احتفال بكتاب...احتفاء
بكاتب
يحيى اليحياوي
هذا ليس
حفل تكريم لرجل
أعطى لبلاده وللعالم
عشرات الكتب ومئات
المقالات والمحاضرات
ولا يزال يعطي
بغزارة وبكثافة
عكس من يعتقد أن
كل ما تقدم المفكر
في السن تراجع
إنتاجه وتقلص عطاؤه.
ليس تكريما
لأن التكريم أصبح
ببلادنا موضة شبه
خالصة وأصبح موضع
بيع وشراء.
ولأن
شخصا من طينة ومن
فصيلة المهدي المنجرة
يضيق التكريم على
الاعتراف بعطائه
وبمساهماته وبوطنيته
وبحبه لبلده وتطلعه
المستمر للمساهمة
في بناء مستقبله،
فإن هذا الحفل
ليس تكريما كما
اعتاد البعض أن
يسمي الاحتفال
بكبار المفكرين.
وبما أن مولاي المهدي
رجلا بسيطا، لربما
أبسط مما قد يتصوره
البعض، فإني أقول
ببساطة أيضا بأن
حفل اليوم هو حفل
احتفال بصدور كتاب
وحفل احتفاء بشخص
مؤلفه: كتاب "انتفاضات
في زمن الذلقراطية"
لأستاذي ومعلمي
وصديقي الدكتور
المهدي المنجرة.
لم أتعلم
المجاملة يوما
(وأنا ابن البادية)
ولست ممن يتفننون
في تطريزها حتى
أجامل صديقي سيدي
محمد البوكيلي
الفنان التشكيلي
المميز، الغيور
على الفن وعلى
الثقافة، الناشر
الكريم والإنسان
الطيب الذي جمعنا
في بيته احتفالا
بكتاب صدر عن مؤسسته
واحتفاء بشخص لم
يفتأ سيدي محمد البوكيلي يقول
لي عنه: أنا فخور
بنشر هذا الكتاب
لأن صاحبه من أهرامات
هذا البلد.
ألف شكر
وشكر لدار البوكيلي
للطباعة والنشر
والتوزيع وألف
شكر لصاحبها الذي
بادر، في سابقة
ثقافية لربما هي
الأولى بالمغرب،
إلى أن يحتفل بكتاب
أصدرته داره ويحتفل
بصاحب الكتاب بمنزله
ضمن هذا الجمع
الكريم وهذه الطبيعة
الجميلة وهذا الهواء
النقي.
هذا الكتاب،
كما قال المؤلف
في كلمة الشكر،
هو نتاج مجموعة
صدف نادرا ما تلتقي
في عمل من هذا الحجم:
- كنت
أشرت شخصيا على
مولاي المهدي بأن
العديد من المواد
والنصوص الجديدة
أصبحت متوفرة لديه
لا بأس ارتأيت
في أن تجمع حتى
يضطلع عليها القراء
المغاربة سيما
وأن جزءا منها
هو باللغة الفرنسية
والإنجليزية. لم
يجبني حينها ولكأني
به ينتظر باقي
أطراف الصدفة.
- فكان
الضلع الثاني من
الصدفة هو وجود
طالبة شابة بالسلك
الثالث علوم سياسية
بكلية الحقوق بالرباط
وصحفية بجريدة
العلم، كانت بطور
إنجاز سلسلة حوارات
مع الأستاذ المنجرة
حول مجموعة قضايا
كانت الباحثة الشابة
هند عروب تعمل
على الحصول عليها
لنشرها بإحدى المنابر
الإعلامية.
- ثم تشاء
الصدف أن يحاضر
المؤلف بمدينة
القنيطرة بدعوة
من مؤسسة مولاي
مشيش العلمي بدعوة
من رئيسها الدكتور
مصطفى مشيش العلمي
ونلتقي جميعا بمنزل
سيدي محمد البوكيلي
بهذه القاعة...أحسست
حينها بأن أطراف
المعادلة قد اكتملت
وبدأت من ليلتها
(وكانت فترة صوم)
في ترتيب ما توفر
لدي من مواد وما
تم استجوابه من
لدن هند عروب.
