"جدلية الاستيطان وآفاق التسوية"

 

 

نواف الزرو, مركز الجزيرة للدراسات, الدوحة, 2008, 103 ص.

 

 

1- بمقدمة الدراسة, يتساءل الكاتب عن الجدوى من المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية قائلا: "هل لهذه المفاوضات السياسية أن تنجح, وهل يمكن أن يتحقق السلام, في ظل سياسات الاستيطان والتهويد النشطة في القدس وأنحاء الضفة؟".

 

يعود الكاتب للتاريخ القريب ليوضح, أنه "منذ البدايات الأولى لمشروعها الاستعماري في فلسطين, ربطت الحركة الصهيونية ما بين ثلاثية الأرض والهجرة اليهودية والاستيطان الاستعماري, كمرتكزات استراتيجية في بناء مشروعها".

 

إن للأرض مكانة مركزية في الفكر الصهيوني, يؤكد الكاتب, ولتهجير واستجلاب اليهود وتوطينهم بفلسطين المكانة ذاتها, "كي تتحقق فكرة الاستعمار الجماعي, وخلق الدولة اليهودية النقية, على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني".

 

لقد جاء في المادة الثالثة من دستور الوكالة اليهودية ما يلي: "تستملك الأراضي كملك لليهود, وتسجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي, وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد. كما تظل هذه الأملاك ملكا للأمة اليهودية, غير قابل للانتقال".

 

ويقول هرتزل: "إن الحركة الصهيونية, منذ نشأتها كحركة, وضعت أمامها هدف الاستيلاء على الحد الأقصى من الأرض, كحتمية لإقامة دولة يهودية كبيرة". وقال أوشكسين في العام 1904: "من أجل تأسيس حياة مستقلة للطائفة اليهودية, أو على الأصح تأسيس دولة يهودية في فلسطين, من المحتم بالدرجة الأولى أن تكون جميع أراضي فلسطين أو معظمها, ملكا لشعب إسرائيل, وبدون حق ملكية الأرض لا تكون فلسطين يهودية أبدا, مهما يكن عدد اليهود في المدن والقرى".

 

وقد تم ذلك لإسرائيل قبل قيامها وفيما بعد, عن طريق القوة والاحتلال العسكري, "عن طريق القسر بالمصادرة, وعن طريق شراء الأراضي من أصحابها بصور ملتوية, وعن طريق مجموعة من القوانين وضمنها قانون أملاك الغائبين".

 

وقد نجحت إسرائيل بذلك, في الاستيلاء "والسيطرة على ما يقارب عشرين مليون ونصف مليون دونم من مساحة فلسطين بأكملها, ومن الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي العربية العائدة إلى المواطنين الذين طردوا من مدنهم وقراهم, أو تركوها بسبب الحرب أو على إثرها".

 

أما الحركة الصهيونية, فقد هدفت إلى حشد الملايين من اليهود في فلسطين, بغاية تهويدها بالكامل. وقد نجحت في ذلك, فأقامت المئات من المستعمرات اليهودية فوق مئات آلاف الدونمات العربية المصادرة في الأراضي المحتلة, وأسكنت بها مئات الآلاف من اليهود المهاجرين أو المهجرين.

 

يلخص الكاتب أهداف حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين في أربعة أبعاد:

 

+ البعد السياسي, ومفاده إقامة المستعمرات وإدراجها ضمن الأمر الواقع, وإجبار الرأي العام بالتالي, للقبول بذلك سياسيا, والتعامل معه كما هو قائم.

 

+ البعد العسكري, إذ عمدت سلطات الاحتلال على إقامة معظم المستعمرات بنقط جغرافية استراتيجية, وتحديدا بالمواقع المرتفعة, أو بالجبال المحيطة بالتجمعات السكانية العربية.

 

+ البعد الاقتصادي, إذ غالبا ما تقام هذه المستعمرات بمناطق زراعية خصبة, أو تكون رافدا لمشاريع اقتصادية قائمة أو بطور الإنجاز.

 

+ البعد الإيديولوجي, حيث مكمن النبوءة التوراثية/السياسية المتمثلة في "أرض الميعاد", تحت زعم أن "ما يمنحه الله لا يستطيع إنسان على وجه الأرض انتزاعه منهم"...من هنا عنصرية اليهود, وفاشيتهم ضد الجنس البشري.

 

2- إن الأرض, يقول الكاتب, إنما هي العنوان العريض للقضية والصراع والصدام والمواجهة مع دولة إسرائيل. والاستيطان هنا هو المكمل للثلاثية, ثلاثية "الأرض والهجرة والاستيطان", في الاستراتيجية الصهيونية.

 

وقد بدأتها إسرائيل منذ إنشائها, لكن تكريسها تقوى أكثر منذ العام 1967, حيث اعتبرت إسرائيل الأراضي المحتلة جزءا لا يتجزأ من أراضيها.

 

لقد كانت مساحة الضفة الغربية حوالي 5.5 مليون دونم بالعام 1948, وقد تمكنت إسرائيل بعد حرب العام 1967, من السيطرة على نصفها. ويلاحظ الكاتب أن هناك اليوم ما يناهز 350 ألف مستوطن يهودي يعيشون في 195 مستوطنة.

 

إن ما يجري على الأرض, يؤكد المؤلف, "يفوق بكثير كل ما يعكس في وسائل الإعلام, إذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة معركة, ترمي إلى تحويل كل قرية أو مدينة فلسطينية إلى جيب متقطع, محوط بمناطق السيطرة الإسرائيلية...هي ليست عملية متعصبين أو مجانين, إنها معركة مخططة جيدا, تتواصل بحكومات الليكود والعمل, الهدف منها منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة".

