"العراق تحت
الوصاية
الأمريكية"
موهم
بالقطع, من كان
أو لا يزال
يتصور, أن
الأمريكان
سينسحبوا, أو
كان في وارد
نيتهم
وحساباتهم,
الانسحاب من
العراق
بنهاية العام
2008 (وفق منطوق
القرار 1790 الصادر
عن مجلس
الأمن,
والمستند على
الفصل السابع)
دونما الحصول
على "ضمانات"
استراتيجية
وأمنية طويلة
المدى, تجازيهم
عما "تكبدوه"
من خسائر في
المال والبشر,
وتكرس
تواجدهم
ببلاد
الرافدين
وبالمنطقة عموما,
لآجال لا يعلم
مداها إلا
الله تعالى.
هم
لم يغزوا
العراق
ويقلبوا نظام
الحكم به, بغرض
تدمير أسلحة,
كانوا يعلمون
علم اليقين
أنها غير
موجودة
بالأصل, ولا
بغاية نشر
أنموذج في
الديموقراطية,
يخرج شعوب
المنطقة من
غياهب التسلط
والديكتاتورية.
إنهم غزوا
العراق
واحتلوه, لأن
لهم به وبدول
المنطقة,
مصالح
اقتصادية
وجيوستراتيجية
كبرى, بدا لهم
بالحجة
والدليل, أن
نظام
الرئيس/الشهيد
صدام حسين,
بدأ يهددها,
ويزايد عليهم
فيها, على
مستوى الخطاب,
كما على مستوى
السلوك على
الأرض.
لم
يكن
الأمريكان
يدركون أن
الأمر سيتطلب
منهم خمس
سنوات وأكثر,
أعملوا
خلالها
الاستراتيجيات
والاستراتيجيات
المضادة,
ناوروا على
امتدادها وابتزوا,
أرهبوا
وقسموا
وحاصروا
البشر والحجر,
ولعبوا فوق كل
هذا وذاك, على
وتر
الحساسيات
الدينية
والعرقية
والطائفية,
حتى بات
العراق بظل
نظام حكمهم,
مللا ونحلا
وأطيافا
ومذاهبا ومماليك
هنا وهناك,
الكل من بين
ظهرانيها مع
الكل ضد الكل.
وبقدر
تعقد الوضع
هناك ببلاد
الرافدين,
وتشابك خيوط
وأطراف
اللعبة,
واستحالة
الاستمرار
دونما أفق
يذكر, ارتفعت
المطالبات
بالانسحاب من
داخل أمريكا,
وتزايدت
الضغوط من هنا
وهناك, حتى
إذا ما اقتربت
ساعة رحيل
الرئيس جورج
بوش, مهندس كل
ذلك, بدأت
"المفاوضات"
مع حكومة الاحتلال
لضمان بقاء
شرعي, وتواجد
مقبول, يقطع
الطريق على
دعاة
الانسحاب المبكر,
ويعطي
الانطباع بأن
الأمريكان
ملتزمون قولا
وفعلا,
بقرارات
الأمم
المتحدة, التي
تؤطر لذات
البقاء وتسوغ لذات
التواجد.
وعلى
هذا الأساس,
فإن فلسفة
"الاتفاقية
الأمنية", ومن
خلفها "اتفاق
الإطار
الاستراتيجي",
المعتمدان
مؤخرا من لدن
الولايات
المتحدة
الأمريكية
وحكومة
الاحتلال في
العراق, لا يتغيآن
ترتيب
الانسحاب بما يضمن
للعراق
استعادة
سيادته, بل يرميان
إلى إلباس
التواجد
الأمريكي
هناك (عسكريا
واقتصاديا
وثقافيا)
لبوسا ناعما,
بعدما استنفذ
التواجد
الخشن
المباشر
وظيفته, وبات
مصدر كلفة لا
تطاق, بل ومكمن
مزايدة من لدن
رئيس أمريكي
منتخب, لم
يستسغ كثيرا
عنجهية جورج
بوش, ولا
استحب طريقته
في إدارة
مرحلة ما بعد
احتلال
العراق.
