''طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد''

 

عبد الرحمان الكواكبي, دار الشرق العربي, حلب, 1957, 106 ص.

 

1 بمقدمة الكتاب ينبه المؤلف إلى التالي: ''أنا لا أقصد في مباحثي ظالما بعينه, ولا حكومة وأمة مخصصة, وإنما أردت بيان طبائع الاستبداد وما يفعل, وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه...ولي هناك قصد آخر, وهو التنبيه لمورد الداء الدفين, عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم, فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار, إنما يعتبون على الجهل وفقد الهمم والتواكل...وعسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات''.

 

ويتابع, لوضع مؤلفه في السياق: ''ولما كان تعريف علم السياسة بأنه هو إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة, يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث الاستبداد, أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى''.

 

2 ما هو الاستبداد؟ يتساءل الكاتب, ليجيب بالقول: إن ''الاستبداد لغة هو غرور المرء برأيه, والأنفة عن قبول النصيحة, أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة''.

 

إن عبارة الاستبداد إنما يراد بها استبداد الحكومات خاصة, ''لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل, وتحكم الأب والأستاذ

 والزوج, ورؤساء بعض الأديان وبعض الشركات وبعض الطبقات, فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة''.

 

والاصطلاح بنظر السياسيين, هو ''تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة, وبلا خوف تبعة''...الاستبداد صفة الحكومة ''المطلقة العنان فعلا أو حكما, التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء, بلا خشية حساب ولا عقاب محققين...وصفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق, الذي تولى الحكم بالغلبة أو بالوراثة, تشمل أيضا الحاكم الفرد, المقيد المنتخب متى كان  غير مسؤول...وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق, الوارث للعرش, القائد للجيش, الحائز على سلطة دينية''.

 

بالتالي, يقول الكاتب, فإن الحكومة ''من أي نوع كانت, لا تخرج عن وصف الاستبداد, ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه''.

 

وللمستبد وسيلتين في تمكنه: جهالة الأمة والجنود المنظمة. ومن أقبح أنواع الاستبداد, يتابع الكاتب, ''استبداد الجهل على العلم, واستبداد النفس على العقل, ويسمى استبداد المرء على نفسه''.

 

وعن علاقة الاستبداد بالدين, يقول الكاتب: ''إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن, إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله, أو تعطيه مقاما ذي علاقة مع الله, ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين, يعينونه على ظلم الناس باسم الله, وأقل ما يعينون به الاستبداد, تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضا, فتنهار قوة الأمة, ويذهب ريحها, فيخلو الجو للاستبداد يبيض ويفرخ''.

 

ويتساءل المؤلف, بعدما قدم عشرات المقاطع من القرآن تشير إلى الشورى: ''من يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية, حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا, وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا, وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين؟''... كذلك ''ما عذر الصوفية الذين جعلتهم الإنعامات على زواياهم أن يقولوا: لا يكون الأمير الأعظم وليا من أولياء الله, ولا يأتي أمرا إلا بإلهام من الله, وإنه يتصرف في الأمور ظاهرا, ويتصرف قطب الغوث باطنا, ألا سبحان الله ما أحلمه''.

 

ويلاحظ الكاتب أنه ''لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة شعائر الدين, ومنها القواعد العامة التشريعية, التي لا تبلغ مائة قاعدة وحكم, كلها من أجل وأحسن ما اهتدى إليه المشرعون من قبل ومن بعد''.

 

3 وعن علاقة الاستبداد بالعلم, يقول المؤلف: ''لا يخفى على المستبد, مهما كان غبيا, أن لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرعية حمقاء, تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء, فلو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل, ولو كان وحشا لكان إبن آوى, يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل, ولكنه هو الإنسان يصيد عالمه جاهله''.

