أولا، أشكر الاخوة المنظمين
على هذه الدعوة
الكريمة للحديث
في موضوع أزعم
من البدء أنه ذو
طبيعة تقنية وإجرائية
في شكله، لكنه محكوم،
في تصوري، من ناحية
الجوهر، بحسابات
قد لا تكون بالضرورة
ذات طبيعة اتصالية
أو ثقافية.
من صيغة التساؤل
(لماذا الثقافة
والاتصال في وزارة
واحدة؟) يبدو أن
في الأمر بعض الشذوذ
والتخوف، وهو ما
لم يكن له أن يكون
لو كان هذا الأمر
طبيعيا.
أين يكمن
جانب الشذوذ وأين
يمكن تلمس جانب
التخوف الذي لمسته
شخصيا من نبرة
الاستفهام؟
يكمن في اعتقادي
في مظهرين:
- أولا، في
مظهر الإلحاق الذي يحيل
إلى عهد الإلحاقات
الكبرى التي شهدها
الفضاء الإعلامي
والاتصالي منذ
أكثر من أربعة
عقود وكان أشهرها
إلحاق الإعلام
بوزارة الداخلية
منذ أواسط الثمانينات.
هذا يشي بأن
سلطة القرار بالمغرب
لم يكن من الوارد
لديها إطلاقا الاعتراف
بهوية الإعلام
والاتصال، بل هي
كانت و لا تزال
تعتبره جزءا من
هوية ولا هوية
له ذاتية، قائمة بذاتها ومستقلة.
هذا أمر معروف
ولا مجال للاستطراد
حوله.
- ثانيا،في منطق الإنزال،
وهو جزء من مظهر
الإلحاق بصيغة
ملطفة وبمسوغات
مختلفة كما هو
الحال عليه منذ
مدة بين الاتصال
والثقافة أو بين
المالية السياحة
أو بين الخارجية
والتعاون وقس على
ذلك.
أين العيب
في كل هذا؟
+ الإلحاق
(أو الإنزال) قد
لا يكون مشكلا
في حد ذاته، لكن
العيب يأتي من
منطق الإلحاق بما
هو استصدار لهوية
الواحد على حساب
الآخر وطمس لخصوصيته
وتوظيف لرسالته
كما حدث في مرحلة
الداخلية.
+ والعيب يأتي
أيضا حينما تكون
عملية الإلحاق
غير مبنية على
معطيات موضوعية،
مبررة و لا يمكن
المزايدة بشأنها
ولا تكون بالتالي
محكومة باعتبارات
إجرائية أو تقنية
أو مالية أو بحسابات
سياسية.
هذه أمور
تمهيدية أعتبرها
مهمة وأساسية كأرضية
للنقاش.
وعلى هذا
الأساس، فأنا لن
أتحدث في الموضوع
من خلال بعده السياسي
أو النقابي أو
الإجرائي حتى،
بقدر ما سأحاول
أن أطرح الإشكال
من منظور علاقة
الاتصال بالثقافة
في القرن الحادي
والعشرين على خلفية
من الثورة المعلوماتية
وتزايد وتيرة العولمة.
وهذا لربما
سيساعد على فهم
قرار "ربط" الاتصال
بالثقافة في إطار
بنية مؤسساتية
واحدة بصرف النظر
عن السياسة المتبعة.
ما الذي سيربط
الثقافة بالاتصال
في الألفية الثالثة؟
يربطها أكثر
من عامل لن أتوقف
هنا إلا عند ثلاثة
منها:
- العامل الأول
هو أننا نعيش، منذ
أكثر من عقدين،
ثورة تكنولوجية
عميقة وشاملة طالت
علوم الأحياء والبيوتكنولوجيا
وعلوم الأرض والفضاء،
لكنها تمظهرت أكثر
وبقوة كبيرة على
مستوى تكنولوجيا
الاتصالات والمعلوميات
والسمعي البصري
والنشر الإلكتروني
وقواعد البيانات
وبنوك المعطيات...وغيرها.
بالتالي،
فجزء كبير من المخزون
الثقافي أصبح يعالج معلوماتيا وأصبح
يتداول بسرعة عالية
عبر نظم المعلومات
والأقمار الصناعية
والشبكات الإلكترونية...الخ.
معنى هذا
أن تكنولوجيا الإعلام
والاتصال موسطت
العلاقة بين الثقافة
كمنتج رمزي (كسلعة
يقول البعض) وبين
تقنيات الاتصال
كبنية تحتية للإرسال
والتلقي والترويج.
ومعناه أيضا
أن تقنيات الإعلام
والاتصال مكنت،
وستمكن أكثر خلال
العقود القادمة،
من رقمنة المنتوج
الثقافي وحفضه
وتوزيعه وترويجه
على نطاق واسع.
بالتالي،
فلا يمكن للثقافة،
في الألفية الثالثة،
أن تستغني عن الاتصال (في بعده التقني على الأقل) من خلال الانترنيت والأقمار
الصناعية وبنوك وقواعد المعطيات...الخ، وإلا لحكمت على
نفسها بالانغلاق
والتقوقع...وهذا
قول لا علاقة له
بالخصوصية والذاتية
وغيرها.