إن
قراءة عابرة
لبنود هاتين
الوثيقتين,
والاطلاع
السريع على
ردود الفعل
اللتان
أثارتهما, لا
تعطي
الانطباع بأن
الأمريكان قد
صاغوهما على
المقاس (دع
عنك الادعاء
الأجوف
ب"نجاعة
المفاوض
العراقي"), بل
تبين بجلاء,
بأن البلاد
ستدخل مرحلة
الوصاية
والانتداب, من
تاريخ
التوقيع, وإلى
ما بعد العام 2011,
تاريخ الرحيل
الافتراضي للجيوش
الأمريكية, أو
لنقل بلغة
العصر الرائجة,
تاريخ إعادة
انتشار ذات
الجيوش:
+ فوثيقة
"اتفاق
الإطار
الاستراتيجي"
تتحدث عن
تواجد "طويل الأمد"
(لربما على
شاكلة ما هو
قائم منذ
أواسط أربعينات
القرن الماضي,
بألمانيا
واليابان),
سيكون
للولايات
المتحدة طيلته,
وضعية الدولة
داخل الدولة,
لها مساحاتها
ومنشآتها وتجهيزاتها
وعتادها
الحربي
وأسطولها
بالبر والبحر والجو,
لن يكون
بإمكان
الحكومة
القائمة بالمنطقة
الخضراء, ردع
تجاوزاتها, أو
التصدي لها إن
هي عزمت على
استهداف
مواقع داخل
العراق, أو
خارجه
بالمحيط
الإقليمي
المباشر.
إن
القول
بالتزام
القوات
المسلحة
الأمريكية
"باحترام
القوانين
والأعراف
والتقاليد والاتفاقيات
العراقية",
وأن مهام ذات
القوات هو
"التعاون في
القيام
بعمليات ضد
القاعدة,
والمجموعات
الإرهابية
الأخرى,
والمجموعات الخارجة
على القانون,
بما في ذلك
فلول النظام السابق",
إن القول بذلك
إنما هو من
القول بأن لا
أفق قائم
لانسحاب ذات
القوات, على
الأقل من منظور
أن القاعدة
و"المجموعات
الإرهابية",
و"فلول النظام
السابق", هي
عناصر
المقاومة
بالعراق,
واستمرار
مقاومتها
ثابت ومؤكد,
مادام
الأمريكان
متواجدون بالشكل
الحالي, أو
بما سواه من
أشكال أخرى
بالمستقبل.
بالتالي,
فلما كان من
المستحيل
بالمدى
المنظور,
القضاء على
هذه العناصر,
أو تحييد
فعلها
بالاستيعاب
السياسي مثلا,
فإن بقاء
الأمريكان هو
بقاء بدون مدى
زمني محدد أو
محدود, أو
لنقل هو من
بقاء تنظيمات,
لا يمكن دحرها
بالمطلق
بالآماد
القصيرة, أو المتوسطة,
أو البعيدة
حتى.
+ والوثيقة,
في موضوع
الولاية
القانونية
والقضائية, لا
تستثني فقط من
المتابعة
والمقاضاة
جنودها
بالخدمة أو مدنييها
بعين المكان,
بل وأيضا
الأطراف
المتعاقدة مع
الأمريكان,
أفرادا
وكيانات. وهو
ما من شأنه
إطلاق يدها
بنسب متقدمة,
وجعل أرزاق
وأعناق
العراقيين
تحت رحمتهم
المباشرة, في
الزمن
والمكان.
الوثيقة
بهذا الجانب
واضحة
المدلول,
قطعية الدلالة:
"تكون
للولايات
المتحدة,
الولاية
القانونية
على أفراد
القوات المسلحة
والعنصر
المدني, داخل
وخارج
المنشآت
والمساحات
التي تستخدمها
تلك القوات
حصرا...باستثناء
الأعمال
العمدية
والخطأ
الجسيم". بالحالة
الأخيرة (حالة
"الأعمال
العمدية
والخطأ
الجسيم"),
"تولي
الولايات
المتحدة كامل
الاعتبار لأي
طلب يقدم من
العراق,
للولاية على
أفراد القوات
المسلحة
الأمريكية
والعنصر
المدني", بما
معناه
بالمحصلة, أن
قاعدة
الولاية هي للقانون
الأمريكي,
فيما للقانون
العراقي ما
فضل من حالات,
وحتى ما فضل,
يتم تسويته "بالاتفاق
المتبادل بين
الطرفين".
