"إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر"

 طه جابر العلواني، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، الكتاب 12، 1998،80 ص.

 

1- بتقديمه للكتاب يقول المؤلف: " إن الأمم والحضارات لا تدخل دوراتها الحضارية، ولا تبنى إلا بمؤسسات متنوعة قادرة على فعل ذلك، متمكنة من بناء إرادة وفعل جماعي متصل، ذي امتداد في الزمان والمكان، قائم على تفاعل بين المشاركين فيه، وانفعال يجعل الدور الفردي دورا قد لا يلتفت إليه، وقد لا تلحظ أهميته إلا في إطار ذلك المجموع الذي يشارك في صنع العقل الجماعي الحضاري. فالمجموع يشكل نسيجا من علاقات متداخلة بين خيوطه، بقدر ما تتداخل وتتلاحم، بقدر ما تكون المؤسسة أقوى، وامتداداتها أكثر فاعلية في الزمان وفي المكان. وحين تعجز الأمة عن بناء الجديد من المؤسسات الضرورية ومواصلة الحفاظ على القائم منها، فإن ذلك نذير عجز وإرهاصات انكسار".

ولعل أول خطوات أمتنا نحو مسيرة "التراجع الحضاري"، يعتقد الكاتب، إنما بدأت عندما بدأت مؤسساتها بالانهيار. "فلم تتحرك الأمة لإنقاذها وإعادة بناء ما انهار منها، وإقامة ما هو مهدد بالانهيار، أو كان مما يريد أن ينقض".   

ولعل إحدى الإشكاليات العميقة الناظمة لذلك، تتمثل في "عدم وضوح العلاقة بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص المعنويين، أو...اضطراب العلاقة بين المؤسسات والأفراد (أو الأشخاص الطبيعيين)، سواء أكانوا مؤسسين لتلك المؤسسات، أو وارثين ومجددين فيها. فقد ينظر البعض للمؤسسات كشخصيات معنوية في إطار الأفراد كأشخاص طبيعيين، وقد تضمحل الفواصل بين الاثنين، نتيجة نرجسية بعض الأشخاص الطبيعيين، وآنذاك تكتب شهادة وفاة المؤسسة، لتحل محلها شهادة ولادة لعبقري فرد مصلح، خارق للعادة الفكرية أو الثقافية".  

2- يتساءل الكاتب في مدخل البحث: لماذا المناداة بإسلامية المعرفة؟

إن من أهم شروط تحقيق الفاعلية والتأثير في أي نشاط اسلامي، يقول المؤلف، إنما "فهم المسلم المخاطب لمحتوى الخطاب الموجه إليه وطبيعته فهما دقيقا، وإدراكه للتناقض البارز بين واقعه المشهود وأمله الحضاري المنشود". 

وإدراك الخطاب وفهمه لا يتم، بنظر الكاتب، إلا إذا تم إدراك بنيات المجتمع النفسية والاجتماعية والتاريخية، التي تكون المناخ الذي يعيش فيه المخاطَب، وخلو الخطاب من التعقيد والانزلاق في متاهات الاختزال أو التعميم ، وتميزه بيسر الفهم.

بالتالي، فصياغة المشروع الحضاري الإسلامي المنشود يفترض أن يعمد "الخطاب الإسلامي المعاصر إلى وضع قضية إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة موضعها الملائم، وإيلائها الأولوية وإعطائها الأسبقية، واعتبارها القضية المفتاح لكثير من جوانب الأزمة، والمشعل الضروري لجلاء ظلام الفتنة الفكرية والعلمية، التي ظل يتخبط فيها الواقع الإسلامي منذ ما يزيد على قرن من الزمان".  

إن السبب الأهم في تخلف إنجازات الإصلاح عن مستوى التضحيات، إنما يتمثل حسب الكاتب، في أن معظم حركات الإصلاح انشغلت بمعالجة مظاهر الأزمة وما تنعكس عليه من آثار يومية ومباشرة، في حين لم يتم التعرض بالبحث والدراسة والمعالجة للجذور والمنابع.

