الفضائية الإسرائيلية...سؤال المواجهة الإعلامية

 

يحيى اليحياوي

 

 

1- انطلق منذ مدة بث الفضائية الإسرائيلية باللغة العربية موجها بالأساس للمنطقة العربية على خلفية من ضرورة بلوغ جماهير لطالما حالت تكنولوجيا الأقمار الصناعية دون بلوغها.

لم يكن الانطلاق هذا مدعاة اهتمام كبير (تماما كما لم يكن قمر "أفق" الذي أرسلته إسرائيل في الفضاء للتجسس على العرب محط تساؤل كبير)، لكن توقيت الانطلاق إياه والفلسفة الثاوية وراء خلق القناة لا يمكن أن يكونا بأي حال من الأحوال مكمن تجاهل.

 

هناك فيما نعتقد "إكراهان" أساسيان اثنان جعلا التفكير في خلق هذه القناة الفضائية مبررا و"موضوعيا" لدى الإسرائيليين:

 

- "الإكراه" الأول ويتمثل في العمل على "تلطيف" ممارسات العنف والإرهاب التي دشنتها آلة الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في أعقاب الانتفاضة الثانية ونهج سبيل الإبادة الجماعية التي يتعرضون لها على مرأى  جل  دول العالم ومسمعه.

 

لا يتعلق الأمر هنا (من لدن القناة) في تبيان أن ما يقوم به "جيش الدفاع" إنما هو رد فعل على العمليات "الإرهابية" التي يشنها الاستشهاديون الفلسطينيون، بل يتعدى ذلك إلى تصريف فكرة أن ما تقوم به إسرائيل لا يخرج عن كونه حلقة من حلقات "استئصال بؤر الإرهاب" التي استتبعت أحداث الحادي عشر من شتنبر.

 

- "الإكراه" الثاني ويكمن (من لدن القائمين على القناة إياها) في ضرورة قطع الطريق على قنوات عربية صنفت بالتحريضية ونجحت إلى حد كبير في استنفار جزء من الرأي العام العالمي واستجلاب التعاطف مع قضية تواطأت على طمرها وغبنها النظم والحكومات.

وعلى هذا الأساس، فقد لا يتعذر الأمر كثيرا (من وجهة النظر الإعلامية الخالصة) لاستشفاف هذين الإكراهين بالوقوف عند خط القناة التحريري أو باستقراء بعض من مواد شبكتها البرامجية الإخباري منها والحواري سواء بسواء.

 

ولئن كانت القناة، فيما نتصور، لا تراهن كثيرا في المدى القصير على حجم المشاهدين (كونها اعتمدت النظام الرقمي المحدود السعة في العالم العربي) ولا على رفع لواء التطبيع الذي فشلت فيه الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة، فهي تراهن حتما على النخبة العربية المتنورة أو على جزء منها على الأقل.

لا يتعلق الأمر، في هذه النقطة بالذات، على قدرة القناة في استقطاب بعض من المثقفين العرب إلى استوديوهاتها (أو محاورتهم عن بعد)، بل قد يتعداه إلى إحياء نعرات المطالبة بالحوار والتواصل وخلق سبل اللقاء بين العرب والإسرائيليين امتدادا لعمل العديد من " جمعيات السلام" التي أفرزتها أدوات الاختراق الصهيوني منذ عقد من الزمن أو أكثر.

 

بالتالي، وعطفا على ما ورد، فإنه لن يكون من أهمية تذكر لإعمال مبدأ المهنية والجاذبية في تقييم شبكة هذه القناة، بقدر ما تهمنا طبيعتها وهويتها وكذا الرسالة الكامنة وراء إنشائها وتخصيص أكثر من عشرين مليون دولار كميزانية سنوية لها.

 

أما سر التمييز بين البعدين (بعد المهنية والجاذبية من جهة وبعد الطبيعة والهوية من جهة ثانية)، فإنما لأن القناة موجهة وغايتها محددة وأهدافها مرسومة. فهي لن تكون بداية المطاف ونهايته إلا بوقا إعلاميا للمؤسسة السياسية والعسكرية الحاكمة في إسرائيل كائنة ما تكن الأزياء التي تريد ارتداءها.

