"الشباب العربي وغواية العولمة"

 

 

من غير الهين، حقيقة، إيجاد مدخل واحد يكون كافيا لمعالجة موضوع من قبيل "الشباب وسؤال العولمة". فالموضوع يحيل على الاقتصاد, كما على السياسة, كما على علم الاجتماع, كما على علم النفس, كما على الطبيعة المتحركة للتوزيع العالمي للعمل وللمعرفة,  كما على غيرها من حقول ومجالات بحث.

 

ما يضيف بعض عناصر تعذر تناول هذا الموضوع ثلاثة أمور يبدو أنه من الضروري الإشارة إليها ولو من باب الإشارة العابرة:

 

+ الأول منهجي صرف, على اعتبار أن الشباب مفهوم اجتماعي خالص, في حين أن العولمة ظاهرة متعددة الأبعاد (حتى وإن اختزلتها المنتديات الاجتماعية العالمية في البعد الاجتماعي). فهي تخترق هذا المجال وذاك بأشكال مختلفة وبدرجات حدة متباينة, يصعب معها وضع طرفي المعادلة وجها لوجه, وإعمال مبدأ التحليل لفهم تجاذباتهما, وتقاطباتهما, وكذا أشكال ممانعتهما, أو تنافر بعضهما البعض.

 

+ الأمر الثاني عملي, بحكم ندرة الدراسات السوسيولوجية والنفسية الدقيقة لشريحة الشباب العربي في ظل ظاهرة العولمة, والمواصفات التي أكسبتها إياه, أو فرضتها عليه, أو تم له المماهاة معها, على أساس من هذا السلوك أو ذاك.

 

غياب هذه الدراسات لا يشي فقط بالأزمة الحقيقة التي يعيشها علم الاجتماع العربي (لدرجة ذهب علي حرب إلى وصفه بطاحونة الهواء)، بل وأيضا بغياب الدراسات المتعددة المشارب, المتكئة على ما توفر من منظومات معرفية بالغرب, أو ما تراكم لدى الباحثين العرب في مجالات مختلفة أخرى.

 

+ أما الأمر الثالث فيتعلق بتباين زوايا النظرة للعولمة, واختلاف تحديداتها, وتعدد التيارات الفكرية المتبنية لمدها, أو الرافضة لها جملة أو بالتفصيل. هذه التباين لا ينصرف فقط على النظرة إلى الاقتصاد والمجتمع، بل ويتعداه إلى ما تفرزه الظاهرة في حد ذاتها, أو بترابط وظواهر أخرى مجاورة لها أو قريبة منها... ومدى تأثيراتها على الشباب.

 

ليس من الأهمية هنا التعريج على مفهوم العولمة, أو النبش في محدداتها, أو آلياتها أو طبيعة فاعليها، لكنه بالإمكان القول (من زاوية بحث وظيفية صرفة) إن العولمة تحيل حتما على الاقتصاد (وعلى اقتصاد السوق بالتحديد) وتحيل على السياسة (على ديموقراطية السوق بالخصوص, من منظور السوق السياسي كعرض وطلب) وعلى الثقافة والفكر (ثقافة السوق, من زاوية عرض وطلب الرموز الثقافية والتيارات المعلوماتية, وانتقال البيانات والمعطيات والمعلومات والمعارف وما سواها).

 

بالتالي فالعولمة، من هذه الزاوية، إنما تتغيأ خلق فضاء اقتصادي وسياسي وثقافي واحد، موحد, تنتقل بصلبه كل السلع والخدمات والرساميل وتيارات الرموز والمعلومات والمعارف ومنظومات القيم وما سواها... دونما حواجز أو إكراهات أو تضييق من لدن هذه الجهة أو تلك, حتى وإن كانت الدولة بترساناتها, وسلطاتها, المادي منها كما الرمزي.

 

بالوقت الراهن، نلاحظ أن جزءا من العالم هو الذي يستفيد من مزايا العولمة في كل أبعادها وتموجاتها...أعني الدول الكبرى والتكتلات الإقليمية والوحدات الاقتصادية العملاقة وهكذا. ما سواها (دولا وأمما وقارات) يتعرض ليس فقط للتهميش، بل وتحديدا للإقصاء, كاقتصادات وكمجتمعات وكشرائح اجتماعية. وهو أمر نلاحظه فيما بين الدول, كما بداخلها على مستوى كل شريحة اجتماعية أو طبقة أو ما سواها.

 

هي، بالمحصلة الأولية إذن، عولمة إقصائية، انتقائية وغير عادلة. بالتالي فمن الحتمي حقا أن تفرز مناهضات لها, على المستويات العالمية كما الإقليمية كما الوطنية, كما على مستوى الفضاءات الجهوية والمحلية سواء بسواء.

 

بالمقابل، يقال إنه مادامت العولمة مدا جارفا بكل المقاييس, ومعطياتها موضوعية إلى حد بعيد, وليس للدول أو مجموعات الدول سبل إيقافها، فإن المفروض (والمطلوب أيضا) إنما تعظيم منافعها, والعمل على تجنب مساوئها وسلبياتها. ويتم الاستشهاد على الإيجابيات من بين ظهرانيها:

 

+ بما مكنته من إمكانات اتصال وتواصل, سيما وقد تصاحب " قدومها" وثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, بجانب الفضائيات, كما بجانب الشبكات الألكترونية, كما بما سواها. 

 

+ وبما وفرته من سبل لتنقل السلع والخدمات والرساميل (وإلى حد ما للبشر), جعلت الاستفادة من الثروات المادية واللامادية الكونية أمرا متاحا وهينا, وبمتناول العديد من دول وأمم الأرض.

