كركوك
المرابطة
لم
يكن بمستطاع
المواطن
المتوسط من
بيننا (من بين
سكان المغرب
العربي على
الأقل) أن
يسمع بمدن,
كتلعفر أو سامراء
أو حديثة أو دهوك
أو السماوة
(فما بالك أن
يعين
بالخريطة مدنا
قائمة الذات
حول بغداد,
كالفلوجة أو
الرمادي أو
الصدر أو ما
سواها), إلا بعد
أن سقط العراق
تحت الاحتلال
العسكري
الأمريكي,
فأضحت هذه
المدن إما
مكمنا للدمار
والخراب الذي
ترتب عن
الاحتلال
إياه,
وتناقلته
وسائل
الإعلام
بالعالم أجمع,
أو فضاء
للتطاحن
المذهبي والاقتتال
الطائفي والتطهير
العرقي, أو
عنوانا بارزا
لمقاومة المحتل,
بالمناهضة السياسية
الناعمة, أو
بالمقاومة
المسلحة
المباشرة.
والواقع
أن مدنا
ككركوك
(بجغرافية ضيقة,
وتعداد ساكنة
لا يتعدى
المليون نسمة)
لم يكن لها أن
تشهد حالة
الاحتراب (المعلن
كما المضمر)
التي تعرفها
منذ سقوط
النظام
السابق (وحتى
بإبانه), وأن
تعرف الموسطة
الإعلامية الواسعة
التي غدت
مادتها
بامتياز من
تاريخه, لولا
تظافر ثلاثة
معطيات أساس,
لا يمكن للمرء
التجاوز
عليها حقا,
لفهم ما يجري
بالمدينة, أو
ما يحاك لها أو
من حولها:
+
فالمدينة تضم
في باطنها
مخزونا ضخما
من النفط
الممتاز,
تقدره بعض
الإحصاءات
بحوالي 7
بالمائة من
احتياطي
البترول
العالمي, ضمن
منطقة متاخمة
(جنوب كردستان
أقصد) تقدر
التخمينات أن
بها ما يناهز 45
مليار برميل
من النفط,
وأكثر من 100
تريليون متر
مكعب من الغاز
الطبيعي.
+
والمدينة
باتت, منذ
التاسع من
أبريل من العام
2003, مصدر إلهاب
للعديد من
المشاعر
(والأطماع أيضا)
ليس فقط من
لدن بلدان
الجوار
المباشر, بل
وتحديدا من
لدن قادة
إقليم
كردستان, لم
ولا يتوانوا
في الجهر
بهويتها
الكردية
(والتحجج
بالمظلومية
التاريخية
التي طاولتها),
ولا يخفون
تصميمهم على استرجاعها
بعد عقود من
منظومة
التعريب
القسري, التي عملت
على "تهجير
السكان
الأصليين,
وأتت بعرب من
خارجها
ليستوطنوها",
بغرض تغيير
تركيبتها
الديموغرافية,
وضمان ولائها
المطلق,
للسلطة
المركزية
القائمة في
حينه.
+
والمدينة,
فضلا عن كل
هذا وذاك, غدت
مكمن تصارع
إقليمي حاد,
تتقاطع من بين
ظهرانيه, قوة
المصالح
الاقتصادية
المباشرة
(مصالح الأكراد
والأمريكان),
بجدية
الحسابات
الجيوستراتيجية
البعيدة
المدى (من لدن
تركيا وإيران
وسوريا),
ناهيك عما
ترتبه أمريكا
وإسرائيل من
مستقبل
للعراق,
وللمنطقة
برمتها من
خلاله.
بهذه
الزاوية (زاوية
تقاطع
المصالح
والحسابات
وتضاربها),
يبدو أنه بقدر
ما لن تفرط
أمريكا قيد
أنملة بنفط
المدينة, وهي
القادمة من
بعيد لضمان
تدفقه
بالصبيب الذي
تريد, فإن
البادي كذلك
أن الأكراد لا
يتوفرون على
الحد الأدنى
من القابلية
للتفريط
بالمدينة.
والبادي أيضا
أن تركيا,
وإلى حد ما
إيران وسوريا,
غير مستعدين
للقبول بحل
يجعل من مدينة
متعددة الأعراق
والطوائف
والهويات, تخضع
للتكريد
التام, أو تغدو
بالمحصلة
النهائية
جزءا من إقليم
قد يكتفي
مؤقتا بشمال
العراق, لكنه
لن يتوانى
بالزمن
المنظور, في
التمهيد
لإقامة
كردستان
الكبرى, أو
هكذا يروج.
