"الكفن"

 

-1-

 

 

عندما يخرج الناس للاحتجاج بالتظاهر, بالساحات العمومية أو بالشوارع, قبالة أو بمحاذاة هذه المؤسسة الرسمية (أو الخاصة) أو تلك, فعلى خلفية من دافعين اثنين:

 

°- دافع عام, يتطلع الناس أو بعضا منهم, من خلاله, للمطالبة برفع مظلومية عامة, تكون قد طالتهم جماعة, ولم تعد الأدوات التقليدية (أحزابا ونقابات وجمعيات),  لم تعد تسعفهم للتعبير عنها, فيخرجوا غضبا لرفعها بالفضاء العام, علهم يلقون من "أولي الأمر", إنصافا أو أذنا  لديها القابلية على الإصغاء, أو وعدا بطرح قضاياهم للدرس أو للتداول فيها استعجالا.  

 

°- ودافع خاص, ذو طابع فئوي صرف, تدفع به مجموعة من الناس طالها الظلم, وبلغ بها الضيم مبلغه, جراء سلوك صاحب رأسمال متجبر, أو مالك أراضي جشع, متطاول على أرزاق البلاد دون وجه حق, أو مسؤول كبير أزكم فساده الأنوف, فلم يعد من سبيل لتحمله, أو التعايش معه في مجال جغرافي واحد.

 

هما دافعان مختلفان مظهرا, لكنهما متشابهين في شكل وخلفيات التعبير المعتمد, كما في الغاية المبتغاة من ذلك. إذ كلاهما يلجأ للشارع كفضاء في التعبير, وكلاهما يناهض المظلومية والضيم, وكلاهما ينشد الإنصاف ورفع الظلم.

 

ثم هما شكلان في الاحتجاج سلميان مهادنان, لا يحتكمان للأدوات الخشنة في ردة الفعل, ولا يلمحان إلى استخدام العنف إن لم يتم التجاوب مع مضمون ما يهتفان به, أو يرفعانه باللوائح واليافطات والشعارات.

 

إنهما, مؤطران وغير مؤطرين, لا يرفعان السلاح بوجه الدولة, أو بوجه القائمين على مصالحها, أو بوجه أرباب العمل الخواص. وبقدر ما لا يرفعانه, فهما لا يلوحان به بالمرة, ولا يلمحان إلى احتمالية اللجوء إليه, ولا يتبنيانه في منهجهما, ولا يفكران فيه حتى, مخافة توظيفه من لدن أعدائهما, أو للتجاوز عليه كونه قد يحول دونهما ودون إدراك ما يناديان لإدراكه.

 

ومع ذلك, فأصحاب هذه الأشكال التعبيرية لا يسلمون دائما من التعنيف, أو من الضرب, أو  من الإهانة والشتم, إما بسبب تحرش مجاني من لدن رجال في السلطة مغترين, أو بسبب سلوك بعض المتهورين ضمنهم, أو جراء ممارسات بعض المندسين من بين ظهرانيهم, هدفهم التشويش على المظاهرة, أية مظاهرة, والعمل على تحويلها عن طابعها السلمي, أو إثارة بعض من رجال الأمن يحتكمون إلى أوامر عليا ل"تفريق المحتجين", فيبلغ الاستفزاز بهم درجات متقدمة, فيعمدون إلى تعنيف الكل بجريرة بعض من الجزء المتهور أو المندس.

 

  -2-

 

إن مدعاة ما سبق من حديث, إنما التعنيف المبالغ فيه الذي طاول جمعا من المعلمين المجازين (أو الحاصلين على شهادات عليا) خرجوا من أسبوع, بالعاصمة الإدارية للبلاد, للمطالبة برفع الضيم عنهم, في كرامتهم, في حقهم في الترقية, وفي صيانة قدسية الشواهد التي تحصلوا عليها ولم يترتب عن تحصيلها امتياز يذكر, ولا كان لها مفعول على مستوى وضعياتهم, أو فيما يحصلون عليه بنهاية الشهر, كرواتب أو تعويضات جزافية, من المفروض أن تضمنها لهم الشواهد إياها بحكم الأمر الواقع. 

 

ليس مهما, بالتحليل الأولي العابر, التساؤل في مدى موضوعية هذا المطلب أو ذاك, على اعتبار تباين المطالب بين فئة وفئة, وبين فرد وفرد. وليس من الأهمية بمكان أيضا, التساؤل في حجم المظلومية التي طالت أو لا تزال تطاول هذه الفئة أو هذا الفرد.