فالمسلمون، يقول المؤلف، حاجة إلى الوعي المعرفي والمنهجي، الذي يمكنهم من توليد الإرادة والقدرة والعزيمة والفاعلية لتجديد مناهج الفهم وفقه التدين، وإلى القدرة على تقويم مسيرة حياتهم العملية والسلوكية بأفكار قائمة على القاعدة العقدية ومصادر التدين".

ليس المطلوب "قراءة جديدة للقرآن الكريم تعتمد على المقاربة أو المقارنة أو التأويل، بل لا بد من تلاوة تستنطق القرآن ذاته إجاباته الشافية وحلوله لتحديات كل عصر وجيل وأسئلته، باعتباره الكتاب المنزل تبيانا لكل شيء إلى يوم القيامة، وحفظه وعصمته من التبديل والتغيير وكماله وتمامه، وإطلاقه أهم مسوقات ختم النبوة وتوقف النبوات".

من هنا، فالمؤلف "لا يعتبر تجديدا للدين أن تجدد تراث أسلافنا، الذي يمثل خلاصة فهمهم وفكرهم في الدين، كما لا يعتبر تحديثا تقليد الغرب ومتابعته في خطواته. بل يستمد التجديد حقيقته من إعادة تشكيل العقل المسلم، ووصل ما انقطع بينه وبين كتاب الله، باعتباره المصدر المنشئ الوحيد مع الكون للفكر والمعرفة والعقيدة والشريعة والمنهاج. وكذلك وصل ما انقطع بينه وبين سنة رسول الله (ص) مع سائر معطيات عصر التنزيل والنبوة، باعتبار السنة والسيرة هي المصدر الوحيد المبين والمفسر، على سبيل الإلزام، للكتاب الكريم".

ويعتقد أن أهم قواعد تجديد الدين إنما تكمن في إسلامية المعرفة، باعتبارها البعد الغائب عن مشاريع التجديد، أو البعد الذي لم ينل من عناية مشاريع التجديد والإصلاح ما يستحقه.

هذا لا يعني بحال من الأحوال، يقول المؤلف، "الاستغناء أو العدول أو القفز فوق رصيد المشروعات الفكرية والإصلاحية السابقة، بل لا بد من تقويمها للإفادة من الجوانب الايجابية فيها، والإفادة أيضا من التجارب الميدانية للمشروعات الإسلامية النهضوية المتنوعة".

إن إسلامية المعرفة، يتابع الكاتب، "تحاول أن تقوم بمهمة مزدوجة في غاية الثقل والتعقيد. فهي تعمل على القضاء على حالة هجر المسلمين للقرآن الكريم، وإيجاد الوعي لدى الأمة المسلمة بخصائصه المنهجية والمعرفية، لتتعلم كيف تقرؤه على مستوى عصرها، وكيف تجمع بين قراءته وقراءة الكون لتحافظ على نفسها وكيانها من عمليات التذويب التي تمارسها المركزية الغربية. وهي تحاول أن تعيد تقصي العالم وبناءه من جديد على مستوى رؤيتها وقبضتها، لأن إسلامية المعرفة تدرك أن من غير الممكن المحافظة على أمة القرآن بمنطق ماضوي سكوني أمام محاولات استحواذ المركز الدولي الغربي المهيمن، الذي يرى في النسق المعرفي الإسلامي أو بقاياه نقيضا لنسق التطور الحضاري الوضعي القائم على تركيز فائض القيمة لدى الطبقات المهيمنة، والهيمنة على قوة عمل الآخرين ومواردهم وتسخيرها لصالح المركز".

من هنا، يؤكد المؤلف على ضرورة:

"°-  بناء النظام المعرفي الإسلامي المعاصر.

°-  إعادة تشكيل وبناء المنهجية المعرفية القرآنية.

