"تنافر الإعلامي والسياسي"

 

 

إن المراد التحدث فيه, بهذا الجانب, إنما ادعاء بعض من الإعلام العربي, بأنه بات يمثل الجماهير, ويعبر عن نبضها في ظل تهاوي الخطاب الرسمي للحكومات, وتراجع قدرتها على التأثير في الرأي العام, بفضل انتشار التكنولوجيا الإعلامية وتقدم الشبكات الرقمية وما سواها.

 

والقصد هنا إنما زعم بعض من المنابر الفضائية العربية بأنها أضحت أكثر تمثيلية للجماهير من الخطاب السياسي, الذي تقدمه الحكومات, أو تثوي خلفه الأحزاب السياسية بهذا البلد العربي أو ذاك, نتيجة التعرية التي طاولتها بهذا الشكل أو ذاك.

 

صحيح أن العديد من الفضائيات العربية قد بدأت تلعب دورا متزايدا في توجيه الشارع العربي, خاصة فيما يتعلق بالقضايا القومية الكبرى, وبشكل خاص القضيتين الفلسطينية والعراقية.

 

 وصحيح أن تأثيرها في الرأي العام بات أكثر من رأي الحكومات, فما بالك بالأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني وغيرها, والتي تراجع مدها, أو انحسر الإقبال عليها, أو تم تطويعها, أو تقوضت القدرة من بين ظهرانيها على التجنيد.

 

وصحيح أن العديد من القنوات العربية باتت من الاتساع والانتشار والشيوع, امتداد ساعات الليل والنهار, بما يفوق قدرة أي حزب سياسي على أن يكون له القدرة ذاتها في التأثير ونشر مواقفه على نطاق واسع, ناهيك عن قدرته في تجاوز الحدود, في حين قد يتأثر الحزب بأبعاده التنظيمية والبرنامج السياسي والانتخابي الذي يلتزم به كل الأعضاء والقيادات.

 

إلا أنه للأحزاب السياسية ميزات كبرى على القنوات الفضائية, بجهة وحدة الخطاب الفكري, ووضوح الأجندة الخاصة بالحزب, إلى جانب افتراض أن الحزب مدرسة للتربية والثقافة السياسية والتجنيد السياسي, فضلا عن جانب عمق وشمولية التأثير في الرأي العام, وخصوصية الشكل التنظيمي للحزب, وسهولة أشكال الاتصال على المستوى التنظيمي داخل الحزب, في حين أن الاتصال بين المواطنين والقنوات الفضائية قد يتم بأشكال عشوائية وحسب التأثر بالقناة, وهكذا.

 

وهو أمر لا يخلو من صواب, إلا أن ذات الطرح لا يميز كثيرا بين طبيعة الخطابين, الإعلامي والسياسي, تماما كما لا يميز بين أدوار مختلف المؤسسات في المجتمع، خاصة النقابات المهنية والأحزاب السياسية، التي لكل منها دوره ووظيفته, تماما كما أن للإعلام دوره ووظيفته.

 

إن وظيفة الإعلام تختلف عن تلك المناطة بالسياسة, ليس فقط من زاوية أفق الاشتغال وطبيعة الرسالة, ولكن أيضا بحكم طبيعة الغايات المرتجاة من هذا كما من تلك. ثم إن زمن السياسة ليس بالضرورة هو زمن الإعلام. فللأولى الاشتغال بجوهر المنظومة, في حين أن للثاني الإخبار العابر الذي قد لا يترك أثرا في البنية, ولا تأثيرا في السياق.

 

بالتالي, فربط الإعلام بالسياسة قد لا يكون منطقيا دائما, ولا سليما دائما. إنه زواج عابر, إنه زواج من أجل المتعة ليس إلا...أعني زواجا من أجل المصلحة.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 29 مارس 2010