخص الحاكم أو يحرم التعرض لطبيعة سلوكه وعلاقاته أو ما سوى ذلك من شأنه أن يلغي ما تبيحه وتضمنه ترسانة قانونية من عشرات الفصول والمواد.

بالتالي، فالعبرة عند الحكم يجب أن تتم اعتبارا للنصوص السالبة للحريات الإعلامية لا بالاحتكام فقط إلى ما يضمن ذات الحريات.

والقصد هنا تحديدا إنما القول بأنه إذا لم يتعرض الإعلام لسياسة الحاكم أو لأسلوبه في تدبير الشأن العام وينبش في خلفيات علاقاته بالمحكوم، ففيما يا ترى سيتحدث؟ أو ليس من الغبن منعه من التعرض لدولة ما (حتى وإن كانت "شقيقة") إذا كان سلوك حكامها يطالنا وطبيعة النظام القائم بها من طبيعة نظمنا وحالة الاستبداد بها شبيهة بالسائدة لدينا وهكذا؟

هذا إشكال حقيقي وجوهري فيما نعتقد، إذ لا ديموقراطية بدون حرية ولا حرية بوجود محاذير واهية.

+ أما الإشكال الثاني فنخاله كامنا في التقدم الحاصل من لدن السلطة التنفيذية على ارتهان سلطة الإعلام وسلطة القضاء عبره أو من خلاله.

فإغلاق "إم.ت.ف" كما منع البث الفضائي لبرنامج "بلا رقيب" التي كانت تنوي بثه "إن.ت.ف" تما معا بقرار قضائي في الحالة الأولى و"كتدبير احترازي" من لدن النيابة العامة في الحالة الثانية...

وعليه، فليس ثمة من شك في أن للقرارين معا مصدر واحد (أعني رئاسة الوزراء) حتى وإن اعتمد القضاء في تصريفهما وإلباسهما صفة "الشرعية" في الشكل.

وإذا لم يكن من المتعذرعلى المرء اسنتاج أن رئاسة الحكومة بلبنان هي الثاوية خلف قرار إغلاق محطة "إم.ت.ف" كونها سلكت نهج المعارضة الشرسة للتواجد السوري واختطت لنفسها على ذلك خطا إعلاميا قارا، فإنه لن يتعذر عليه استنتاج أن الرئاسة ذاتها هي التي كانت خلف منع بث برنامج "بلا رقيب".

والحجة في ذلك أن البرنامج لم يدع ولم ير المشاهدون منه إلا وصلات إعلانية بنت عليها الحكومة والنيابة العامة قرارهما بالمنع على خلفية من أن البرنامج "قد يكون" من شأنه الإساءة لعلاقة لبنان بالسعودية...بالتالي، فإدانة المحطة لم تتم بناء على جرم قائم وثابت بل على جرم كانت تعتزم اقترافه..." فوجب الاحتراز درء للمضرات" كما قيل ويقال في حالات شبيهة.

+ الإشكال الثالث ويحيل أساسا إلى "تسابق" الدول والحكومات على خلق مجالس عليا للإعلام السمعي والبصري إما على خلفية من "تنظيم القطاع" أو تحت مسوغة "خلق آليات قانونية جديدة لتطويره" من لدن المشتغلين بذات القطاع لا من لدن السلطة الحكومية القائمة عليه منذ البدء.

وهو توجه سليم قياسا إلى ما تم ويتم بالدول الديموقراطية، لكنه في حالة لبنان كما في حالة الأردن (وفي المغرب حتما) يبقى لصيقا بالسلطة التنفيذية... يأتمر بأوامرها في الشكل ويبرر لذات "الالتصاق" في الجوهر...

بالتالي، فقيام ذات المجالس لن يصب بالضرورة (ولا يمكنه أن يصب بأي حال من الأحوال) في خانة المزيد من الانفتاح أو المزيد من توسيع مجال الحريات الإعلامية (أو هكذا نزعم) بقدر ما هو تحويل لصلاحيات الجهاز التنفيذي الحكومي إلى جهة هي حتما جزء من ذات الجهاز إنشاء وتأطيرا وتمويلا.

صحيح أن قرار منع بث برنامج "بلا رقيب" فضائيا تم بناء على بنود عقدة الترخيص الذي التزمت "إن.ت.ف" بمقتضاها بعدم التعرض (بالإساءة) لأية دولة "شقيقة" أو تربطها بلبنان علاقات مميزة، لكن الثابت أننا لم نعاين قرارا شبيها لقرار المنع هذا في حالات شبيهة تعرضت فيه قنوات أخرى لأنظمة عربية و حكومات بلغت في بعضها إذا لم يكن التخوين المباشر، فعلى الأقل التشنيع المضمر.

3- هذه الإشكالات الجوهرية الكبرى لم نعرض لها هنا (وإن بإيجاز شديد) بهدف المزايدة على "علاقتين" تعتبرهما لبنان من "طبيعة خاصة" ولكن بغرض الوقوف عند ثلاثة تساؤلات مركزية:

- التساؤل الأول ويكمن في "سقف" الحرية الذي تستحيل الممارسة الإعلامية في تجاوزه ويتحول الإعلاميون جراء ذلك إلى جزء من السلطة لا سلطة لمجالهم تذكر: ما الدافع لإغلاق محطة أو منع بث برنامج ( في حالة لبنان مع سوريا و مع السعودية)  ولا يكون  لذات الفعل مسوغات تذكر في حال تعرض ذات المحطة لأمريكا مثلا أو لفرنسا أو لغيرها وهي التي لا تعدم قوة ونفوذا بلبنان كما بسوريا كما بالسعودية؟

أو لا يخشى يوما أن يصبح التعرض لإسرائيل وللصهيونية مسوغا لإغلاق محطة أو سجن صحفي؟ من دون أدنى شك فيما يتبين لنا.

- التساؤل الثاني ويرتبط إجمالا بسلوك الحاكم كما بطبيعة ذهنيته كما بتركيبة نفسيته: لماذا لا يؤمن الحاكم العربي بقابلية سلوكه على الاعوجاج ولا يعترف بخاصية الاستبداد الذي تطبعه ذهنية وفعلا؟ من ذا الذي بالعالم يجهل السلوك الاستبدادي الذي يميز الحاكم العربي في حكمه واستئثاره هو وحاشيته بمختلف ضروب السلطة والثروة؟

بالتالي، فإذا منعت محطة تلفزية ما من بث برنامج أو إذاعة خبر، فإن عشرات المحطات قد تتكفل بذلك ولربما بنبرة أقوى وأشد.

- التساؤل الثالث: لماذا كل شيء لدينا قابل للانتكاسة لا بل لماذا الانتكاسة هي خاصية عربية بامتياز؟

قد يزعم المرء هنا بأن السر كامن لربما في ثقافة الاستبداد المتمكنة منا، وقد يزعم آخر بأننا لم نستنبت بعد معنى الحرية والاختلاف والتعدد.

هما الأمران معا وأكثر فيما نعتقد،إذ تعذر سبل استنبات الحرية والاختلاف، كما تعذر موطنة التعدد، هما اصلا وبالمحصلة من "ثقافة" الاستبداد التي زرعها الحاكم وجعل منها... أداة حكم وتحكم.

جريدة العلم، 19 يناير 2003.