°-  بناء مناهج التعامل مع القرآن الكريم، بوصفه مصدرا للفكر والمعرفة والحضارة.

°- بناء مناهج التعامل مع السنة النبوية المطهرة، بوصفها مصدرا للفكر والمعرفة والحضارة.  

°-  بناء مناهج التعامل مع التراث الإسلامي، لتجاوز فترات التقليد والانقطاع فيه.

°- بناء مناهج التعامل مع التراث الإنساني المعاصر، للتواصل مع الفكر والحضارة الإنسانيتين، وتجاوز أسباب قصورهما وأزماتهما".

3- ينقسم الكتاب إلى عشرة أقسام، يضم كل منها مجموعة فصول تعرض لجانب من جوانب الإشكالية المطروحة:

 

+ بالقسم الأول ("أزمة الخطاب الإسلامي المعاصر: دوافع الأزمة وعقلية التأزيم") نجد:

°- بالفصل الأول التمهيدي، والفصل الثاني ("أزمة الخطاب الإسلامي المعاصر") أن الكاتب يقر بالأزمة الفكرية التي تعيشها الأمة الإسلامية والمتجلية "في شكل غياب ثقافي، وتخلف علمي، وكسوف حضاري. وتتجسد في عجز الخطاب الفكري المعاصر عن إيصال مضمون الخطاب الإسلامي السليم ومحتواه، قرآنا وسنة وشريعة وأخلاقا".

ويعتقد الكاتب أن "الخطاب الذي انبثق من المشروع الإسلامي، قد انصرف في جزء كبير منه إلى الكفاح والتعبئة له، بحكم ظروف الصراع المرير بين الأمة وأعدائها الناتج عن احتلال أهم وأكثر ديار المسلمين في القرن الميلادي الماضي وأوائل هذا القرن، وتحويل بعضها إلى مناطق حماية ونفوذ، وبعضها الآخر إلى أسواق ومجالات حيوية، فأدى ذلك إلى الانشغال بحماية الأمة وتوجيه اهتماماتها وطاقاتها نحو قضيتين أساسيتين: حفظ العقيدة من ناحية، وتعبئة الأمة للمواجهة السياسية وربما الجهادية أو العسكرية في بعض المواقع أو بعض الأحيان، من ناحية أخرى. ثم إذا بقي في الطاقات فضلة، وجهت باتجاه القضايا الفقهية، لإعادة تقديمها وشرحها واختصارها ومقارنتها بالقضايا القانونية للفكر الغربي".

بمعنى أن "معالجة الأزمة الفكرية بدراستها ومعرفة أسبابها والإفادة من التجربة الميدانية بفقه الميدان الذي وفرته المواجهة، ومن ثم إقامة البناء المعرفي والثقافي على ضوء ذلك، فلم يعطها الخطاب الإسلامي، إلى وقت قريب، ما تستحقه من العناية والاهتمام، وما تستلزمه من الدرس والتحليل".

لقد كان لصدمة الإحساس بالضعف، أمام الجيوش الاستعمارية الغازية وحضارته الوافدة، وقع على أغلب فصائل الأمة، شطرها وفق الكاتب إلى فريقين: 

°- فريق المبهورين بالثقافة الغازية، الداعين إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية حسب الأنماط الغربية، "الناعتين للإسلام بالعجز عن مواكبة الحداثة والمعاصرة، يستوي في الانتماء له القائلون بالتخلي التام عن الإسلام وتراثه، والمنادون بالتعايش مع الدين، مع صياغة البناء أو المجتمع المدني بعيدا عن شريعته".

°- وفريق يرى سبب التخلف في البعد عن الإسلام وقيمه، "وهذا الفريق منقسم ما بين حاصر لمرض الأمة في تشويه العقيدة، وضعف الإيمان والانشغال بالترف، وفريق آخر يراه في توقف حركة الجهاد والاجتهاد العقلي منذ القرن الرابع الهجري".

