"إسلام دوت كوم: الخطابات الإسلامية المعاصرة في الفضاء الإلكتروني"


محمد النواوي وسحر خميس, بالغريف ماكميلان, نيويورك, 2009, 269 ص.

1- بمقدمة الكتاب, يقول المؤلفان بأن تكنولوجيا الإنترنت ساعدت بدرجة كبيرة في خلق سياق كوني للجماعات الإنسانية المختلفة, بغض النظر عن الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية والانتماءات الدينية وما سواها. "كما أنها سهلت عملية الاتصال بين البشر بدرجة غير مسبوقة في التاريخ, الأمر الذي ساعد على تشكيل رأي عام تجاه العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية".

 

لكنه, يقر من جهة أخرى, بأن الإنترنيت ساعد على الرغم من ذلك, في "تعميق حدة الخلافات بين البشر, وتبلور العداءات وتصاعدها, من خلال المواجهات التي تتم عبر مختلف المواقع".

 

إن الهدف من هذا الكتاب, يقول المؤلفان, إنما تبيان وتحليل طبيعة العلاقة بين الإسلام والإنترنت, وكيف أسهم هذا الأخير في نشر الأفكار الإسلامية المختلفة, واكتساب أعضاء جدد حول هذه الأفكار, وبالتالي اتساع مجال رواجها وذيوعها. "فمنذ ظهور الإنترنت, اتجهت العديد من التيارات الإسلامية المختلفة لاستخدامها والاستفادة من انتشارها في كل مكان في العالم، الأمر الذي ساعدها على نشر أفكارها وتوضيح رؤاها وتدعيم حضور الإسلام بصفة عامة. ومما ساعد على زيادة الإقبال على الإنترنت ما تقوم به الحكومات العربية والإسلامية من مراقبة وقمع للتيارات الإسلامية سواء الراديكالية منها أو المعتدلة".

 

إنها دوافع موضوعية جعلت العديد من الحركات الإسلامية والإسلاميين للجوء إلى الشبكة وإنشاء مواقع لهم بها بغرض التواصل مع "جمهورهم" أو التجاوز على المضايقات والرقابة التي تمارس عليهم بهذا الشكل أو ذاك. إنها بداية ما يسميه البعض بإسلام الإنترنيت أو ما يسميه البعض الآخر بالإسلام الألكتروني.

 

وتبرز أهمية هذه المواقع, برأي الكاتبان, في ضوء قدرة هذه المواقع "على تجاوز الحدود القومية والمصالح الضيقة والثقافات المحلية, لخلق إطار كوني يحقق بدرجة أو بأخرى مفهوم الأمة الإسلامية, من خلال خطابات جديدة ومعاصرة".

 

من جهة أخرى, يلاحظ الباحثان بأنه "منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 زاد الاهتمام بالمواقع الإسلامية على الإنترنت, وبشكل خاص من قبل الغرب, سواء في إطار الدراسات الموجهة لفهم الإرهاب، أو تلك المتعلقة بعمليات الاتصال. ولم يعكس هذا الاهتمام في مجمله اهتماما أكاديميا واسع المدى, بقدر ما عكس اهتماما أمنيا, يهدف بالأساس إلى مراقبة المواقع والتعرف على اتجاهاتها والتنبؤ بردود أفعالها. وهو أمر يدل على مدى تأثير هذه المواقع على صانع القرار الغربي, والمساحة الكبيرة التي اكتسبتها من الاهتمام من قبل مؤسسات ومراكز بحثية غربية عديدة، وبشكل خاص المواقع الراديكالية التي تناصب الغرب العداء".

 

إن الكتاب يطرح العديد من الأسئلة بغرض فهم الظاهرة, من قبيل:

 

"ما هي الأنماط والاتجاهات العامة لخطابات هذه المواقع؟ هل أضعفت هذه المواقع أم قوت من سيطرة المؤسسات الإسلامية المهيمنة على إنتاج وتوزيع الخطابات الدينية؟ وهل يمكن لهذه المواقع أن تختلف عن السلطة التقليدية للعلماء أو حتى تتحداها؟ وهل يمكن أن تقدم أيضا منابر للأصوات المقاومة التي يمكن أن تتحدى السلطات السياسية الداخلية, مثل الحكومات في العالم العربي والإسلامي, بالإضافة إلى تحدي قوى الهيمنة والسيطرة الخارجية؟  وإلى أي حد يمكن لهذه المواقع الإلكترونية أن تتصرف بوصفها منابر لنشر الهويات الجمعية, ضمن سياق الأمة الافتراضي في العصر الرقمي؟ وإلى أي مدى يمكن أن توفر أيضا منابر للهويات المعارضة للتعبير عن نفسها بحرية؟ وهل تقوم هذه المواقع بدور تفتيتي أم دور تجميعي، أو كليهما معا، للهويات المسلمة المختلفة من ناحية، وبين المسلمين في مواجهة غير المسلمين من ناحية أخرى؟ وما هي أنماط ومستويات الهويات المقاومة المشكلة والمعاد تشكيلها التي تبرز من خلال هذه المواقع الإلكترونية؟ وما هي مساهمات هذه المواقع في خلق الفضاء أو الفضاءات الإسلامية العامة؟"

