"في الخلفيات السياسية للخطاب الإعلامي العربي"

 

 

انتشرت, منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي, بفضل ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, وانفتاح السماوات نتيجة انفجار تقنيات الأقمار الصناعية, وتزايد مد العولمة الإعلامية واتساع مجال الشبكات الرقمية, انتشرت بمعظم الدول العربية, قنوات فضائية من كل التوجهات والتموجات, حتى أضحى المرء, بفترة من الزمن قصيرة للغاية, بإزاء المئات من ذات القنوات, الحكومي منها كما الخاص, العام منها كما المتخصص, ذي التمويل الحكومي المباشر, كما المرتكز على الاستثمار الأهلي المجازف, وهكذا.

 

وعلى الرغم من حداثة التجربة, بمشرق الوطن العربي كما بغربه, فإن تقييم حوصلة أدائها لم تخضع كثيرا للتمحيص, إما بسبب عدم استقرار مكونات الظاهرة في حد ذاتها, أو بسبب من جرعة الأدلجة, التي غالبا ما تحكم أية مرجعية تتغيأ مقاربة كذا إشكالات, وتحول بالتالي, دون وضعها في السياق العام الذي تعتمل من بين ظهرانيه.

 

وإذا سلمنا بداية, بأننا لسنا بإزاء خطاب سياسي عربي موحد, ينهل من نفس المرجعية ويرتكز على نفس الأسس والمقومات, فإننا سنسلم أيضا وبالضرورة, بأنه ليس ثمة خطاب إعلامي عربي موحد, إذا لم يكن من باب الاحتكام إلى منظومة إعلامية قائمة, فعلى الأقل بجهة تمحوره حول القضايا العربية ذات التأثير العابر للحدود الجغرافية والسياسية.

 

ليست الغاية هنا تبيان مدى تفاعل أو تجاذب الحقلين, الإعلامي والسياسي بالسياق العربي الراهن, ولا الوقوف عند التقاطبات القائمة أو المحتملة بينهما. الغرض هنا إنما الحديث في مدى قدرة هذا كما ذاك, على موسطة خطابه بهذا الشكل أو ذاك, بغية التأثير في الجهة المتلقية, مستهلكا للمادة الإعلامية كانت, أم مستقبلا للرسالة السياسية.

 

والواقع أنه ثمة دائما بعدا سياسيا ما بأي خطاب إعلامي, بالمباشر الحي الذي لا يقبل كبير تأويل, كما بالمضمر المبطن, الذي يقتصر مضمون الرسالة الإعلامية من بين ظهرانيه, على التدثر بالشكل والمظهر لإعطاء الانطباع بعدم وجودها.

 

هو أمر من الهين ملاحظته بالصحافة المكتوبة كما بالمحطة الإذاعية كما بالصورة المتلفزة, لا اختلاف في التوظيف كبير, اللهم إلا اختلاف الحامل بين النص المكتوب والكلمة المسموعة والحدث المتلفز, كل حسب طبيعته ودوره, ومدى إقبال الجماهير عليه, بل ومدى قدرته على التأثير في المتلقي, حالا أو بالتدريج المرحلي المدروس.

 

وعلى هذا الأساس, فإن مرحلة ما قبل ولوج الدول العربية لعصر البث الفضائي, أعني فترة الندرة الإعلامية وهيمنة الدولة على وسائل الإعلام, إنما تؤسس بالمظهر والجوهر, لهيمنة السياسي على الخطاب الإعلامي, لدرجة تماهي الخطابين معا, أي اندغام الثاني في الأول وانصهاره فيه, لا بل قل تجسيد الثاني بالكلمة والصوت والصورة, لما يصدر عن الأول تمثلا أو تصورا أو تصريفا لما يعتمده من قرارات.

إن وسائل الإعلام العربية لمرحلة ما قبل طفرة البث الفضائي، إنما تؤرخ بامتياز لفترة كانت ذات الوسائل, والحكومات من خلفها (على اعتبار ملكيتها لهذه الوسائل), تشكل آراء الجماهير وأفكارها ومواقفها، وتمارس ما يشبه الوصاية على ما تشاهد. لا بل لم تكن لديها الخيارات لانتقاء هذه القناة أو تلك, بحكم الندرة واحتكار الدولة للمجال, فكانت بالتالي, ملزمة بمتابعة ومشاهدة التلفزيون الرسمي في بلدها، والذي كان يختار لها الأخبار والمعلومات والأفلام والمسلسلات والأغاني والثقافة، أو ما يعتبره كذلك، "مستغلا حالة الاستسلام اللذيذ لدى الناس للصورة, ليصوغهم في مسار واحد من التفكير والرؤية، أو ليمنع عنهم ما لا يريده من الدنيا المحيطة بهم".

القنوات هنا رسمية, بالتمويل والتعيين وتحديد السياسات والتقييم والمحاسبة وبغيرها. ولما كانت كذلك, فهي ترى أنه من الطبيعي أن تمرر للخطاب الرسمي, تقدم ما تريد من الحقائق وتخفي ما تريد, إما بذريعة بناء الدولة والحفاظ على السلم الأهلي, أو تحت مسوغ ضمان الوحدة الوطنية, التي لا تقبل أكثر من خطاب... أو هكذا يقال.

ولعل النموذج الأبرز لذات الطرح, إنما حؤول معظم الحكومات العربية أواسط ثمانينات القرن الماضي, حؤولها دون المواطنين ودون اقتنائهم واستخدامهم للصحون اللاقطة, إما بمبرر الخصوصية, أو على خلفية مواجهة الغزو الفكري والثقافي الذي قد يترتب على ذلك, في حين أن الغاية الدفينة كانت ضبط ومراقبة بث الأخبار والبرامج الآتية من الخارج, بغرض إبقاء المنظومة الإعلامية السائدة وضمان استمراريتها. بالتالي, وجد الجمهور العربي, مشرقا ومغربا, وجد نفسه بإزاء خطاب إعلامي أحادي, يعبر عن وجهة نظر الحكومات العربية، ولا يفتح المجال لتعددية الآراء, أو لمقارعة الطروحات السياسية للحكومات إياها.

وعلى هذا الأساس, بقيت خصائص الخطاب الإعلامي العربي عاكسة بالصوت والصورة, لطبيعة النظام السياسي السائد في كل دولة عربية, تعمل على ترسيخه وتمرير مضمون منظومته, بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى, اللهم إلا الولاء له, ولاء الإعلامي للسياسي.

 

بامتداد لذلك, بقيت طبيعة المواضيع والإشكاليات المطروحة للنقاش والتداول، كما الشخصيات المؤثثة للبرامج الحوارية ذات الخاصية السياسية, بقيت حكرا على المؤسسة الرسمية أو على من يدور بفلكها، أولوياتها معروفة ومحددة, وحدود ما قد تبلغه من طرح ثابتة, لدى السياسي كما لدن الإعلامي, لا يزيغ عنها قيد أنملة سواء كانت ذات البرامج مباشرة, أم خاضعة للرقابة القبلية.

 

وبناء عليه, فقد كان النظام السياسي للدولة هو الذي يحدد العلاقة بين الأيديولوجية السياسية وفلسفة نظام الإعلام القائم في المجتمع, وكانت القناة الإعلامية (ضمن أدوات ناعمة أخرى) هي المخولة بإعادة صياغة تدريجية لهيكلة الفكر, الذي توجه إليه هذه الرسائل بجرعات منتظمة, هادفة, غير مستعجلة, تعمل على تحقيق الغاية السياسية, دونما خشونة كبرى, أو تسرع في إدراك النتائج.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 15 مارس 2010