إن الخطاب الإسلامي المعاصر، يقول الكاتب، بحاجة إلى توضيح أمور عدة قد تشكل عائقا في وجه إصلاح مناهج الفكر، وتقف عارضا في طريق إسلامية المعرفة، يوجزها في:

°- الخلط بين العقيدة والفكر، حيث ضرورة التمييز بين العقيدة كوحي آلهي محدد الأركان، ثابت الحدود والمعالم، وبين الفكر كاجتهاد بشري محض، يحتمل الخطأ والصواب، له حقيقته ومنطلقاته وأدواته ووسائله.

°- الاعتقاد بأن المعرفة لا دين لها، والقول بأن المعرفة تدين بدين حاملها ولو لم ينتجها، في حين يتصور المؤلف أن لكل عقيدة تصورها للكون والحياة والإنسان، ولكل معرفة منطلقاتها وأهدافها.

°- الاعتقاد بعالمية الثقافية الغربية المعاصرة.

بالتالي، يتصور المؤلف، فإن "الأزمة التي نعانيها أزمة فكرية بالأساس، تندرج تحتها سائر الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وأصل الأزمة اضطراب في فهم مصادر الفكر، واختلال في طرائقه ومناهجه".

والقول بأن الأزمة أزمة فكرية، لا ينفي غيرها من الأزمات، بل تعتبر سائر الأزمات الأخرى نتيجة لها أو مظهرا أو انعكاسا لها في جانب محدد. "فالأزمة الفكرية في نظرنا هي الأزمة الأم والعلة الكبرى".

 

+ بالقسم الثاني ("حل الأزمة في إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة")، نقرأ:

 

°- بالفصل الثالث ("خطاب إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة") لا يتساوق المؤلف مع الخطاب القائل بأن المعرفة "موروث إنساني مشترك، يحمل صفة العالمية والتغير والتطور، وتعتبر ملكا للبشرية جميعها بمختلف مللها ونحلها"، ولا مع القول بأن العلوم "لا تخرج في حقيقتها عن كونها جهودا إنسانية تجريبية، وخبرات أفراد ومجتمعات في جوانب الحياة المختلفة، تقوم على مناهج علمية محددة ثابتة، لا يؤثر فيها دين العالم ولا مذهبه، ولا تتأثر بأي شكل من الاشكال بذلك".

ويعتقد الكاتب أن إحكام الغرب قبضته على مقاليد العالم في أواخر القرن الماضي، عمل على تهميش الثقافات القائمة ببلدان العالم التي استعمرها وابادها، معتبرا ثقافته المحور والمقياس لكل فكر ومعرفة، وبالتالي أساسا لكل خطاب.

وهو ما يقتضي، وفق المؤلف،"إصلاح مناهج الفكر(عبر) الإقدام الفوري على مراجعة الذات، وتحديد مواطن الخلل والإصابة، واكتشاف الأزمة، وإدراك آليات التوليد فيها، واستلهام القيم في صناعة فكرية معاصرة قادرة على استرداد الشهود الحضاري، ووضع موازين القسط ومعايير الحق اللازمة لتحقيق الشهادة. كما أن إسلامية المعرفة ضرورية من جهتها لاستئناف العطاء العلمي، وتفجير الطاقات الإنسانية نحو البناء الفكري والمعرفي المولد للحضارة، وإعادة تشكيل العقل المسلم ثقافة وفكرا وسلوكا، وتصويب مسار المعرفة لتنضبط بمنطلقاتها، وتحقق أهدافها الشمولية والمتوازنة".

