"العصر
التكنولوجي والإسلام"
عبد الحسن الحسيني، المؤسسة
الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1986، 76 ص.
1- في تقديمه لهذا الكتاب, يقول العلامة محمد
حسن فضل الله: ...إن "الإسلام لا يزال يعيش في أجواء الفكر النظري على مستوى
القضايا العامة في الحياة, في الوقت الذي نجد أن الأفكار الأخرى عاشت في عمق
الواقع. ورافقت كل المشاكل المطروحة في الساحة". وهذا في نظره, ما حاوله
المفكرون المسلمون, الذين حاولوا "أن يثيروا الكثير من المشاكل الاقتصادية
والاجتماعية والفكرية والنفسية, ليقارنوا بين النظرة المادية التي يقوم عليها
التفكير الحديث, وبين النظرة الإسلامية التي ينطلق منها الفكر الإسلامي في حركته
وشرعته".
إن هذا الكتاب, يقول صاحب التقديم, "يعتبر تجربة حية لاكتشاف المسار
الإسلامي في المجتمع الجديد الخاضع للتطور العلمي في وسائل المعلومات, والذي يفتح
الآفاق لأوضاع ومشاكل جديدة على مستوى حياة العمال, ويؤثر على حياتهم, فيما يفرضه
من حاجة إلى النمو العلمي, وفيما يتركه من نتائج على صعيد تقليص حجم العمال, فيما
يحتاجه الواقع من جهودهم على مستوى حركة الإنتاج, مما يخلق صعوبات كثيرة أمام
مستقبلهم, ويؤدي بالتالي إلى مشاكل اجتماعية".
أما الكاتب, فيقول في مقدمة بحثه: "لست هنا...في موقع الدعوة لنظام
اقتصادي معين, ولكني أريد أن أقول إن الأفكار التي جاءت من السماء وبشرت بها الرسل
والأنبياء, ودعواتهم إلى زهق الباطل والدفاع عن الحق, وإقامة مجتمع العدل والكرامة
والمساواة والحرية, في ظل نظام صناعي وزراعي متطور, لا مجال فيه لتكديس الأموال
وحرمان الآخرين من حقوقهم, هو الأفضل لبناء نظام اجتماعي سياسي اقتصادي, قد لا
يؤدي إلى مشاكل داخلية, إذا استطعنا صياغة هذه الأفكار والأمور صياغة تؤمن لنا عدم
المساس بالمبدأ العام, وهو إقامة مجتمع الحق والعدالة والمساواة والرخاء والديموقراطية".
2- هذا الكتاب هو بالأصل مجموعة نصوص
ومقالات, لعل أهمها نص "معالم الثورة التكنولوجية الحديثة", حيث يلاحظ
المؤلف أن المجتمع المعلوماتي القائم بالدول المتقدمة إنما يمتاز من الناحية
العملية بقدرته الإنتاجية الكبيرة, وعدم اعتماده الكلي على اليد العاملة, وسرعته
في الإنتاج, وخفضه الكبير للأسعار, وعدم اعتماده على القدرة الجسدية للأفراد,
وارتكازه عل الزيادة في الأبحاث العلمية والتكنولوجية, وتنميته لروح الإبداع,
وقدرته على إفراز وظائف جديدة, ثم نجاعته في تسهيل نقل المعلومات, وإمكاناته
الضخمة في مراقبة عمليات الإنتاج والتصريف والتسويق...الخ.
والذي يهم في هذه الثورة, يقول الكاتب, إنما "أن يبقى المجتمع عادلا,
وأن يبقى الحق سائدا, وأن يتساوى الأفراد في الحقوق والواجبات, أو بكلمة أخرى, أن
يتأمن المجتمع العادل".
ويزعم المؤلف أن هذا المجتمع العادل "لن تستطيع تأمينه أي من الأنظمة
الاقتصادية السائدة, لا الماركسية ولا الرأسمالية. والبديل عن كل هذا هو مجتمع
عادل, متدين, يتبع مبادئ وأصول الأديان السماوية التي أمرنا الله بها, وأوصانا بأن
نحافظ عليها, وعلى سلوكنا وتصرفاتنا ومعاملتنا للآخرين".