2- ومع أن الكتاب حاول مقارنة جوانب التشابه والاختلاف بين ثلاثة مواقع محددة (موقع عمرو خالد وموقع إسلام أونلاين وموقع طريق الإسلام), إلا أنه اختار بعد المنتديات الخاصة بكل موقع, على اعتبار أن "هذه المنتديات توفر منابر تساعد على ظهور التنافس، بل وحتى الصراع والرؤى والمشاورات الحادة والهويات وآليات المقاومة بين مختلف المشاركين", سيما وأن معظم من يرتاد هذه المواقع هم من الشباب, "وهو أمر يساعد ليس فقط على تلمس الاتجاهات الفكرية السائدة عبر هذه المواقع, لكنه يساعد أيضا على التنبؤ بمسار هذه الأفكار مستقبلا".

 

ويبرز المؤلفان أن المواقع الثلاثة المختارة هي مواقع سنية التوجه, "وتتسم بالاعتدال والتوجه الكوني, وتهدف إلى نشر الدعوة الإسلامية بشكل كبير بين المتابعين سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين, من المتطلعين لمعرفة الجوانب المختلفة المرتبطة بالإسلام. كما أن هذه المواقع تشتمل على منتديات أو ساحات للنقاش", أي أنها تحتوي على أبعاد تواصلية, تتقاطع "مع تصورات الإجماع والشورى والاجتهاد وفقا للسياق الإسلامي".

 

ويلاحظ المؤلفان أن ثمة أوجها للاختلاف والالتقاء بين هذه المواقع الثلاثة:

 

°- فموقع عمرو خالد و إسلام أونلاين يعتمدان بالأساس على الصورة الرمزية لعمرو خالد ويوسف القرضاوي, في حين أن موقع "طريق الإسلام" لا يرتكز على أية شخصية رمزية تعطيه القوة والزخم.

 

°- أن هذه المواقع هي ماجة لتعدد الحوارات والنقاشات, وتضم  بين أضلعها جماعات مختلفة قد تكون متوافقة وقد تكون متصارعة, وهي مسألة "تؤدي لإمكانية وجود العديد من الفضاءات العامة الصغرى، خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار حجم الخلافات بين المسلمين حول العالم وطبيعة القضايا العديدة غير المحسومة في الواقع الفعلي".

 

°- وأن هذه المواقع لا تخضع لمقاييس موحدة ولا ترتكز على تصور قبلي, بقدر ما تتعامل مع القضايا الكبرى (من قبيل هوية الأمة) كل وفق تمثلها لها أو منظورها إليها: إن المؤلفان لا يتعاملان مع مفهوم الهوية مثلا "بمنطق متعسف, لكنهما يضعانه ضمن تشكيل جمعي أعم في الوقت نفسه، وهو ما يجعلنا نقف أمام هويات عديدة مثلما نقف في الوقت نفسه أمام فضاءات عامة عديدة ومتنوعة".

°- إن الخطاب الإسلامي عبر الإنترنت يشكل, بالاحتكام لهذه المواقع الثلاثة, "عالما مشابها لما يحدث في الواقع المعيش، فهو صورة مكتوبة ومدونة ومصاغة لجملة الأيديولوجيات المتصارعة في الواقع الفعلي العربي والإسلامي. صحيح أن هذا الخطاب يمكن أن يتسم بقدر ما من المثالية أو المغالاة في جوانب كثيرة منه, لكنه يظل في جوهره أقرب لإعادة تشكيل مجريات الواقع وأحداثه المختلفة، أو يظل بلغة هابيرماس امتدادا للفضاء العام الواقعي بكل تجلياته وتعقيداته".