 

°- بالفصل الرابع ("المعالم الكبرى لمشروع إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة") يلح المؤلف على ضرورة "صياغة مشروع إسلامي متكامل لمعالجة الأزمة، مكثف للقوى لإصلاح مناهج الفكر، وشاحذ للجهود لبلورة إسلامية المعرفة، ليكون المشروع حلقة من تلك السلسلة الطويلة من حلقات الإصلاح المتتابعة، هدفها سد الثغرات التي ساهمت في استفحال الأزمة ومضاعفتها، وليكون خطابه مقنعا بأن الأزمة الفكرية هي من الأهمية والخطورة بحيث تستحق أن تستنفر لها طائفة من المؤمنين، وأن تقام لها مؤسسة علمية، تجاهد وتتابع وتصب اهتماماتها كلها في بلورة قضية إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة، وتجلية جوانبها، وتناول سائر أطرافها".

قد يكون الفكر سليما غاية السلامة عند ولادته، يزعم الكاتب، لكن الآفات تعرض له عند سامعه أو متلقيه، أو في أي عنصر من عناصر الواقع الذي يولد فيه، فقابلية الخطأ العقلي لدى الإنسان مظهر من مظاهر بشريته وعبوديته، وأسباب هذا الخطأ متنوعة ومعروفة ومسلمة. كما أن التأثيرات الطبيعية والحسية والثقافية والإنسانية على الفكر الإنساني لا تنكر. 

لكن ذات الفكر لا يجب أن يزيغ، حسب الكاتب، عن المبادئ الكبرى المتمثلة في التوحيد ووحدة الخلق والحقيقة، ووحدة الحياة ووحدة الإنسانية، وتكامل الوحي والعقل والشمولية في المنهج والوسائل. وهي مبادئ تستوجب العمل على محاور عدة، لعل أهمها محور الفكر (تحديد معالم الفكر الإسلامي ومعالجة قضايا الفكر الإسلامي ومعضلاته)، بالاعتماد على المنهجية المعرفية القرآنية التي تجمع بين قراءة الوحي وقراءة الوجود الناظمة للمفاهيم والنظريات، ومحورالعلم والمعرفة مع العمل على "أسلمتها"، ومحور الثقافة والحضارة، على اعتبار أن المجتمع يستلزم نمطا من القيم والمعايير والمعتقدات والأفكار والسلوكيات. الكل هنا يستلزم نمطا من المبتكرات والأدوات والمؤسسات، والعمار والفنون وطرق الإنتاج والمعايش وما سواها.

بهذه النقطة، يزعم الكاتب، أنه ليس هناك حضارة واحدة تتخلى عن موروثها ونماذجها وتتبناه كلية. كذلك، فإن تنافس أو صراع الحضارة أمر منطقي، تفرضه طبيعة الوجود البشري ومعطياته.   

 

+ بالقسم الثالث ("الخطاب والمخاطب") نقرأ:

°- بالفصل الخامس (" فئات المخاطبين") يزعم الكاتب أن مواصفات الخطاب المعرفي الإسلامي  تتحدد حسب نوع المخاطب. "ومادامت أنواع المخاطب كثيرة، فأشكال الخطاب ينبغي أن تكون كثيرة كذلك، وإن كان موضوع الخطاب هو نفسه لكل المخاطبين، لكن لكل مخاطب خطابا، حسب ما هو مهيأ لفعله وما هو منوط به، في إطار عملية إصلاح مناهج الفكر، وبرنامج إسلامية المعرفة":

°°- فهناك الاتجاهات الرسمية، التي يغلب عليها في العالم الإسلامي "الحذر من الوعي الفكري الإسلامي ومن الوعي الثقافي العالي، لأسباب كثيرة لا نطيل شرحها، لعل منها أن تقديم البديل الثقافي والمعرفي من المنظور الإسلامي، مغاير لسياسات النظم التعليمية والتربوية والثقافية. وهذه النظم ألفت الأحادية، ولا ترضى بمنافس لأطروحاتها في أي مجال".

°°- وهناك اللادينيون أو العلمانيون، على الرغم من كونهم ليسوا كتلا أو أحزابا ذات عقلية موحدة، ورؤى موحدة للكون والحياة. لكنه بالإمكان ربط الجسور معها على الأقل لانتقاد الأسس المعرفية للحضارة الغربية نقدا علميا رصينا محكما، مما يؤدي حسب الكاتب، إلى كسب بعض العناصر منهم بعد ذلك لصالح المعرفة الإسلامية.