 

إن المهم هنا, وبصرف النظر عن كل هذا أو ذاك, إنما السر في تعنيف هؤلاء, والضرب المبرح الذي تعرضوا له, والإهانة المبالغ فيها التي كانوا مكمنها بهذا الشكل أو ذاك, لا بل وإمعان رجال الأمن في إيذائهم المباشر باستقصاد واضح للأماكن الرخوة من أجسادهم, حتى ليخال للمرء أن المقصود كان القتل أو الإعاقة, عوض الجرح الطفيف (بدواعي الردع مثلا) أو الأذى المترتب عن الالتحام المحتمل والمؤكد مع رجال الأمن إياهم.

 

إن مستوى العنف الموغل في الخشونة, الذي تعرض له رجال التعليم بالعاصمة الإدارية للمغرب من أسبوع مضى, لا يمكن إلا أن يكون واحدا من أمرين:

 

+ إما أنه رد فعل عفوي من رجال أمن (بؤساء, لا يلوون على شيء, مثل المعلمين ومثلنا) بلغ بهم الضيم هم أيضا, فباتوا يتلذذون بجلد الآخرين, فإذا بهم لا يجلدون إلا أنفسهم بالبداية وبالمحصلة النهائية. إذا كان الأمر كذلك, فإننا هنا حتما إنما بإزاء حالة مرضية مؤكدة, من التجاوز محاسبتهم عليها, أو مؤاخذتهم بجريرتها, بل من الواجب مداواتهم منها, أو على الأقل الدعاء لهم بالشفاء منها.

 

+ وإما أنه نتاج أوامر صارمة, لا مجال لرجل الأمن من بين ظهرانيها من خيار, إلا خيار استعمال القسوة والغلظة بجهة المحتجين, كائنة ما تكن أطيافهم أو طبيعة مطالبهم, أو الصيغة السلمية التي ارتكنوا إليها لرفع ذات المطالب.

 

وأيا ما تكن أسباب ودواعي ما جرى ويجري, فإن ثمة أسئلة قائمة لا بد من أن يكون هناك من يرد عليها, ويعطينا بإزائها الأجوبة والمسوغات, إذا لم يكن الحساب والمحاسبة بالجملة والتفصيل: من ذا الذي أصدر أوامر التعنيف بحق المعلمين المحتجين؟ ماذا كانت غاياته وخلفياته من ذلك وفي ذلك؟ ما حساباته المضمرة والجلية؟ وما شرعية القرار الذي اتخذه, لا بل وما مشروعيته هو ذاته, كي يتخذ قرارا من هذا القبيل, من الوارد أنه كان خلف وفاة أو إعاقة رجل تعليم فاضل؟

 

هي أسئلة لا نحتكم لها على عناصر في الجواب, لكننا نطالب بأن يكون لها جوابا بهذا الشكل أو ذاك.

 

في غياب ذلك, أو في استبعاده, فإننا نزعم بأن الذي ثوى خلف ذلك, إنما واحد من إثنين:

 

°- إما المنظومة القائمة, أعني حاشية النظام التي لها حساباتها وترتيباتها وجدول أعمالها. وهذا أمر خطير للغاية, لأنه يشي بأن المنظومة باتت نظاما قائما, لا قبل "للنظام القائم" في مراقبة ما تقوم به حالا, أو ما قد تقبل عليه أو تعمد إليه في المستقبل.  

 

°- وإما النظام, بكل تراتبيته وهرميته, وائتمار دانيه بقاصيه, دون نقاش أو مزايدة. وهذه  مسألة إن تأكدت معطياتها, فسنكون حقا بإزاء فضيحة أخلاقية لا مجال للسكوت عنها, على الأقل بالقياس إلى وعود نظام هو في طور إعداد مشروع في الدستور "جديد", لكنه لا يطيق بالآن ذاته, من يزايد عليه في السلوك أو يناهضه على مستوى الممارسة.

 

بالاعتبار الأول كما بالتالي, فإننا نزعم أن المسألة فيما جرى, خطيرة للغاية, لن يستطيع النظام ولا المنظومة التبرأ منها أو نفيها, أو الادعاء بعدم العلم, ومن بعد ذلك بعدم الرضى عن طريقة معالجة ما جرى.

 

وعليه, أعني في غياب من يتحمل المسؤولية دون مواربة أو تخفي, فإننا ننصح من ينوي الاحتجاج والتظاهر في زمن "العهد الجديد", أو في "ظل المغرب الحداثي الديموقراطي" المتشدق به, أن يتدثر بكفنه قبل أن يخرج للتظاهر, لأنه سيكون حتما إما وجها لوجه مع عناصر منظومة طاغية لا ترحم, أو بمحاداة نظام لا يقل عنها طغيانا, لكنه يعطي الانطباع بالرحمة. بكلا الحالتين, سيكون القاتل واحد, لكن بوجهيين مختلفين.

 

  

يحيى اليحياوي

الرباط, 28 مارس 2011