في العدوان على العراق كعدوان على الصورة

يحيى اليحياوي

 

في خلاصة لإحدى الدراسات التي أصدرها مركز الدراسات في التواصل التابع لجامعة مساشوسيتس نشرت عقب حرب الخليج الثانية نقرأ ما يلي: " كلما رأى المشاهدون التلفزة كلما قل إخبارهم وكلما قل إخبارهم كلما زادت تزكيتهم للحرب".

 

من المؤكد إذن، على الأقل بناء على هذا الاستخلاص، أن التلفزة (والمجال السمعي/البصري إجمالا) أضحت، في شكلها كما في مضمونها، ولكأنها أداة لا تتغيأ الإخبار، وفق هذا الخط التحريري أو ذاك، بقدر ما غدت وعاء لإنتاج وتمرير الخبر دونما هاجس للإخبار على خلفية من الحيادية أو الموضوعية أو على أرضية من التجردية.

 

لا تقدم التلفزة هنا كوسيط للخبر أو كمعبر وجسر لنقل المعلومة، بقدر ما تقدم كآلة إعلامية تتحدد ماهيتها بحجم ما تمرره من أنباء وأخبار ومعلومات وسواها.

ثم هي تقدم ك" صاحبة رسالة" المفروض فيها (والمطلوب أيضا) بأن الذي تنقله للمشاهد هو "الحقيقة" وما سواها تضليل وتمويه وكذب.

وهي، فضلا عن كل ذلك، مطالبة بتكوين رأي عام (أو تكريسه إن كان قائما) لا بجهة استقلالية ما لمكوناته بل بالاحتكام إلى ما تقره المؤسسة السياسية والعسكرية وتقرره تحت مسوغ "المصلحة القومية العليا" أو "الأمن القومي" أو غيرها.

 

لم تتغير الوظيفة المناطة بالجهاز التلفزي منذ بداية تسعينات القرن الماضي ولا تسنى لها أن تخرج عما حدد لها من مجال في ميداني الكلمة والصوت كما في ميدان الصورة والرمز، بل قل إن ذات الوظيفة قد تجذرت وتعمقت منذ هذه الفترة على الأقل بإزاء العراق:

 

+ قفنوات العالم وشبكاته التلفزية (سيما بالولايات المتحدة وبريطانيا) لم تعمل، منذ حرب الخليج الثانية، على تبرير ما قام به التحالف الثلاثيني في حينه، بل بررت بالصوت والصورة ل"ضرورة التصدي لديكتاتورية النظام بالعراق"، ل"طبيعته العدوانية"  بجهة " تخليص العالم من تهديداته وإبعاده عن شروره".

 

+ وتلفزات العالم، كما صحفييه ومراسليه ومعلقيه، لم ينفخوا فقط في مسألة امتلاك النظام القائم بالعراق لأسلحة الدمار الشامل، بل نفخوا أيضا وإلى حدود قصوى في ضرورة استمرار الحصار عليه حتى يتسنى للأمم المتحدة " تدمير" ذات الأسلحة وتقويض البنية التي بفضلها يصنع ذات الأسلحة.

 

+ ومحطات البث التلفزي، بالولايات المتحدة كما ببريطانيا كما بمعظم دول العالم، لم تزايد فقط على فرق التفتيش الأخيرة وعلى وظيفتها، بل ذهبت لحد التأكيد على مجانية ما تقوم به على اعتبار "أن النظام يخفي ذات الأسلحة أو يحرك نقط تواجدها" مما يحول " موضوعيا دون الوصول إليها أو التوصل إلى معلومات بشأنها أو بشأن البنية القائمة عليها".

 

لا يبدو الأمر، في الحالات الثلاث، كونه فقط عكسا بالكلمة والصورة من لدن المؤسسة الإعلامية لما تصدره المؤسسة السياسية/العسكرية، بل يتعداه إلى اجتهادات عدة من لدن الأولى غالبا ما تعمل الثانية على تسريبها، تلمح إليها أو توحي  ب"إمكانيتها" أو باحتماليتها حتى...وهكذا.