- العامل الثاني
هو أنه بقدر ما
يخدم الاتصال الثقافة،
فإن الثقافة بدورها
تخدم الاتصال والإعلام
كمضامين وكمحتويات
لأنها هي مادته
وأداته أيضا، أي
لا يمكن أن يكون
هناك اتصال بدون
معطيات ومعارف
ورموز.
ثم الثقافة
تخدم الاتصال لأنها
هي الوحيدة التي
من شأنها أن تزيح
الطابع التجاري
والميركانتيلي
عن الاتصال.
بمعنى أنه
كلما اقترب الإعلام
والاتصال من الثقافة
كلما تقلص حجم
السلعة بداخله
وتزايدت نسبة الثقافي
بداخله.
- العامل الثالث،
هو أن الثقافة
في أصلها وجوهرها
معلومات ومعطيات
ورموز ذات طبيعة
مختلفة تتحول تدريجيا
إلى معارف ثم إلى
معرفة ثم إلى ثقافة.
أي أن كل المعلومات
والمعطيات والرموز
تصبح نهاية المطاف
(بنسبة معينة) ثقافة
بعدما تمر من مرحلة
المعارف والمعرفة،
شريطة أن يضمن
للأفراد حق الوصول
إلى هذه المعلومات
وضمان القدرة لديهم
على تملكها تدريجيا
ثم إخضاعها لنظام
القيم الذي من
شأنه أن يهضمها
ويصهرها بطريقته.
هذا التسلسل
ليس خطيا بل جدلي
المنحى، تدريجي
وطويل المدى تماما
كما هو الحال بالنسبة
لمقولة روني ماهو:
"التنمية هي العلم
عندما يصبح ثقافة".
ما هي الآية
من سياق كل هذه
العوامل؟
الآية هو
أن هناك علاقة
موضوعية بين الثقافة
والاتصال ستتكرس
أكثر على ضوء ثورة
التكنولوجيا الاتصالية
والمعلومات والمعرفة
التي سيشهدها العالم
طيلة القرن الحالي،
بالتالي وجب تعميق
البعد الاتصالي
للثقافة والبعد
الثقافي للاتصال.
أنا هنا لا
أبرر قرارا أو
أدافع عن ممارسة،
أنا فقط ألاحظ قياسا إلى
ما يحدث من تطورات.
مقابل ذلك،
هناك أكثر من عامل
تنافر وممانعة
بين الثقافة والاتصال،
ليس فقط على مستوى
طبيعة كل منهما
ولا على مستوى
وظيفتهما ولكن
أيضا على مستوى
خلفية وفلسفة الاشتغال:
- أولا، الثقافة
تحيل على الزمن
الطويل، على المدة،
في حين أن الاتصال
يحيل على الزمن
القصير، على الآني،
على الراهن لا
على المستقبل.
بالتالي
لا يمكن المزاوجة
بينهما ما دام
سلم التفكير مختلف
لديهما: الثقافة
تعمل على مراكمة
المخزون الرمزي
في حين أن الاتصال
لا يمكنه ذلك لأنه
ابن اللحظة وابن
الآنية.
ثم أن الدراسات
المتوفرة تبين
بجلاء أن ما يروج
على كونه معلومات
أو اتصال لا يحتفظ
الإنسان المتوسط
منه إلا بنسبة
10بالمائة،
وهذه العشرة بالمائة
هي التي تنصهر
في نظام القيم...في
الثقافة نهاية
المطاف.
- ثانيا، الثقافة
تسائل الإشكال، تموضعه، تضعه في
سياقه العام، في
حين أن الاتصال
يسطحه ولا يتعامل
معه إلا وفق مبدأ
الرأي العام.
بالتالي،
فالعديد من القضايا
الثقافية الإشكالية
الكبرى غالبا ما
يميعها الاتصال
ويصبح المثقف بازائها
رجل اتصال عوض
رجل ثقافة.
بمعنى أن
الثقافة تتعامل
مع الظواهر في
استقرارها عكس
الاتصال الذي ينظر
إليها في سياق
وقوعها وانتشارها
ولحظة موسطتها
إعلاميا.
- ثالثا، الاتصال
يقتل التواصل الذي
هو من صلب العملية
الثقافية.
معنى هذا
أن الثقافة هي
تواصل بين جانبين
في حين أن الاتصال
يبقى محكوما بمنطق
الإرسال، أي يبقى
مبتورا في بعد
التلقي.
هذه، في تصوري،
هي العلاقات الأساسية
التي تربط الثقافة
والاتصال في سياقها
العام.
هل من الضروري
ربطهما في إطار
بنية مؤسساتية
واحدة بالمغرب
أو بغيره؟
جوابي سيكون
بالإيجاب، لكن
شريطة أن يكون
الربط موضوعيا
لا إجرائيا أو
تقنيا. ويكون محكوما
برؤية واضحة لما
نريد أن تكون عليه
الثقافة وما نريد
أن يكون عليه فضاء
الإعلام والاتصال.
إذا كان الأمر
كذلك فأنا أقترح
إضافة وزارة التقنيات
الإعلامية وكتابة
الدولة في البحث
العلمي وغيرها،
لأن القرن الحالي سيشتغل أفقيا وليس
عموديا.
مداخلة
بالحلقة النقاشية
"لماذا الثقافة والاتصال في وزارة
واحدة مع مطلع الألفية الثالثة؟"،
نقابة موظفي وأعوان وزارة الاتصال، المعهد العالي للإعلام والاتصال، الرباط، 7 أبريل 2001