وإذا
سلمنا جدلا
بلامبالاة ما,
من لدن
الأمريكان فيما
يتعلق بمصير
المدينة (ما
دامت مصالحهم
ستصان حتى
بأسوء السيناريوهات),
فإننا سنسلم
أيضا
وبالمقابل,
بأن تركيا كما
إيران كما
سوريا, لن يستطيعوا
الحؤول دون
انتقال
المدينة إلى
إقليم الشمال,
سواء تسنى
لذلك أن يتم
بالقوة
القسرية, أو
عبر استفتاء
يدرك الأكراد
أنه "حتما"
لفائدتهم, وبكل
المقاييس
المعتمدة.
هو
سيكون بالقطع
لفائدتهم, ليس
فقط لأنهم
أنزلوا (منذ
اليوم الأول
لدخول
المدينة من
لدن
الأمريكان,
مصحوبين
بعناصر من
البشمركة)
مئات الآلاف
من الكرد
ليستوطنوا
المدينة, أو
لأنهم نجحوا
في تهجير
العديد من
العرب بالقوة
المبالغ في
خشونتها
(نادرا
بالإغراء
الناعم), بل
وسيكون قطعا
لفائدتهم, لأن
"الحكومة
المركزية"
تؤازرهم في
ذلك سرا
وعلانية,
وتقدم أكثر من
إغراء مباشر
(قطعة أرض و 15
ألف دولار في
الرائج من
معطيات) لكل
عربي يغادر
المدينة, بجهة
أي محافظة من
محافظات
العراق
الأخرى.
إن
الذي يراهن
على مستقبل
كركوك ليس
الأمريكان
قطعا (وهم المستفيدون
أيا تكن جهة
انتماء
المدينة
ومصيرها),
وليس الأتراك
بالضرورة, حتى
وإن مرت
أنابيب نفط
كركوك
بأراضيهم
(شريطة أن
يعمد إلى لجم
مقاتلي حزب
العمال
الكردستاني),
وليس تأكيدا
سوريا أو
إيران, حتى
وإن تواجدت من
بين ظهرانيهما
أقليات كردية,
عصية على
الاندماج, لكن
مهادنة في
سلوكها, غير
عدوانية في
تصريف
مطالبها.
إن
الذي يراهن
على كركوك
حصرا وبالقطع,
إنما هم
الأكراد أو
لنقل تحديدا
حكومة إقليم
كردستان, التي
أصبح لها على
الإقليم إياه,
كما على
العديد من
مفاصل
"الدولة
العراقية",
بعض من سلطة
الأمر والنهي:
°-
فالحكومة
إياها (بناء
على المادة 140
من الدستور)
تستعجل جهارة
حسم أمر
الاستفتاء
قبل متم العام
2007, ليس فقط
كمطلب كردي
خالص, بل وكاستحقاق
دستوري
توافقت حول
مضمونه
الأطياف
والأمصار, ومن
"عدم
الامتثال
للدستور",
تقول ذات
الحكومة, غض
الطرف عنه, أو
التراخي في
تطبيقه, أو
المطالبة
بتأجيل
تنفيذه إلى
حين.
لا
يأتي إلحاح
حكومة الإقليم
على هذا
المطلب, من
إدراكها
لرجحان الكفة
لصالحها
(بالدستور,
كما بموازين
القوى
القائمة على
الأرض) بل
ويأتي أيضا من
الوعي, وعي
الحكومة إياها,
بأن ذات
المطلب إذا لم
ينفذ بظل
إدارة رئيس أمريكي
حليف كالرئيس
بوش, فإن ذلك
قد يطاوله التعثر
والعطب, إن
اختلفت
الموازين أو
اختلت, أو
استعجل القدر
قدوم قائد
قوي, يطعن في
الدستور, وفي
العملية
السياسية
برمتها...فيعيد
الأمور برمتها
للنصاب
الصواب.
°-
والحكومة
إياها تدرك
تمام الإدراك,
أن مدينة غنية
بالثروات
الباطنية,
وذات موقع استراتيجي
معتبر كمدينة
كركوك, ستكون
حتما العنصر/الفيصل
في تصلب عود
الأكراد
بشمال العراق,
بعدما أضحى
لهم "جيشا"
وبرلمانا
وحكومة,
ونشيدا وعلم
"وطنيين"...بل
وبات قانونهم
القانون
الأسمى, إن هو
اصطدم بقانون
المركز, أو
ناقضه, أو
تجاوز عليه
بالمضمون.
لهذا
السبب (ولهذا
السبب دون
غيره) ثارت
ثائرة
الأكراد,
عندما سمعوا
أن نفط
المدينة سيكون
من صلاحيات
"حكومة
المركز", فأشهروا
قانونهم
للتأكيد على
أن "المدينة
كردية بشرا
وحجرا وثروة",
لا بل هي
المقوم المادي
الأساس لمحطة
الفيدرالية,
التي باتت
بنظر الأكراد
واقعا على
الأرض, لا مجرد
حبرا على ورق
بالدستور.
