"الجرذان"

 

 

عندما انفجرت الثورة بوجه معمر القذافي, ببداية هذا العام, العام 2011, وانتشرت شرارتها بقوة منقطعة النظير, طلع علينا العقيد من بين أضلع القنوات التلفزيونية, قنواته هو وقنوات العالم المختلفة, ليصف الثاوين خلف الثورة إياها, بالكلاب الضالة وبالمرتزقة وبخدام الاستعمار, ليختتم ذلك بوصفهم بالجرذان.

 

لست أدري المدعاة الحقيقة التي تدفع الحاكم إلى نعت شعبه أو جزء منه منتفض عليه, بهذه الصفة. لكن المؤكد أن بداخل ذات الحاكم إيمان قائم بأنه إنما بإزاء بشر لا يخرجون كثيرا عن نطاق الحيوان والبعوض والحشرات, في حالة سكونهم وقبولهم بسلطانه, كما في حال خروجهم عن طوعه وطاعته.

 

لست هنا بإزاء محاولة النبش في سيكولوجية الحاكم العربي, أو النظر في الخاصية الحقيقة التي يتمثل بها محكوميه, في مضمر نفسه كما في ظاهرها. لكني أزعم, بحالة القذافي على الأقل, بأن وصفه لمناهضيه بالجرذان إنما دافعه أمران إثنان:

 

+ الأول ويكمن في عدم تصوره بأن فصيلا من "بني قومه" قد ينتفض عليه يوما, ويرفع السلاح بوجهه, وينغص عليه حياته المثرفة, فما بالك أن يزايد عليه لدرجة الاحتماء بالأجنبي, طواعية أو مكرها, لإسقاط نظام حكمه بهذه الطريقة أو تلك.

 

+ أما الثاني, فيتمثل في عدم تمثله لمعطى أنه كلما كانت ثمة سلطة, فما بالك أن تدوم هذه الأخيرة لأكثر من أربعة عقود, كلما كان ثمة من يناهضها بالمحصلة, ويرفع عصا الطاعة بوجهها, سيما لو كانت ظالمة, غاشمة, متسلطة, تستبيح العام لفائدة الخاص, ولا تعير حدا أدنى لما قد يكون جوع الشعب أو عطشه أو تطلعه للحرية.

 

إن نظام القذافي هو من هذه الطينة دون شك, ليس فقط لأنه استباح ثروات ليبيا في مغامرات جرت على البلاد كوارث وأهوال, ولكن أيضا لأنه لم يكن في مستوى تدبيرها واستثمارها للرفع من مستوى عيش شعب غني بموارده, لكنه يعيش الفاقة والفقر, تماما كجيران له في الجغرافيا, لا تكتنز أراضيهم نفطا ولا نافذة لهم على البحر تذكر.

 

إن الذين ينعتهم القذافي بالجرذان, قد يكونوا كذلك إلى حد ما, هم الذين بلغ بهم الضيم أشده, وطاولتهم المهانة في كرامتهم مستويات كبرى, لكنه هو الذي حولهم إلى ذات الوضعية ظلما وعدوانا, ولربما عن قصد واستقصاد.

 

ثم إن الذين ينعتهم بالجرذان قد يكونوا كذلك, لكنه هو الذي حولهم إلى ذات الحالة, بخنق حرياتهم, وتنميط آرائهم, ومحورة أفكارهم ورؤاهم حول ما بدا ويبدو له هو, دونما استشارة لهم من لدنه, أو فسح في المجال لهم ليعبروا عن دواخلهم بحرية واطمئنان.

 

ثم إن الذي جعل منهم جرذانا حقا وحقيقة إنما هو لا غيره. هو الذي استصدر الحاضر من بين أيديهم, وارتهن المستقبل من بين أضلعهم, وزرع الكسل والاتكالية من بين ظهرانيهم, وحولهم إلى قطيع يهتف باسمه آناء الليل وأطراف النهار.

 

أنا لا أنطق هنا من فراغ, لكني أنطلق من حقيقة ما رأيت وعاينت في زياراتي المتكررة لليبيا القذافي, أواخر تسعينات القرن الماضي وبداية هذا القرن.

 

لقد عاينت صور "الزعيم" بالمطار, بالشوارع والجدران, وعلى شرفات المنازل. وعاينت الهتاف "للزعيم" هنا وهناك, والاندفاع للدفاع عن أطروحاته و"صواب رؤيته", وعاينت الإعلام بمختلف روافده, وهو يمدحه ويمجده ويرفعه لمقامات السمو والقداسة.

 

لكني عاينت بالآن ذاته, بنى تحتية مهترئة للغاية, لا توازيها إلا بنى الدول المعدمة الإمكانات والثروات. وعاينت جامعات تخلو خزاناتها من الكتب والمجلات, اللهم إلا تلك التي تعود إلى عقود وأعوام مضت. وعاينت أساتذة وطلبة لا فكرة لديهم تذكر عما يدور بالعالم الخارجي. وعاينت الفقر المدقع على وجوه الناس, ومن خلال لباسهم وتأوهاتهم, وهم يناقشون.

 

عاينت كل ذلك, وتعشمت في أن تتغير أحوال البلاد والعباد بين زيارة وأخرى, لكن دون جدوى, حتى إذا ما انتفض "الجرذان" أدركت أنهم تأخروا كثيرا للخروج من جحورهم لإسقاط أكذوبة انطلت عليهم وطال مداها لأكثر من أربعة عقود من الزمن.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 29 غشت 2011