قناة الجزيرة في محك المقاطعة
يحيى اليحياوي
1- كائنة ما تكن مواقفنا وخلفيات تقييمنا لأدائها الإعلامي، فإن قناة الجزيرة تبقى، ودونما أحكام قيمة كبرى، طفرة حقيقية في مشهد إعلامي (العربي أقصد) لطالما اكتنفه الظلام والتعتيم ومحاباة الحاكم لدرجة يبلغ معها شخصه ومنصبه مرتبة القداسة.
ولئن صرفنا النظر عن الخلفيات الضمنية والجلية الثاوية وراء خلق القناة من لدن دولة لها بالكاد موضع قدم على الخارطة، فإن واقع حال ممارستها مذ انطلقت يشي حتما بأن للقناة إياها تصورا من طبيعة ما تكسرت على محرابه رتابة الإعلام الرسمي الجامد المتحجر الذي ميز (ويميز) التلفزيونات العربية منذ بداياتها الأولى ولا يزال يكون ميزتها الأساس حتى وقتنا الراهن.
ليس ثمة شك في أن للقناة نقائصها ومكامن للإخفاق من بين ظهرانيها وبالتأكيد خطوطا حمراء لا يتجرأ على تجاوزها، لكنها تبقى وعلى الرغم من كل هذا وذاك نقطة ضوء بارزة لا مجال للالتفاف عليها أيا تكن زاوية التقييم المعتمدة.
فهي التي كسرت العديد من طابوهات الإعلام التلفزي العربي وطرحت (أقول طرحت) بفضائه العام قضايا لطالما تم تغافلها وتجاهلها أو خضعت للبتر والتحريف كقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان وقضايا التنمية والمواطنة وغيرها.
وهي التي ولربما دون غيرها، نقلت بالصوت والصورة المباشرة لحرب الاستئصال العرقي التي تمارسها إسرائيل على الفلسطينيين بشرا وأرضا ورموزا دينية، تماما كما نقلت لأسطورة الصمود التي كرسها أطفال الانتفاضة بالحجارة تارة وبعمليات الاستشهاد تارات أخرى.
وهي التي ولربما في تفرد إعلامي غير مسبوق في تاريخ الإعلام المرئي العربي، غطت لأحداث الحادي عشر من شتنبر وللضربة على أفعانستان وانفردت في خضم كل هذا ببث رسائل لزعماء طالبان والقاعدة تأكد لأمريكا من خلالها أنها بإزاء تنظيمات شبكية يسري التنسيق بداخلها بطريقة أفقية من شبه المستحيل تحديد الجهة الآمرة من الجهة المنفذة.
ولئن كان السر جليا صارخا من وراء "تحامل" الإدارة الأمريكية على أداء القناة (طيلة الحرب على القاعدة) لدرجة استهداف مقرها بكابول وإجبارها للانتقال إلى نظام البث الرقمي المحدود الجماهيرية، فإن السر إياه قد لا يستساغ كثيرا في حالة "تحامل" العديد من الأنظمة العربية على ذات الأداء وتدمرهم الكبير من سلوكها وسلوك بعض من صحفييها إزاء قضايا تصنفها ذات الأنظمة في خانة "السيادة" أو "الملفات الحساسة" أو "الأمور ذات الخصوصية الداخلية" أو ما سوى ذلك من تبريرات ومسوغات.
لا يروم التلميح هنا فقط إلى تزايد شكاوى العديد من الحكومات العربية جراء "استفزاز" القناة لأنظمتها لطبيعة قيامها على الشأن العام، بل أيضا وبالتحديد إلى مطالبة دول مجلس التعاون الخليجي الأخيرة إلى مقاطعة الجزيرة ومنع كل سبل التعامل معها كمدخل لترويضها وحؤولا " دون تجاوزاتها".
2- لو كان لنا أن نقف عند خلفيات الموقف إياه من قناة الجزيرة لوقفنا إجمالا عند خلفيتين اثنتين تتراءى لنا كافيتين لاستبيان الأمر:
+ الخلفية الأولى وتتمثل، في نظر الدافعين بذات الموقف، في الخاصية "التآمرية" التي ما فتئت القناة تتسم بها كلما كان لهذه الأخيرة أن تتعرض لثنائية الثروة والسلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم بجل الدول والحكومات العربية.
