عن جدوى إنشاء فضائية عربية

 

كثر الحديث منذ مدة طويلة (بأروقة الجامعة العربية كما من بين ظهراني العديد من المنظمات العربية المختصة كما بالندوات والمؤتمرات) كثر الحديث حول مسألة إنشاء فضائية عربية ناطقة باللغة العربية وبباقي اللغات العالمية الحية على خلفية من هذا المزيج أو ذاك.

 

والواقع أن الذي عجل بالتفكير في ضرورة إنشاء ذات المحطة (أو المحطات) إنما حقيقتين أساسيتين إثنتين يمكن للمرء استشفافهما من واقع الحال بالملاحظة كما من الخطابات المتداولة الرسمي منها كما غير الرسمي سواء بسواء:

 

+ الحقيقة الأولى وتتمثل في تردي الصورة العامة للإنسان العربي (سلوكا وثقافة ودينا) الرائجة بالغرب أو المروج لها بمعظم المنابر الإعلامية الغربية والتي تختزل ذات الإنسان في جانب التخلف والمكر والخداع والبحث عن الملذات واتباع الأهواء والشهوات وما سواها.

 

هي صورة نمطية تركزت بمخيال الإنسان الغربي وتكرست أكثر منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر  التي (الأحداث أقصد)التقطها الإعلام ليضيف إلى ما سبق من صفات صفة الإرهابي والقاتل والحاقد على الحضارة الغربية واليائس وغيرها.

 

+ أما الحقيقة الثانية فتكمن في إخفاق العديد من الفضائيات العربية (الباثة من داخل الإقليم العربي كما ببلدان المهجر) في بلوغ الرأي العام الغربي (أو جزءا منه على الأقل) إما بسبب قطريتها أو بسبب لغتها أو بسبب طبيعة شبكاتها البرامجية الموجهة لأبناء الدولة مقر البث أو للجالية المهاجرة دونما استحضار لثقافة وسلوك المشاهد الأجنبي أو الناطق بغير العربية.

 

وعلى هذا الأساس، فإن التفكير في إنشاء فضائية عربية (وإسلامية في الآن معا أو كل منهما على حدة) إنما تأتى من ثلاثة بواعث أذكتهما الحقيقتين أعلاه وشجعت عليه الطفرة الكبرى في تقنيات الإعلام والمعلومات والاتصال:

 

+ بواعث تجميع الجهود الإعلامية المتناثرة بين الفضائيات وتصويبها بجهة خلق قناة ناطقة باسم العرب جميعا، مصاغة بلغة عصرية، يقوم عليها إعلاميون عرب أكفاء وتكون رسالتها موجهة للغرب تحديدا بعدما تتم الدراسة الدقيقة لطبيعة الرسالة وغاياتها والنتائج المتوخاة منها على الأمدين المتوسط والبعيد.

 

+ وبواعث تقديم صورة معاصرة عن العرب تتجاوز الصور النمطية التي كرستها المنابر الإعلامية الكبرى واستوديوهات الإنتاج الضخمة ومراكز الدراسات والأبحاث الغربية المتحيزة...أداتها في ذلك ضبط آليات اشتغال العقل الغربي وطريقة تفكيره ووسائل تمثله للآخر.

 

+ وبواعث ترتكز على المهنية في العمل والمصداقية في الأداء فلسفتها في ذلك القدرة على المزاوجة بين عناصر العمل الإعلامي المتمثل في دقة المزج بين عناصر ثلاثية الخبر والترفيه والتثقيف دونما طغيان أحدها أو طغيان لون واحد أو رأي واحد داخل هذه القناة أو تلك.

 

هي إذن " مشروع" لا تنقصه المسوغات ولا تعدم الحجج والبراهين لتبريره وتبرير ضرورته واستعجاليته إذ صورة الأمة متردية إلى حد كبير وأبناؤها موضع دونية بين الأمم وتاريخها لا تعار له أدنى قيمة وثقافته لا تحتكم على موقع يذكر وهكذا.

 

وهي "مشروع" لا تنقصه الموارد ولا يعدم الكفاءات ولا يشكو (أو هكذا يبدو) ضعف المادة أو نقصها... ولا يتطلب استثمارا ضخما بحكم توفر الأقمار الصناعية ووفرة سبل البث والإرسال... ولا يشكو فضلا عن كل ذلك من غياب المؤسسات الحاضنة سيما بوجود الجامعة العربية وإلى حد ما منظمة المؤتمر الإسلامي في حالة ما رسى الرأي على قناة فضائية عربية/إسلامية.

 

ما الحائل الموضوعي إذن دون إنشاء ذات الفضائية في زمن أضحت الصورة بصلبه ذات سلطان كبير ونفوذ أكبر؟

 

هناك، فيما نتصور، ثلاثة عوامل موضوعية كبرى تجعل من مسألة خلق فضائية عربية حبيس التفكير والخطاب ولا يتعداهما أو يتجاوزهما:

 

+ العامل الأول ويتمثل في تشبت معظم الحكام العرب بقطرية بلدانهم واعتزازهم بضبط الحدود فيما بين بعضها البعض (الجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية)، بل ودفعهم بالخصوصية لدرجة يستحيل معها العمل العربي المشترك...ألم يقل بعضهم يوما أن طرفة بن العبد بحريني الجنسية والهوية؟

 

+ أما العامل الثاني فيكمن في الجهة التي استنبتت بداخلها المشروع ودفعت به بحماس شديد وهي الجامعة العربية.

ليس ثمة من شك أنها الأنسب مبدئيا باعتبارها " بيت العرب"، لكن كيف لها ذلك والدول الأعضاء من بين ظهرانيها متناحرون، متنافر بعضهم البعض ولا يعبرون إلا عن قطريتهم الضيقة وليس لمعظمهم أدنى اهتمام بالعمل الجماعي أو بالعمل المشترك أو بالتنسيق؟

 

+ الاعتبار الثالث ويرتبط بهشاشة النظام العربي وفشل منظومته في العمل العربي المشترك. بالتالي فلم تعد القومية رابطا أساسيا بقدر ما أضحت حسابات أخرى هي موضع التفكير والتأسيس الأساس.

 

كيف البناء إذن على بنية هشة، آيلة للسقوط؟ ما السبيل لصياغة رسالة موحدة؟ على أساس أية خلفية؟ وفق أية مرجعية؟

كيف لفضائية أن تنجح والمنظومة التي من المفروض أن تنظمها متردية وعناصرها لا تتوفر على بوصلة واحدة؟

 

إننا لا نراهن حقا على إمكانية خلق قناة بهذه المواصفات وإذا ما تسنت لها النشأة بمواصفات أخرى فإن أكثر ما تستطيعه إنما تمرير أنشطة الحكام والملوك والسلاطين في حلهم  كما في ترحالهم...بهذا الشرط (وبهذا الشرط فقط) يمكن للمرء أن يتنبأ لهذا المشروع الاستنبات... وليس بالضرورة الاستمرار.

 

يحيى اليحياوي

31 يوليوز 2006