 

لا يجب أن يساورنا الشك في أن القناة لن تعمل (في جمهور مشاهديها العرب) إلا على بث السموم وزرع بذور الفتنة واستنبات الفرقة وتشويه معالم الحضارة العربية/الإسلامية والتنكر لحقوق الفلسطينيين وتحريف التاريخ فيما يخدم مشروعهم (مشروع دولة إسرائيل الكبرى أعني).

هي جزء من مشروع قائم يعمل ببنوده في السر وفي العلن، وهي جزء من مخطط إعلامي واسع تكفلت القنوات العالمية الكبرى بتجذيره في الغرب وتعمل القناة إياها على ضمان امتداده للوطن العربي.

 

2- لسائل يقول: وما حجة التخوف من قناة لا يلتقطها إلا نفر قليل من العرب "محصنين" في معظمهم من الخطاب الصهيوني وجلهم قادر على وضع ذات الخطاب على محك ممارسة الإرهاب التي طبعت السلوك الإسرائيلي لعقود خلت ولا تزال؟

قد لا يخلو التساؤل إياه من وجاهة سيما لو سلمنا بفرضية ذوبان الفضائية الإسرائيلية في عشرات القنوات الفضائية العربية التي لم تتوان يوما في تغطية الانتفاضة وتعرية الخطاب الصهيوني.

لكن التخوف المشروع إنما يأتي من ورود إمكانية التعامل معها تماما كما تتعامل بعض القنوات العربية مع مسؤولين إسرائيليين لا يمر يوم دون أن تستدعيهم هذه القناة أو تلك بدعوى "ضرورة الاستماع للرأي الآخر".

 

أما عن إمكانية ذوبان هذه القناة في أكثر من مائة وأربعين قناة عربية، فهذا أمر تنقصه الدقة ليس فقط لأن العبرة هي بقوة القناة وقدرتها على اختراق مواقع القرار والتأثير في تمثلات الجماهير (وليس بعدد الأقنية) ولكن أيضا لأن القنوات العربية (الحكومية منها بالأساس) تبقى محكومة بموقف نظام بلدها السياسي ونظرته لإسرائيل ومدى انخراط ذات النظام في "البحث عن حل للصراع".

 

إذا كان الأمر كذلك، فما الفائدة من طرح سؤال المواجهة؟ أليس من الأسلم (من الناحية التكتيكية على الأقل) تجاهلها مع إعمال مبدأ التحصين المستمر للإعلام من الداخل وتقوية سبل تصريف المواجهة عبر قناة أو قنوات تبث لكبرى دول العالم بلغتها ووفق ثقافتها وتدرجا مع موقفها من العرب والفلسطينيين؟

 

قد يبدو قرار الجامعة العربية بخلق قناة ناطقة باسمها محصلة السؤال، سؤال المواجهة، لكنه يبقى محكوما (وإلى حد بعيد) بمواقف الدول والحكومات وطبيعة الرسالة الإعلامية المراد تمريرها.

 

ثم هل من الوارد نجاح قناة لجامعة دول لم تنجح في صياغة خطاب عربي موحد ولا في سن دبلوماسية عربية ضاغطة ولا في الحيلولة دون فض النزاعات بين دولها ناهيك عن توزع أعضائها وتبعيتهم فرادى وجماعات لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وائتمارهم بأوامرها؟ هل من الممكن أن ينجح الإعلام فيما فشلت فيه السياسة؟

لا يمكن ذلك قطعا. فإعلام الدول العربية رديء لأن سياساتها وواقعها رديئين وإعلام وقناة الجامعة العربية سيكون رديئة طالما أداء الجامعة إياها رديئا وأعضاؤها ضيقي الأفق وحسابات دولهم فئوية وقراراتهم مرتهنة.

 

هل معنى هذا أنه بالإمكان هزم إسرائيل إعلاميا بعدما تعذر علينا هزمها عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا؟

لا أعتقد بذلك البتة. فسؤال المواجهة هو سؤال لا يقبل التجزيء، والمواجهة لا تتحدد إلا بما تم الإعداد لخوضها، بالتالي فسيبقى سؤال المواجهة قائما طالما بقيت إسرائيل تستفزنا لدرجة الغبن...أو ليس هناك غبن أكثر من غبنك  بلغتك؟

 

جريدة العلم، 4 غشت 2002