 

+ وعلى مستوى دفعها بشتى أشكال الوعي بالحرية وحقوق الإنسان, والعمل المدني (لدرجة الحديث عن مجتمع مدني عالمي) ناهيك عن مختلف مظاهر التضامن بين الشعوب, زمن السلم كما زمن الحرب سواء بسواء.

 

وهذه أمور ليس من المتعذر ملامسة بعض من مظاهرها على مستوى سلوك الشباب: على مستوى المأكل والمشرب كما على مستوى الملبس والتعامل والتواصل وما سوى ذلك، ليس فقط على اعتبار أن ذلك جزءا من الحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان، ولكن أيضا باعتبار البعد الكوني الذي بات يميز منذ مدة سلوك الشباب, ويجعلهم "أفرادا كونيين" كما يقال, ليس الوطن إلا الوسيط الثانوي الذي يربطهم بالكونية, التي هي المصب والمركز, والتطلع فضلا عن كل هذا وذاك.

 

بالتالي، فهناك ما يشبه الانبهار من لدن الشباب (العربي تحديدا) ب" قيم العولمة" (المرادفة في تصوره للحداثة), لدرجة تشرب هذه الشريحة من المجتمع بها, إذا لم يكن تفصيلا, فتأكيدا بالمحصلة العامة. وهو أمر بالإمكان تلمسه لو عمد المرء إلى محاولة مقاربة مواصفات الشباب زمن العولمة:

 

°- ازدياد قيم الفردانية والأنانية والذاتية من بين ظهرانيه.

°- اشتداد نعرة الاستهلاك وتلازم الغاية بالوسيلة لديه.

°- الإيمان بمنطق التنافسية والإنتاجية, والنجاح والبقاء للأقوى وللأصلح, ولما سوى ذلك.

 

وهي سلوكيات جديدة إلى حد ما, تكونت (أو هي في طريقها إلى ذلك) على النقيض من السلوكيات التقليدية, التي كانت مرتكزة على العمل الجماعي والتضامن العائلي, والقيم الاجتماعية المتعارف عليها.

 

هناك إذن، بجزء من هذه الشريحة، انبهار بالحداثة وبالعولمة, لدرجة الاغتراب في بعض الحالات. هي حالة مماهاة مع "الغرب الحداثي" مأكلا وملبسا وسلوكا ولغة وأماكن سكن وطقوس استهلاك ومعاملة وهكذا.

 

بالمقابل، وعلى النقيض من ذلك، هناك انبهار آخر متأت ليس من قيم الغرب ولكن تحديدا مما يمكن تسميته بالصورة المثالية لنموذج "دولة الخلافة".

 

نحن، بهذه الحالة، إنما بإزاء إفراز لعنف العولمة حيث الشباب الفقير، القادم من الهوامش، العامل بالقطاع الغير مهيكل, والباحث بصورة غير مباشرة عن مزايا العولمة والحداثة، سرعان ما يصطدم بعنفها, فيستقطب من لدن أفراد أو جماعات ترفض ذوات العولمة والحداثة وقيمهما, بل كل قيم الغرب جملة وبالتفصيل.

 

لا يأتي التأطير بهذه الحالة، من السياسة أو من الفكر أو من الثقافة, بقدر ما يأتي من الدين وتأويله, لدرجة يغدو معاديا لكل القيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي أفرزتها العولمة, أو تزامنت معها. هو بالتالي استقطاب وتنميط (تماما كتنميط العولمة في الحالة الأولى) وليس تأطيرا بالمعنى الإيجابي للكلمة.

 

إلى جانب ذلك، فإن نموذج العولمة الممرر له والمروج له بالإعلام تحديدا، يجعل فصيلا من هذا الشباب لا يلجأ للدين كملجأ (كمفر يقول البعض)، بل إلى قوارب الموت بحثا عن نمط العيش المموسط إعلاميا، لكن إدراكه متعسر بحكم تشدد الحدود, وضيق السبل وما سوى ذلك.

  

بالتالي، فالذي يطلق عليه ب"الحريك" ما هو، بحقيقة الأمر، إلا إفرازا لعنف العولمة, التي ترفع لواء الانفتاح, لكنها تسيج بالمقابل الحدود, وتغلق الأبواب, وتضيق حتى على الذين هم متواجدون بالغرب من عمال وطلبة وغيرهم. 

 

هناك إذن، بمحصلة هذه العناصر:

 

°- اختراق لشريحة الشباب من فوق (من لدن الغرب, ومن لدن طبيعة العولمة المراد لها التكريس) وهو ما يفضي حتما إلى حالات من الانبهار, المحيلة على الاغتراب الاجتماعي بحكم محاولة الانصهار بالنموذج الغربي.

 

°- واختراق لها أيضا من الأسفل, عبر رفض هذه الشريحة للنموذج الغربي, ومحاولة العودة إلى فضاءات رمزية, لعل أقواها على الإطلاق الدين... وهو ما يفضي إلى اغتراب أيضا, سيما عندما ترفض هذه الشريحة المجتمع, أو تنعزل عنه, أو تكفره, أو ترفع السلاح بوجه من يختلف معها.

 

وعلى هذا الأساس، فإن التساؤل اليوم بصيغة "الشباب وسؤال العولمة" مطالب بأن يستتبع بتساؤل مكمل له، ممدد لأطروحته، بصيغة "العولمة وسؤال الشباب".

       

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 19 أكتوبر 2009