°°- وهناك الحركات الإسلامية التي يسودها بالوقت الراهن، الاتجاه السلفي الذي ينظر معظمه إلى "القضية الفكرية والأزمة الفكرية والمدخل المعرفي على أنها ترف فكري، أو خطأ في تشخيص أزمة الأمة، أو تهديد لوسائلها التنظيمية ونظمها الحركية أو محاولة عقلانية، أو مؤامرة لتقديم بديل عنها، أو مشروع للفكر والتوعية سوف يغير في خريطة الولاء، أو يضعف ثقة الجمهور بالقيادة ويظهر إفلاسها وعجزها.  

لكن الكاتب يؤكد أن توجه مشروع إسلامية المعرفة لا يقدم نفسه بديلا عن أي من الحركات الإسلامية الفاعلة في الساحة، وإنما يعتبر وظيفته سد ثغرة الفكر والمعرفة والثقافة. "هذه الثغرة التي طالما أهملت، أو لم تعط ما تستحق من المعالجة والتناول. كما أنه... يتجاوز التناول العقدي المنزلق حتما إلى قضايا التكفير، سواء للمجتمع أو الأفراد أو المذاهب، والمتجه إلى الصراع والعنف مع سائر الفئات والجماعات والأنظمة".

°°- وهناك خريجو الجامعات والمدارس الدينية، الذين يحرصون على أن "يكونوا الناطق الرسمي باسم الإسلام، وألفوا أن تكون مشروعية الحديث عن الإسلام وفيه، خاصة في مجال المعرفة والعلم، وفقا عليهم وخبرة لهم يعتزون بها، والتقدم بما يزحزحهم عن هذا الموضع أو يهمش دورهم فيه لا يرتضيه بعضهم، بل يتضايقون منه ويقاومونه". 

ولما كانت قضيتنا، يقول المؤلف، تصر على ملاحظة البعد الإنساني والزماني والمكاني، والكليات والمقاصد والغايات والقيم الحاكمة، فسوف يكون الكثيرون منهم جزءا من إمكانات القضية والعوامل المساعدة فيها. كما أن الوعي العام الذي سيشيع في الأمة بهذه القضية وأهدافها، سوف يكون عاملا مساعدا على تحويلهم إلى جانبها".

°°- وثمة أهل التلفيق والتوفيق. أي التلفيق وفق الإطار المرجعي الغربي، دون الوقوف عند الأسس والقواعد والكليات الأساسية، التي يجب أن تحكم عمليات التوفيق حين يكون ضرورة لابد منها. فالفرق جد كبير بين التلفيق والتوفيق. وفي هذا المستوى ينتقي صاحبه من الإسلام وتراثه وحضارته، ما يخدم أفكارا مسبقة أيديولوجيا أو يضم إليها قسرا".  

وبالرغم مما يبدو عليها في الظاهر من رصانة ومنهجية، إلا أنها، في حقيقتها، يزعم المؤلف، "لا تملك من المنهج إلا صورته وشكليته، لا أصوله وجوهره. كما أنها تتخطى مجموعة من التناقضات الأساسية بين الإطار المرجعي الإسلامي من ناحية، والإطار المرجعي الغربي من ناحية أخرى.

°°- وثمة العوام الذين يعتبرون قاصرين، ولا ينبغي أن يخاطبوا خطابا فكريا أو ثقافيا، لأنهم دون مستوى ذلك. ويرى الكاتب أن هذا التصور خاطئ، وأنه "ليس لنا أن نلتمس لأنفسنا العذر، ولا أن نلقي بالمعاذير في تعقد خطابنا أو إبهامه، بحجة أنه خطاب للنخبة، فلرب مبلغ أوعى من سامع، والله أعلم حيث يجعل رسالته. فإذا استصعب الناس خطابنا أو لم يفهموه، فأنفسنا يجب أن نلوم، لا عقولهم وأفهامهم، وعلينا أن نجتهد في تعديل أساليب الخطاب ومراجعته المرة تلو المرة، حتى نتجاوز أزمة التخصص بمخاطبة الملأ أو النخبة المثقفة وحدها".