 

ويتابع: ''المستبد لا يخاف علم اللغة, تلك العلوم التي بعضها يقوم اللسان, وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان...وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد, المختصة ما بين الإنسان وربه, لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة...وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضا, لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس, صغار الهمم, يشتريها المستبد بقليل من المال والإعزاز, ولا يخاف من الماديين لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس, ولا من الرياضيين لأن غالبهم قصار النظر''.

 

ليخلص إلى القول المباشر: ''ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية, والفلسفة العقلية, وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع, والسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة الأدبية, ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس, وتوسع العقول, وتعرف الإنسان ما هي حقوقه, وكم هو مغبن فيها, وكيف الطلب, وكيف النوال وكيف الحفظ''.

 

إن المستبد, يقول المؤلف, يخاف من العلماء الراشدين المرشدين, لا من ''العلماء المنافقين, أو الذين حفر رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مغلقة...كما يبغض المستبد العلم ونتائجه, يبغضه أيضا لذاته, لأن للعلم سلطانا أقوى من كل سلطان''.

 

إن العلماء, بنظر الكاتب, إنما يسعون لتنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها, والطرفان معا يتجاذبان العوام, الذين هم ''قوة المستبد وقوته, بهم عليهم يصول ويطول, يأسرهم فيتهللون لشوكته, ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم, ويهينهم فيثنون على رفعته, ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته, وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما... ''. ثم إن ''خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه, لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم, وخوفهم ناتج عن جهل, وخوفه عن عجز حقيقي فيه''.

 

إن أخوف ما يخافه المستبدون, بنظر الكاتب, إنما ''أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة, وأن يعرفوا النفس وغيرها, والشرف وعظمته, والحقوق وكيف تحفظ, والظلم وكيف يرفع, والإنسانية وما هي وظائفها, والرحمة وما هي لذاته''.

 

بالمقابل, فالمستبد غالبا ما يجرب في ''المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء...اغترارا منه بأنه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشكل الذي يريد, فيكونوا له أعوانا خبثاء ينفعونه بدهائهم, ثم هو بعد التجرية إذا خاب ويئس من إفسادهم, يتبادر إبعادهم أو ينكل بهم, ولهذا لا يستقر عنه المستبد إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله, أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله''

 

إن الحكومة المستبدة, يقول الكاتب, إنما هي ''مستبدة في كل فروعها, من المستبد الأعظم إلى الشرطي, إلى الفراش, إلى كناس الشوارع, ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقا, لأن الأسافل لا يهمهم طبعا الكرامة وحسن السمعة, إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته, وأنصار لدولته, وشرهون لأكل السقطات من أي كان ولو بشرا أم خنازير, آبائهم أم أعدائهم, وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه, فيشاركهم ويشاركونه''.

 

والنتيجة, يقول المؤلف, أن ''المستبد فرد عاجز لا حول له ولا قوة, إلا بالمتمجدين والأمة, أي أمة كانت, ليس لها من يحك جلدها غير ظفرها, ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات, حتى إذا ما اكفهرت سماء عقول بينها قيض الله لها من جمعهم الكبير أفرادا كبار النفوس, قادة أبرارا يشترون لها السعادة بشقائهم والحياة بموتهم, حيث يكون الله جعل في ذلك لذته, ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم, كما خلق رجال عهد الاستبداد فساقا فجارا مهالكهم الشهوات والمثالب, فسبحان الذي يختار من يشاء لما يشاء وهو الخلاق العظيم''.

 

4 ما السبيل لرفع الاستبداد؟ يتساءل الكاتب.

 

هي ثلاث قواعد كبرى يجيب المؤلف:

 

+ الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد, لا تستحق الحرية.

+ الاستبداد لا يقاوم بالشدة, إنما يقاوم باللين والتدرج.

+ يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما سيبدل به الاستبداد.

 

وهكذا ''لا يظلم ربك أحدا, إنما هو الإنسان يظلم نفسه, كما لا يذل الله قط أمة عن قلة, إنما هو الجهل يسبب كل علة''.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 غشت 2010