لا تتم الإشارة إلى قناة الجزيرة في هذا الباب كونها "تهيج الجماهير" على دولها وحكوماتها وتفضح سلوكهم وممارساتهم أمام شعوبهم، بل وكذلك في كونها "تتجنى" على أنظمة تدعي اعتمادها السبيل الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان وعملها "الدؤوب" على توزيع مكامن الثروة المادي منها كما الرمزي.
وعلى هذا الأساس، فبرامج القناة (سيما الحوارية منها) لا تلصق بها فقط "تهمة" المزايدة على النظم والحكومات، بل وتعتبر فضلا عن ذلك "وكرا للمعارضة بالخارج" متآمرة مع الأجنبي، جاهلة "لإنجازات الحاكم" ومتعطشة للسلطة والجاه.
+ أما الخلفية الثانية فتكمن، في ذهن مناهضي قناة الجزيرة الرسميين، في كونها "تؤجج لنار الفتنة" إذا لم يكن بين الأقطار العربية المتساكنة، فعلى الأقل بين أبناء الوطن الواحد ولربما الدين الواحد.
لا تنقصهم النماذج للاستدلال على ذلك، إذ اعتبرت القناة في أكثر ما من مرة، وراء تأجيج صراعات طائفية أو لغوية أو إثنية كانت في غياب الموسطة الإعلامية "متحكم فيها" أو "غير منتبه لها" كما بمصر أو بالمغرب العربي أو ببلاد الشام أو بغيرها.
بالتالي، فتعرض القناة لذات الإشكاليات وإماطة اللثام عن المسكوت عنه، قدم من لدنها دونما تقدير لتبعات ذات ولا لما قد ينجم عنه من عواقب على "اللحمة الوطنية" و "استقرار البلاد".
من هنا، فإذا تم التسليم بجدية هاتين الخلفيتين وصدقية طرحهما، فإن طريق المقاطعة سالك ما دامت سبل الضغط (على حكومة قطر) بجهة التلجيم لم تعط أكلها ومسلك التطويع بات دون جدوى تذكر...بالتالي "وجب" إغلاق مكاتبها وطرد مراسليها والعمل على تجفيف منابع الإعلان التي تمول جزءا من نشاطها.
3- قد لا يكون من الأهمية الكبرى تفكيك الذهنية التي تدفع بطرح من هذا القبيل (طرح المقاطعة أقصد) تحت هذا المسوغ أو ذاك، وقد لا يكون من المفيد كثيرا الوقوف عند طبيعة التصور الثاوي خلف تعامل النخب العربية الحاكمة مع المستجدات التكنولوجية بمختلف ضروبها وأنواعها، لكن الأنكى والأخطر هو استمرار النخب إياها في "تكفير الأداة" والتعامل مع ذات مستجدات العصر بعقليات خارج العصر:
- فإغلاق مكاتب القناة بهذه الدولة أو تلك لن يكون من شأنه التغطية على اعتقال نعارض أو قمع مظاهرة أو التنكيل بمواطن أو استبداد الحاكم وعائلته بشتى مصادر الثروة والسلطة والجاه.
فهي أمور قد تتناقلها وكالات أنباء أو قنوات أجنبية أو تنشر على شبكة الإنترنيت أو يعممها معارض بالخارج له مصادر للخبر بالداخل وهكذا.
- وحجب الإعلان على القناة لن يكون بمستطاعه التأثير على مسار القناة أو يطال في العمق خطها التحريري حتى وإن تسنى له أن يؤثر في حجم تمويلاتها ومشاريع توسيع فضاء انتشارها.
والسر في ذلك لا يأتي فقط من كون القناة تتحصل على جزء من ميزانيتها مباشرة من دولة قطر (منشئها وحاميها) ولا على اعتبار قدرتها على اجتذاب متعهدين للأشهر من برامجها على الأقل، ولكن أيضا بحكم اطمئنانها إلى احتمال وجود تعاطف من لدن "رساميل قومية" ترى في خط القناة التحريري إذا لم يكن الخط السليم فهو على الأقل الخط الأنجع عمليا لمواجهة ركود الإعلام العربي المرئي منه والمسموع.
