محنة التلفزة بالمغرب: حول محاضرة الأستاذ يحيى اليحياوي بنادي الطليعة
السينمائي بسيدي سليمان
أزمة الجسد الإعلامي المغربي،
الإشكالية الاجتماعية وضغوطاتها، ضنك السؤال الثقافي وظلاله، تيه السياسي
وتفاعلاته...تلك بعض تجليات إشكالية السمعي-البصري ببلادنا، وارتهانه لرؤية ضبابية
للمشروع الإعلامي المغربي عامة.
حول هذه المحاور الكبرى، تم
التداول في محاضرة " تحديات الإعلام السمعي-البصري بالمغرب" المنظمة من
طرف نادي الطليعة السينمائي بسيدي سليمان والمقدمة من طرف الأستاذ يحيى اليحياوي
الناقد والمختص في مجال الاتصال.
استدعت مداخلة الأستاذ يحيى
اليحياوي جملة قرائن وبيانات ودلائل رمزية وأخرى مادية، لتوصيف تحديات إشكالية
الإعلام السمعي- البصري بالمغرب.
ولعل الاستهلال المقترح لدى
الأستاذ يحيى اليحياوي أريد له بداية تحديد الإطار المنهجي للمداخلة، حيث أشار إلى
أن منطق التحديات يثير في الذهن مستويان أساسيان:
- اعتبار ذلك المنطق (التحديات)
كلام حق أريد به باطل، طبعا بمقارنته مع أزمات المجتمع الأخرى (اقتصاد،
سياسة...الخ).
- اختلاف تحديد منطق التحديات
والرهانات المرتبطة بالإعلام السمعي-البصري وتجلياته.
- تخصيص المسألة التلفزية بالمغرب
بجملة ملاحظات موالية...مع استحسان تفضيل تقديم قراءة للوضع التلفزي على خلفية
"المحنة".
وعلى أسس تلك القواعد، انطلق
الأستاذ يحيى اليحياوي في تدقيق التصور والرؤية حول محنة التلفزة بالمغرب، عاملا
على ربط تلك المحنة بأربعة مستويات:
+ محنة التلفزة بالمغرب هي جزء من
محنة الجسد الإعلامي ببلادنا عامة. هذا وأن الإشكالية الإعلامية لم تطرح منذ أربعة
عقود بتوجهها السليم...فبالقدر الذي عرف فيه البث الإذاعي انفتاحا مراقبا ومعه
الصحافة المكتوبة، فإن الحقيقة الراسخة ظلت ثابتة حول القبضة الحديدية المحكمة على
جهاز التلفزيون المغربي باعتبار الإعلام السمعي-البصري الجهاز الأخطر والأكثر
تأثيرا... هكذا ظلت محنة السمعي-البصري جزءا لا يتجزأ من محنة الجسد الإعلامي
برمته...
+ حقيقة إشكال محنة التلفزة
بالمغرب مرتبطة أساسا بإشكال محنة السياسي ببلادنا، ولعل الأول ما هو إلا تجلي لحضور
الثاني وبعض من تبعات هذه المحنة السياسية أن تجد الفاعلين الأساسيين في الشأن
الإعلامي السمعي-البصري ببلادنا هم أجساد غريبة عن الجسد الإعلامي.
لهذا يؤكد الأستاذ يحيى اليحياوي
أنه ليس غريبا أن تتحول "سلطة الكلمة" داخل التلفزيون المغربي إلى
"كلمة السلطة" وليس غريبا أيضا أن تنشر وتتطور بين ظهراني عدد العاملين
والمبدعين، أفرادا وجماعات داخل التلفزيون المغربي: ثقافة المنع والحرمان
والتهجير...الخ.
+ محنة التلفزة بالمغرب مرتبطة
أيضا بتعذر الحسم في الإشكال الثقافي عامة.
ومن تجليات ذلك مثلا سطحية
المعالجة الثقافية... نحيل المتلقي إلى مقارنة بين بعض البرامج (ركن المفتي
بالتلفزة المغربية و"الحياة والشريعة" بقناة الجزيرة) ثم برنامج
"حساء الثقافة بقناة ت.ف.5 و" رياض الفكر" بالقناة الأولى.
والحقيقة أن المغرب لم يتمكن من
حسم الإشكال الثقافي بأسئلته المؤرقة: أي ثقافة نريد؟ وفق أية مرجعية؟وعلى أساس أي
مشروع مجتمعي؟
في تواز ذلك هناك الإشكال اللغوي
بحساسياته المختلفة: المسألة الفرنكوفونية، المسألة الأمازيغية، اللغة الغربية؟
لهذا فمحنة السمعي-البصري ستبقى
مطروحة ما دام يتعذر علينا حسم الإشكال الثقافي ببلادنا في أبعاده المختلفة.
+ محنة السمعي-البصري والتلفزي
خاصة مرتبط بتعقد الإشكال الاجتماعي: ولعل مظاهر هذا البعد واضحة منذ زمن طويل عبر
تطور ثقافة الهجرة-التهجير التي جعلت لهذا الموضوع أولويته وخصوصيته الراهنة.
تلك تحديات أربعة لا زالت معقدة
الارتباط منذ ظهورها أوائل الستينات، ولا يمكن بتشكلاتها الراهنة إلا أن تقدم
للمغاربة " تلفزة بئيسة" بشكلها الحالي والمنظور.
فما هو البديل للخروج من هذه
المحنة؟
كل محاولة للانعتاق، يشير الأستاذ
يحيى اليحياوي، تثير في المتأمل تسجيل مسلمتين:
°- كل مشروع سمعي- بصري حقيقي وجاد
يوأد في المهد. في هذا الصدد يمكن مراجعة تجربة المهدي المنجرة كمدير عام للإذاعة
والتلفزة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم.
°- لبناء مشروع إعلامي سمعي- بصري
حقيقي لا بد من استحضار العناصر التالية:
+ ضرورة الاستفادة من حركية المحيط
+ ضرورة الاستفادة من حركية
المجتمع
+ ضرورة الاستفادة من التراكمات
التاريخية القريبة
°- من جهته، لتحقيق مشروع إعلامي
سمعي- بصري قوي وحديث ينبغي اعتماد المستويات الثلاثة:
. مشاركة جميع الفاعلين في الشأن
العمومي (دولة، أحزاب، مجتمع مدني...الخ)
. ضرورة تفكيك وتهديم مركب
الإدارة-السلطة القديم المشكل في عهد الداخلية السابق.
. ضرورة امتلاك رؤية واستراتيجية
عمل واضحة ومدققة.
. اعتبار سيناريو الإصلاح القائم
على الجبيرة سيناريو فاشل.
إعداد: محمد الخيتر، جريدة النشرة، أسبوعية، 3-9 يناير 2000