 

بالتالي, فعلى الرغم من سعة الحرية التي يوفرها الإنترنيت لهؤلاء, "فإن الرؤى المحركة لهم تظل هي نفسها التي تحركهم في الواقع الفعلي. من هنا يمكن القول بأن ما يحدث على الإنترنت يشكل امتدادا لما يحدث في الواقع الفعلي، وإن بأطر وآليات ومستويات أيديولوجية وخطابية جديدة", أي أن مواقع الإنترنيت هي في التحليل النهائي تجل للممارسات الفعلية على أرض الواقع وانعكاس طبيعي لها مثلها في ذلك مثل وسائل الإعلام الأخرى.

 

°- ثم إن زيادة المواقع والتوجه نحو الإنترنت قد أديا, برأي الكاتبان, "إلى تشظي السلطة الدينية التي فقدت تمركزها حول رجال دين معينين على نحو ما كان عليه الأمر في الاجتماع السياسي الإسلامي على امتداد قرون متتالية. فالواقع يشير إلى زيادة الأفراد المهتمين بالدين وتفسيراته عبر الإنترنت، وهي مسألة أدت إلى تفكيك السلطة الدينية, من خلال ظهور الكثير من الأسماء الدينية الجديدة, التي زاحمت رجال الدين الرسميين سلطاتهم من خلال اكتساب مشايعين جدد".

 

 في هذا السياق, يقر المؤلفان بأن الفضاء العام لم يعد حكرا على المؤسسة الدينية الرسمية ورجال الدين التابعين لها، أو حتى قسرا على رجال الدين المشهورين المستقلين, بقدر ما ارتبطت بالعديد من الأسماء الوافدة الجديدة المهتمة بالشأن الإسلامي. ويبرز ذلك "بوصفه انعكاسا لتفتت الواقع والصراعات المرتبطة به على قيادة وتفسير الإسلام والقضايا المرتبطة به".

 

من هنا, فبقدر ما تعمل هذه المواقع على خلق هوية مودة, نلاحظ بالمقابل تزايد المواقع بالشبكة التي تعطي الانطباع بوجود هويات متعددة, و"قد تكون مضادة لها عبر الموقع نفسه، سواء أكانت بين المسلمين وغير المسلمين أو بين المسلمين أنفسهم من ذوي التوجهات المتعارضة والانتماءات المتباينة. فبقدر ما تساعد النقاشات التي تتم عبر هذه المنتديات على توليد المشاعر الجمعية والإحساس بالانتماء لأمة واحدة، فإنها تولد أيضا مشاعر التمايز والاختلاف عن الآخرين، وبشكل خاص تجاه غير المسلمين المختلفين في العقيدة ونمط الحياة".

 

°- ومع ذلك, يبدو بنظر الكاتبين, بأن ثمة إجماعا لا بأس به "في المواقف العاطفية والانفعالية الذاتية, التي تبتعد عن أي تفكير موضوعي وعقلاني مثلما الحال في المواقف التي تعبر عن تأييد بعض القضايا العربية مثل الصراع العربي الإسرائيلي، أو في بعض القضايا الإسلامية, مثل قضية الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول. ومما لا شك فيه أن هذه النوعية من القضايا تساعد على تنامي الإحساس بالأمة الإسلامية، كما تساعد على تقليل حدة الخلافات السياسية التي تقوض أركانها وتزيد حدة الانقسامات فيما بينها".

 

بالمقابل, يظهر الاختلاف حادا حول, كموقع إسلام أونلاين, والذي يشتمل على أيديولوجيات إثنية وعرقية ودينية وسياسية مختلفة, وهي توجهات تبرز بالتعارض مع رؤية هابرماس الخاصة بتجانس الفضاء العام التي يمكن الوصول إليها بتجاهل الأعضاء للاختلافات القائمة فيما بينهم، وتحولهم نحو بعض القضايا المؤسسة لحالة من الإجماع من خلال النقاشات النقدية العقلانية".

 

ومع أن الخلاف من بين ظهراني هذه المواقع يؤدي إلى زعزعة نفوذ وسلطة المؤسسة الدينية الرسمية, "وفتح المجال أمام العديد من المسلمين العاديين من أجل الفتوى وتفسير المسائل الدينية المختلفة، فإنه يفتح الباب أيضا أمام التفسيرات الخاطئة التي لا تمت للإسلام بصلة. من هنا فإن هذه المواقع مطالبة عن طريق القائمين عليها, بضبط هذه المشاركات والتركيز على ترشيد عملية الإفتاء حتى لا تصبح شغلا شاغلا لكل من ليس له عمل أو مؤهلات حقيقية تخول له التدخل في الشؤون الدينية".

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 15 يوليوز 2010