 

وعلى الرغم من اعتبار الأرض والمستوطنات ضمن محاور المفاوضات, فإن إسرائيل لا تلتزم بذلك, بل تستمر في بناء المستوطنات وتوسيعها.

 

وقد أدانت قرارات الأمم المتحدة السياسة الاستيطانية لدولة إسرائيل, وطالبتها بتوقيف سياسات التهويد المعتمدة من لدنها, لكن دون جدوى تذكر.

 

3- أما بخصوص المستوطنات, فيلاحظ الكاتب أن الضفة الغربية باتت "دويلة الفلسطينيين" بامتياز.

 

لقد كشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية في العام 2006, أن "40 بالمائة تقريبا من أراضي المستوطنات في الضفة المحتلة, هي ملكية خاصة للمستوطنين". وأن "إسرائيل تتصرف مثل دولة مافيا, بإقدامها على سلب أملاك خاصة, متجاهلة ليس القانون الدولي فحسب, بل كذلك القانون الإسرائيلي". لكن إسرائيل تتذرع دائما بالقول, بأن المستوطنات إما تبنى فوق أراض مملوكة للدولة, أو "مناطق غير مسجلة باسم أي شخص".

 

وهو ما تقوم به إسرائيل سرا وعلانية, في عشرات المستوطنات المنتشرة في محيط القدس وأنحاء الضفة الغربية.

 

ويلاحظ الكاتب أنه ثمة دراسات للاحتفاظ بغور الأردن, لأن ذلك سيمنع "تطور دولة فلسطينية وتمددها, ويحافظ على العمق الجغرافي الاستراتيجي, ويمنع قيام محور يمتد من طهران وحتى أبواب تل أبيب" (منطقة الغور تشكل 22 بالمائة من مساحة الضفة الغربية).

 

ويقول عن الجدار على لسان العديد من التقارير: "إنه عند استكمال بناء جدار الفصل العنصري, سيعزل ما مساحته 576 كلم مربع من الأراضي الفلسطينية, أي ما نسبته 10 بالمائة من المساحة الكلية للضفة الغربية, هذا بالإضافة إلى ضم 98 مستوطنة إسرائيلية, يقطنها 89 بالمائة من عدد المستوطنين المقيمين في الضفة الغربية و 55 تجمعا فلسطينيا".

 

بالتالي, يقول الكاتب, فبعد أن كان الشعب الفلسطيني يواجه منذ الاحتلال للأراضي الفلسطينية عام 1967, دولة الاحتلال بكل عناوينها وأعبائها, من الآلة العسكرية الحربية إلى الإجراءات الإدارية, وإلى الحصارات والأطواق والحواجز, بدأ يواجه, منذ أنابوليس, "دويلة المستوطنين اليهود من يهودا والسامرة", والذين يهددون بالانفصال عن دولة إسرائيل, وإقامتهم دولتهم الخاصة, إذا قررت إسرائيل الانسحاب من الضفة, في إطار التسوية الدائمة مع الفلسطينيين. وهناك من يتحدث عن أن الحل في حال انسحاب إسرائيل من الضفة هو "إعلان دولة يهودية ذات حكم ذاتي".

 

إن الحديث على خلفية من دولة المستوطنين ليس مبالغا فيه, يقول المؤلف. "ذلك أن المستوطنات اليهودية المنتشرة في أنحاء الضفة والقطاع, عبارة عن ترسانة مسلحة أولا, عبارة عن مستنبتات أو دفينات لتفريخ الفكر السياسي والإيديولوجيا الإرهابية ثانيا, ودفيئات أيضا لتشكيل وانطلاق التنظيمات والحركات الإرهابية ثالثا, فضلا عن كونها قوة ضغط هائلة على قرارات الحكومة الإسرائيلية, ونهجها الاستيطاني". ولعل ما يقوم به هؤلاء بالقدس والخليل, "مدينتي ألآباء والأجداد", خير دليل على ذلك.

 

والواضح, يتابع المؤلف, أن لا شيء يردع الاحتلال عن التوسع والاجتياح والمصادرة والتطهير العرقي الممنهج, بالضفة الغربية, وبالقدس تحديدا, حيث تعمل الحكومة الإسرائيلية, بعيدا عن المفاوضات والمؤتمرات الصحفية, بالتعاون مع منظمات وجمعيات استيطانية ودينية, على مشروع لتهويد المدينة المقدسة.

 

بالخلاصة, يقول الكاتب: "في ظل حالة انعدام الوزن والتوازن والتوهان وفقدان البوصلة العربية, تواصل دولة الاحتلال الصهيوني انتهاز هذه الفرصة والظرف, بغية تكريس مخططها الرامي على نحو حصري, إلى قضم المزيد من الأراضي بالضفة كما بالقدس".

 

إن الاحتلال, يتابع الكاتب, "يقترف في المدينة المقدسة مذبحة حضارية مروعة...إن ما يجري على أرض المدينة المقدسة...إنما هو صراع حقيقي ضار ومحموم, ليس حول الأرض والمساحات والعقارات والاستيطان والميزان الديموغرافي فقط, وإنما حول ما يترتب على ذلك في مسألة الهوية والسيادة والمستقبل"...والمؤسف والمغضب أن كل ذلك يجري على مرأى من أكثر من مليار من المسلمين... حكاما ومحكومين.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 10 شتنبر 2009