 

وعلى هذا الأساس، فالحرب النفسية التي مورست على العراق، ولأكثر من عقد من الزمن، لم يكن مصدرها الوحيد وزارات الدفاع أو الخارجية أو ما سواها فحسب، بل وبالأساس المؤسسة الإعلامية التي تعتبر بامتياز محركها المركزي، بل قل قلبها النابض الذي يسقي الشرايين ويرويها وبوتيرة تستدعي الانتباه حقيقة.

 

لم يختلف السياق كثيرا (بل قل ازداد تجذرا وتمأسسا) قبيل عدوان العشرين من مارس كما طيلة أطواره الأولى:

 

+ فالعدوان المحموم على العراق، منذ العشرين من مارس، لا ينحصر فيما نعتقد في الدمار الممنهج لشتى ضروب العمران، كما لمختلف شرائح الشعب بالقنابل والمدافع والطائرات والبوارج والقاذفات، ولا في محاصرة البشر في مأكله ومائه وضوئه، بل وأيضا في محاصرة الصورة التي من المفروض أن تعكس كل هذا دونما تعتيم أو تركيب أو كذب.

 

لا يروم التلميح هنا فقط إلى مبدأ نقل الصورة كما يتم للصحفي التقاطها أو لهذا المراسل أو ذاك تجميع عناصرها، بل وكذلك إلى فرضية تمريرها بهذه الشبكة كما بتلك دونما إعمال للاجتهاد أو استحضار للإكراهات.

 

لم يبد لنا الأمر كذلك منذ انطلقت الضربة على العراق، إذ لم يكن العدوان موجها لهذا الأخير، بقدر ما كان موجها أيضا (بتزامن ولربما بنفس الدرجة أو أكثر) للصورة بما هي ترجمة لواقع الحال وتوثيق للذاكرة وفيصل حقيقي بين شعار " تحرير العراق" وبين مقاومة شعب يرفض ذات العدوان على خلفية من شكل هذا الشعار أو من مضمونه.

 

هو عدوان على الصورة، بداية الأمر ونهايته، ومن جانب واحد، إذ بقدر تأجج المشاعر واشتداد الغضب إثر تمرير صور القتلى والأسرى الأمريكان والبريطانيين، بقدر اللامبالاة التي صاحبت نقل صور الأسرى العراقيين في حالة من التنكيل قصوى، شبه عراة، مقيدي الأيدي ورؤوسهم محشوة في أكياس لا يدري المرء السر في كل ذلك.

 

لو سلم المرء جدلا بأن العدوان على العراق لن يرتد في المدى القريب على أصحابه (على اعتبار الشحنة التي دفع بها الإعلام الأنجلوأمريكي لذلك)، فإنه لن يكون له حتما أن يسلم بالصورة المقدمة لهذا العدوان ولا بالطريقة التي صور بها أو تم له تصوير أسراه في خضمها...إذ صورة العدوان القائم حاليا لا يوازيها حجما وطبيعة إلا العدوان على الصورة التي تمت للتحالف الأنجلوأمريكي تعتيما في ذلك على "عدوه" وتجاوزا مؤكدا في ذلك من لدنه.

 

+ والعدوان على العراق لم يتراءى لنا فقط من خلال الطائرة والمدفع والدبابة أو من خلال إهانة الأسرى (العسكريين منهم كما المدنيين، الرجال منهم كما النساء سواء بسواء)، بل تراءى لنا من خلال حرب الصورة التي مورست على المشاهد عبر "الواقع الإيهامي" الذي تم للولايات المتحدة (ومن ورائها بريطانيا) تصريفه شكلا كما في الجوهر: إذ العدوان لم يبين مثلا صورة الطيار الذي يدمر القلاع ويقتلع البشر والحجر، بل ولم يبين لنا صورة عن نفسيته وهو يطلق، بناء على معطيات حاسوبه، الصواريخ على الأطفال والنساء والشيوخ.