إن نظام الإنسان/الآلة هو إفراز لمنظومة تربط الإنسان بالآلة مباشرة, فيؤدي
إلى "بلوغ مستوى تكنولوجي معقد, لكن مكانة الإنسان بصلبه متدنية بحكم الأنظمة
الأوتوماتيكية". ومع أن الإنسان يتفوق على الآلة برمجة وتشغيلا ومراقبة,
فإنها تتفوق عليه من حيث الدقة والسرعة في تنفيذ العمل والحصول على النتائج, ناهيك
عن كون الآلة لا تعرف التعب أو اليأس أو الكلل, الذي يعترض الإنسان ويحد من
إسهامه.
إن الإنسان/الآلة ليس "حلقة في التنظيم الإداري فقط, بل هو قناة اتصال.
إذ النظر إلى خصائصه الأساسية كخصائص معلوماتية أو ككمية من المعلومات المستوعبة
والمحللة والمرسلة, والسرعة في التقاط وإرسال المعلومات, يعتبر أمرا مهما في تحديد
دور الإنسان في حلقة العمل".
إن من مميزات الثورة التكنولوجية الحديثة والمجتمع المعلوماتي المترتب عنها,
أنها تقود إلى "إزالة الفوارق بين تأهيل العاملين عامة, وإلى تخفيض حدة
الفروقات في الأجور, وعدم الاعتماد على شروط العمل وقوته, ودرجة تعقيده أو مدى
صعوبته وخطورته على البشر".
وهو ما ترتكز عليه الرأسمالية والشيوعية, برأي الكاتب, في حين أن الإسلام يعتبر
العمل الذي تفرضه الحياة في كل زمان ومكان جانبا من جوانب الشريعة الإسلامية...واعتبره
أفضل من العبادات في بعض الأحيان". وهو ما يدفع الكاتب للتحذير من النتائج
"الوخيمة للمجتمع المعلوماتي والثورة التكنولوجية".
إن "ديكتاتورية العمال" بالنظام الشيوعي, كما تفضيل الآلة على
العمال بالنظام الرأسمالي, إنما من شأنهما الإضرار بهم, والحؤول دونهم ودون ردع
صاحب العمل بالمعمل كما بالمتجر كما بالإدارة.
بالمقابل, فرب العمل المؤمن غالبا ما يرتدع في "الأعمال التي تضر
بحقوق الآخرين. فالقوانين الاجتماعية للأديان وخاصة الدين الإسلامي, تحد من تسلط
أرباب العمل واستغلالهم للناس, كما تحد وبشكل كبير من حرية تكديس الأموال دون
توظيفها في خدمة المجموعة من الناس".
إن فائدة المجتمع المعلوماتي المبني على أساس ديني "لا يكمن فقط في
خفض الجهد البشري والجسدي وزيادة الإنتاج, بل يساوي أو يسعى لمساواة أفراد الشعب بالعمل
والإنتاج إلى حد كبير...ويؤدي أيضا إلى تخفيض ساعات العمل, وخفض قيمة المنتوجات
وأسعارها, ورفع مستوى أفراد الشعب وتخفيض الفروقات الاجتماعية بين أفراد الشعب,
وخاصة بين سكان الريف والمدينة..., ويؤدي إلى رفع المستوى الحضاري للمجتمع بأكمله
نظرا لسهولة الحصول وتوزيع المعلومات من وإلى مختلف المناطق, من وإلى مختلف الدول".
وعليه, فإذا كانت الرأسمالية تسعى من وراء هذه الثورة التكنولوجية إلى
زيادة الربح السريع, والدول الاشتراكية تزيد من إنتاجها لصالح الدولة, فإن الإسلام
لا يمانع في الربح الحلال, ولا في تطعيم ميزانية الدولة بالزكاة أو بالضرائب. لكنه
بارتكازه على مفهومي التكافل العام والتوازن الاجتماعي, لا يحبذ الإكراه,
"لأن الإكراه سيؤدي إلى تسيير للفرد والإنتاج وتقييد للاقتصاد ووسائله".
يحيى اليحياوي
الرباط, 10 مارس 2011