وهو أمر قد تجري المراهنة عليه أيضا في حالة منع القناة نهائيا (في حالة ملامستها لكبائر المحذورات) وعزمها الانتقال (وإن بطاقم عنيد) للبث في المهجر.
وقصد القول في الحالات مجتمعة إن القناة لن تعدم الإمكانات ولا مصادر التمويل بجهة الاستمرار في التواجد، فهي أصبحت من الجماهيرية (ولربما من القوة أيضا) ما يجعل من كسوفها أمرا غير وارد البتة.
لرب قائل يقول: ولم افتراض كل هذه الاحتمالات؟ أو لم يكن من الأفيد للقائمين على القناة تجنب المصادمة مع أنظمة وحكومات هي استبدادية بكل المقاييس لكن عبر اعتماد أسلوب من التدرجية و "النقد البناء" لممارسات عوض أسلوب المهاجمة المؤدي للقذف والتشنيع؟ أو لم يكن من الأجدى تعرية إيديولويجا الاستبداد التي تعتمدها النظم العربية عبر استبعاد سبل "الاستفزاز المباشر" الذي لم يعهده الحكام ولا عهدت قنواتهم تمريره؟
وهو استفهام لا يجانب الصواب كثيرا إذ الضغط على الأنظمة الاستبدادية لا يتأتى فقط وبالضرورة من خلال التشنيع بها وقذفها كيلا من الشتم والتنكيل، تماما كما لا يحل معارض ضيف بالقناة محنة معتقلي الرأي ببلاده عبر شتم رأس السلطة أو التعرض بالإهانة لشخصه...وهكذا.
ومعنى هذا أنه كان عاى القناة أن تستحضر الرواسب وتساعد الذهنيات والسلوكات على الاختمار...والآية من ذلك أن إبلاغ الرسالة له أكثر من سبيل وله أكثر من طريقة ومسلك.
لقائل آخر يقول: أو ليس من المبالغة الكبرى "التحامل" على القناة لدرجة المطالبة بمقاطعتها وهي التي لا تختلق القضايا أو تفتعل المشاكل، إذ ما تعرضه (تحقيقا كان أم خبرا أم برنامجا حواريا) لا يعبر حقيقة الأمر إلا على واقع الحال المعاش؟ أو لسنا بحاجة إلى استنبات قنوات تعتمد العلاج بالصدمات ما دامت الأمور قد بلغت في النظام العربي نقطة اللاعودة؟
أو لا يعرف المواطن العربي (بالخليج وبغيره) أن حكامه فاسدون ومرتشون ومستبدون ومحتكرون لكل مفاصل الثروة والسلطة ومرتهنون لقوى الخارج في حمايتهم واستتباب كراسيهم؟ أو لم يكن من الأرضى لهم أن يحسوا بشعوبهم ويتقاسموا معها الثروة والسلطة و لا يخافوا بالتالي لا من مواطنيهم عليهم ولا من "تحامل" الجزيرة؟
وهو اعتقاد صائب أيضا إذ من ذا الذي يزايد على غياب الديموقراطية بالوطن العربي؟ ومن ذا الذي يزايد على اختزال الحاكم (في شخصه) للثروة والسلطة، للبشر والحجر، لحاضر الأفراد والجماعات ومستقبلهم؟ من ذا الذي يزايد على الحاكم استصداره للرأي والفكر وما سواهما؟
لا أحد نعتقد. بالتالي فالمطالبة بمقاطعة قناة الجزيرة (كما سواها من وسائل الإعلام والتعبير) لا تشي بقوة هذه القناة وقدرتها على استفزاز النظم والحكومات بقدر ما يشي بهشاشة هذه النظم واهتراء مكوناتها واحتكامها إلى ردود الفعل وارتكانها إلى مواقع ضعف كآخر محطة لها.
جريدة العلم، 9 نونبر 2002