+
ثم إن الوثيقة
تعفي
الأمريكان,
أفراد قوات
عسكرية
وعناصر مدنية,
ومتعاقدين, من
إجراءات
الدخول إلى
العراق
والخروج منه,
التي يسنها
القانون
العراقي, أي
دخولهم
وخروجهم
دونما التدقيق
في هوياتهم,
أو طبيعة ما
يحملون معهم,
ودونما أن
يخضع ما يخرجونه
أو يستقدمونه
لضرائب أو
رسوم, على أن "يخضع
البريد المرسل
عن طريق خدمات
البريد
العسكرية, إلى
تصديق سلطات
الولايات
المتحدة,
ويعفى من التفتيش
والبحث
والمصادرة من
جانب السلطات العراقية".
معنى
ذلك بالواضح
الصريح, أن
القوانين
الأمريكية هي
النافذة بهذه
الجوانب, وما
سوى ذلك (من
قبيل "لا تخرج
قوات الولايات
المتحدة
العملة
العراقية من
العراق") هو من
قبيل
الصياغات
الإنشائية
الصرفة, التي
لا تقدم ولا
تؤخر من وفي
واقع الحال.
+
وتخلص
الوثيقة, كما
لو أنها تريد
إعطاء
الانطباع
بأنها ستضمن
للعراق التحرر
والسيادة:
"يمكن أن
تنسحب قوات
الولايات
المتحدة
المقاتلة,
بتواريخ قبل
تلك المحددة
في هذه
المادة, بناء
على طلب أي
الطرفين, ويقر
الطرفان بحق
حكومة العراق
السيادي, لطلب
مغادرة قوات
الولايات
المتحدة
للعراق في أي
وقت".
هي
عبارات
للمجاملة
وتطييب
الخواطر ليس
إلا. فالأمريكان
لن ينسحبوا
بمجرد أن تطلب
منهم حكومة
الاحتلال ذلك,
والحكومة
إياها لا
تستطيع ذلك
قطعا, لأنها
تدرك أن في
ذلك مقتلها, وتهاوي
منظومتها,
وعودة
منتسبيها,
وزراء ونواب
وموظفين, من
حيث أتوا, أي
العودة إلى
المنافي,
بإيران أو
ببريطانيا أو
بالولايات
المتحدة ذاتها.
وعلى
هذا الأساس,
فإن هذه
الوثيقة
(تماما كرديفتها
المحددة
للإطار
الاستراتيجي)
لا تكتفي فقط
بتكبيل يدي
العراق, في
الأمدين
القصير
والمتوسط, بل
تفرض عليه وصاية
حقيقية, تربطه
بالأغلال
والحديد لأمد
بعيد, لن يكون
له التخلص منها
إلا بأشق
الأنفس.
صحيح
أن الفكاك من
الاحتلال
يحتاج
لترتيبات سياسية,
تحفظ
للأمريكان
بعضا من ماء
الوجه, ولربما
تضمن لهم بعضا
من الامتيازات
المؤقتة.
وصحيح أيضا أن
استعادة
الاستقلال يستوجب
بعضا من
التدرجية
والليونة في
التعاطي. لكن
ذلك ليس من
صلاحيات
حكومة نصبها
الاحتلال,
وضمن لها الحماية
والاستمرارية,
وتآمر معها
لترتيب مرحلة
ما بعد 31 دجنبر
من العام 2008.
إن
ذلك من
صلاحيات
المقاومة
العراقية
وحدها, ليس
فقط
باعتبارها
الممثل
الشرعي
الوحيد للشعب
العراقي بكل
أطيافه, ولكن
أيضا لأنها هي
صاحبة المصلحة
في ذلك,
والقادرة على
"مفاوضة"
المحتل بندية,
ودونما شروط
مسبقة من
لدنه. إنها
الوحيدة
القادرة على
ترتيب رحيل
الاحتلال,
دونما ارتهان
لحاضر
ومستقبل
البلاد. والوحيدة
القادرة على
إجبار المحتل
لتعويض العراق,
عما ألحق به
من دمار وخراب
وإهانة. لذلك,
لن يطول اليوم
الذي ستمزق
فيه المقاومة
العراقية
الوثيقتين, ثم
تطرد
الاحتلال, ثم تعيد
حكومة
الاحتلال إلى
منافيها, ثم
تعيد العراق
لأهله وذويه...أعني
تعيده لنا,
لنضمد بعضا
مما أصاب كل
مفاصل جسده.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
1 دجنبر 2008