 

لم يتسن، بل لم يكن مسموحا، للمشاهد أن يرى هذا الطيار أو حالته النفسية أو طبيعة بشرته حتى وهو يرمي طيلة ساعات النهار وعلى امتداد سواد الليل، قنابله على بشر لا يعرفهم ولا كان له أن يعاشرهم أو يتعرف على ظروفهم وتطلعاتهم وطموحاتهم: هم أهداف عسكرية ليس إلا  يحدد الحاسوب مكان تواجدهم أو نقط تجمعهم، كي لا يطلع بالتالي إلا بصورة عن أشلائهم متناثرة بين بقايا الإسمنت أو منتشرة تحت جذوع النخيل. قد لا يكون المهم هذا، لكن المهم هي الصورة التي لم يكن لها أن تمرر.

 

+ والعدوان على العراق هو ليس فقط من العدوان على الصورة ومن الطعن في رمزيتها، بل وكذلك من المزايدة عليها في الشكل كما في المضمون، لتغدو بالتالي ولكأنها تتجاوز ذاتها لدرجة النفي.

 

لا يمت التلميح هنا إلى تضارب الصور (حتى وإن كان الاختلاف حول مكان التقاطها أو صدقية الباثين لها)، بقدر ما يمت إلى الطعن في صور قد لا تبدو حقيقة الأمر أنها مكمن مزايدة أومحط تشكيك: فخروج الرئيس العراقي ظهيرة الرابع من أبريل إلى أحد شوارع بغداد والتحامه بجمع غفير من سكان المدينة في صورة رهيبة حقا، لم تثر الاستغراب من لدن التحالف الأنجلوأمريكي فحسب، بل أثارت لديه الشكوك حول الشخص المبثوثة صورته، حول المواصفات المتوفرة فيها، أطبق الأصل هي أم لا تعدو سوى كونها " نسخة" من عشرات النسخ التي قيل إنه تم النسج عليها بيولوجيا أو في الشكل.

 

وعلى الرغم من ثبوت الدليل على أن "الذي خرج" بإحدى شوارع بغداد إنما هو الرئيس العراقي ذاته، فإن حرب الصورة التي تزامنت وشن عدوان العشرين من مارس لم تستطع الاعتراف بذلك أو لم يؤذن لها بذات التسليم...ليغدو العدوان على العراق بالتالي عدوانا شاملا للصورة (للصورة المضادة أعني نهاية المطاف).

 

ليس ثمة أدنى شك، على الأقل من لدننا، في أن العدوان على العراق إنما هو وبكل المقاييس عدوان على الصورة التي قدمها الإعلام الأنجلوأمريكي عن النظام القائم، عن الشعب وعن المشروع الوطني الذي وعته إسرائيل مبكرا فدمرت على أساسه سنة 1981 مفاعل تموز النووي.

 

وليس ثمة شك أيضا أن التعتيم على العدوان الممارس ضد العراق هو أصلا وبالمحصلة من التعتيم على صورة الصمود والمقاومة التي عبر عنها، منذ العشرين من مارس، كما عن صورة الدمار والتحطيم والإهانة التي طالته جراء سلوك الجنود الأنجلوأمريكيين وتجاوزاتهم اللااخلاقية.

 

لم يكن الإعلام العراقي يوما مؤمنا بمقولة جامعة ماساشوسيتس التي قدمنا بها هذا الحديث، ليس فقط لأنه إعلام صادق وجريء ومرجعي (سيما منذ اندلاع عدوان العشرين من مارس)، ولكن أيضا لأنه لا ينهل من منظومة التضليل والتمويه والكذب التي تتجبر بمقتضاها مقولة "كلما كذبت على الشعب كلما ضمنت ولاءه".

 

جريدة العلم، 20 أبريل 2003