°-
وحكومة
الإقليم تدرك
أيما يكن
الإدراك, بأن
إلحاق كركوك
بالإقليم هو
المدخل الأساس
لضمان المحطة
النهائية,
محطة
الانفصال وإعلان
الاستقلال من
عل, كما بشر
بذلك مسعود
البارزاني, أو
عبر استفتاء
أكد استطلاع
للرأي سابق,
أن أكثر من 98
بالمائة من
الأكراد هم
معه قلبا
وقالبا.
وعلى
هذا الأساس,
فمن المبالغ
فيه حقا,
اعتبار "قضية
كركوك" مجرد
قضية رد
اعتبار
لمدينة كردية,
طاولها
"التعريب
القسري,
المحكوم بإيديولوجية
قومية صارمة",
أو تصنيفها
ضمن "المتعدد
الهوية
المفضي
للاحتراب" أو
ما سوى ذلك. بالعكس
تماما, إذ المدينة
كانت على مر
التاريخ, كنه
التعايش
الهوياتي بين
العرب والكرد
والتركمان
والكلدوأشوريين
والأرمن
وغيرهم, لدرجة
اعتبرها البعض
نموذجا مصغرا
للتعدد
المذهبي
والعرقي والطائفي,
الذي طبع
تاريخ بلاد
الرافدين.
ثم
إذا كان قد
عيب في حينه
(من لدن
الأكراد, كما من
لدن غيرهم)
على نظام
الرئيس/الشهيد
صدام حسين,
تعريب
المدينة على
أنقاض
التعددية
الهوياتية
التي طبعت
المدينة منذ
القدم, فما
القول في سلك
حكومة
الإقليم
للمسلكية
ذاتها, من
خلال العمل
على تكريد
المدينة,
وإفراغها من
مضمونها
المتعدد
الهويات,
والأعراق
والأديان
والطوائف؟
لا
يبدو أن الأمر
قابل للنقاش
من جديد من
زاوية
الأكراد, سيما
وقد تجاوزوا
على ذلك جملة
وتفصيلا, عبر
دسترة القضية,
وتحديد جدول
زمني لها
بالدستور, في
سابقة من
المتعذر على
فقهاء
القانون
الدستوري
استيعابها أو
فهمها. الأكراد
لم يعودوا
يناقشون
المضمون
والجوهر, بقدر
ما باتوا
يطالبون باستعجال
الإجراء,
إجراء تطبيق
المادة 140 من
الدستور, قبل
نهاية العام 2007.
هل نفذ
بالدستور شيء
يذكر (نظام
المحافظات
والأقاليم
مثلا) حتى
يعمد للمطالبة
حصرا
باستعجال
تنفيذ مادة
فيه؟ ثم لماذا
التنصيص على
حالة كركوك
بالدستور, في
حين أن دساتير
العالم لا تنص
على الحالات الخاصة,
بقدر ما تعمل
على تقنين ما
توافق الناس
عليه كأداة
تعايش بعيدة
المدى؟
ثم
عم سيستفتى
الناس
بكركوك؟ عن
الانضمام لإقليم
كردستان أم للبقاء
ضمن العراق,
ولكأن
التقسيم تجسم
وتجسد, وأن
استشارة
السكان,
للبقاء ضمنه
أو الانفصال
عنه, بات أمرا
مستساغا...تفصيليا
بالنهاية؟
ثم
هل المفروض
استشارة
ساكنة كركوك
فقط حول
مستقبلها, أم
المفروض
استشارة
العراقيين, كل
العراقيين,
على اعتبار أن
المدينة
مدينتهم
ببداية
المطاف كما بنهايته؟
إن
إلحاح
الأكراد
وإمعانهم في
إلحاق مدينة كركوك
بإقليمهم
بالشمال, لا
تشي فقط عن نيتهم
في إعلان
الانفصال
النهائي عن
العراق (هم
الذين لطالما
حلموا بدولة
لهم مستقلة),
بل وتشي أيضا
بأنهم يعلنون
جهارة عن تفتيت
العراق,
وتقسيمه على
خلفية من
الادعاء "بغياب
الضمانات" الكفيلة
ببقائهم ضمن
العراق...وهو
ما لن تقبل به
مدينة ككركوك...مرابطة
بقلب العراق
منذ الأزل,
على الرغم من
تعاظم
الانتهازية
السياسية,
التي ينهجها
بعض من
الأكراد لإفراغ
المدينة من هويتها
العراقية
الخالصة.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
23 أبريل 2007