+ بالفصل السادس ("عقبات ومعوقات") يقف الكاتب عند الأخطاء الذاتية والموضوعية التي تحول دون إيجاد الوعي الضروري لدى الأمة بالقضية، "وبناء مجموعة كافية من الكوادر لإنجاز المراحل الضرورية، وتوفير المادة اللازمة لمساق دراسي ناجح على مستوى الجامعات والمعاهد ودور العلم، ومواد موازية لقنوات الإعلام الأخرى باعتبارها وسيلة توصيل مهمة، وإعداد المحاضن من جامعات ومعاهد ومراكز وجمعيات علمية تتبنى القضية وتحتضنها، وتعمل على إنجاحها".

ويلح الكاتب على مخاطر التوقف عن التقويم والمراجعة والنقد الذاتي المستمر، لمسيرتنا علميا وعمليا، بشكل يضمن التصحيح والتسديد المستمرين. كما أن تنوع الخطط الناتج عن تنوع تخصصات القائمين على القضية وأجهزتها ، لا يجب أن يطاول المبادئ والمقاصد.

ويلح أيضا على ضرورة "أن ننظر في التراث الإسلامي وفي التراث الإنساني المعاصر، وفي المجالات الاجتماعية والإنسانية، نظرة ناقدة فاحصة لتمييز الإيجابي من السلبي، والنافع من الضار، والمتفق مع التصور الإسلامي والمنهجية المعرفية القرآنية، والمناقض لهما، وجمع الإيجابي والنافع وفق منهجية سليمة، وتوضيح الغامض، وتصحيح الخاطئ، لتكون هذه الخصلة هي المحتوى الثقافي والفني، الذي يمكن أن يشكل عقلية الأمة ونفسيتها بالشكل الإسلامي المطلوب، الذي يحقق النهضة ويحدث العمران".

ويؤكد المؤلف أن "التفكير في قضية إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة كمجال حضاري وثقافي وفكري، ومعايير القياس والإنجاز فيها، يجب أن يكتب لها تصور مفصل،  يشكل في جوهره خطة عمل كبرى طويلة الأجل لجميع الجوانب، باعتبارها حركة فكر وفكر حركة، تتكامل مؤسساتها (الفرع) مع المؤسسة الأصيلة، وفق قواعد من المرونة اللازمة والمبادرة القادرة".

واتجاه إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة يرمي ويسعى إلى "سد ثغرة تصور البعض وجودها بين العقيدة والفكر حتى افترض البعض التناقض بينهما، على الرغم من وضوح الرؤية القرآنية في تزكية عمليات التفكير، والدعوة إليها".

 إذ أن إسلامية المعرفة تربط بين جانبين لا ينفصلان: فكر الحركة وحركة الفكر.

هي ليست قيما وغايات فقط يقول الكاتب، وليست تأملات فردية، وليست تاريخا وتراثا فحسب، "ولكنها سبيل لتكوين عقلية علمية منهجية من وجوه العلم والثقافة والفكر والمعرفة الاجتماعية والإنسانية والطبيعية والتطبيقية كافة... وهي بحكم دورها ووظيفتها، وبحكم غاياتها ومقاصدها، لا يمكن أن تستوعب، وليس لها ذلك، في حدود تنظيم أو حزب أو حركة محدودة التأثير في المكان وفي جمهور الخطاب، بل يجب أن تجعل من الأمة كلها بجميع فصائلها، جمهور خطابها".

يحيى اليحياوي

 الرباط، 18 يناير 2007