هكذا
بدأت الفكرة وهكذا
تكرس المشروع لتبرز
اليوم كمحصلة لمجهود
مشترك دام أكثر
من ثمانية أشهر.
هو إذن
عمل جماعي بامتياز
وأستطيع القول
بأن المنجرة لا
يمتلك فيه معنويا
إلا أقل من 20 بالمائة
على أن البقية
هي لهند عروب التي
حاورته بصدق وعفوية،
ولسيدي محمد البوكيلي
الذي أخرجه وتفنن
في صياغة غلافه
وتنازل عن ذكر
اسمه كمصصم للغلاف
ولمجموعة من الأقلام
الأخرى ولشخصي
كذلك كوني ساهمت
بجهدي كعربون حب
وتقدير لهذا الرجل
العظيم.
لا يمكن
لأحدنا إذن أن
يدعي الحق المعنوي
على هذا الكتاب.
المؤلف نفسه أراده
كتابا جماعيا وجهر
لي بذلك أكثر ما
من مرة بالقول:
ياريت لو أن المغاربة
تعلموا العمل الجماعي
لأنه الكفيل بإخراج
الأعمال الجيدة
وإشاعة مبدأ اختلاف
الرأي في المجتمع.
لست أدري
بالضبط متى تعرفت
على هذا الرجل...يخال
لي أن معرفة رجل
من هذه الطينة
تتجاوز التأريخ
بالشهر وبالسنة
لأن الشخص في حد
ذاته هو أكثر من
الزمن في حله وترحاله،
في غضبه وهدوئه،
في صدقه واستحالة
المجاملة لديه.
ثم لم
أكن أدري وأنا
البسيط المعدم
أنه سيقبل بتقديم
كتاب لي نلت عنه
جائزة المغرب الكبرى
للكتاب. ولم أكن
أصدق يوم طلب مني
تقديم كتابيه
"عولمة العولمة"
و"حوار التواصل"،
سأله أحد الأصدقاء:
كيف يقدم لك اليحياوي
كتابين متتاليين،
أجابه: هذا ما كاين
ف السوق...لم تسعني
الأرض يومها وأعترف
أن بعض الغرور
ساورني وهو في
حالتي إزاء أستاذي
غرور مشروع وطبيعي.
هو إذن
عالم مستقبليات
كصديقه هوك ذي
جوفينال، وموظف
دولي بلغ أسمى
المناصب مع شخصيات
لا يمل من استحضارها سيما روني ماهو
الذي يقول بأن
التنمية هي العلم
عندما يصبح ثقافة.
هو صاحب فكر إنساني
حصل به على أوسمة
راقية من قبيل
جائزة إمبراطور
اليابان، وصاحب
نظريات اضطر كبار
المفكرين على الاستشهاد
بها (هانتغتون
وغيره)، هو خبير
اتصال يتحدث عن
الاتصالات والمعلوميات
ولكأني به مهندسا،
ويتحدث عنها بلغة
الأدب ولكأني به
عالم اجتماع ومنظر
اقتصاد. هو أول
من امتلك حاسوبا
بداية السبعينات
وصاحب أكبر موقع
بالانترنيت بالمغرب
يزوره المغاربة
والعرب وكذا الأجانب
سواء بسواء.
هو رجل
فكر لا يزايد، لا
ينافق، لا يجامل
ولا يغمض العينين
كما يقال: يعمل
حينما يكون العمل
شفافا وينسحب عندما
يكون في الأمر
ما من شأنه أن يشوب
سمعته. ولكم كان
غاضبا عندما أطلعني
على خبر استدعاء
الجمعية المغربية
للمستقبليات (وهو
العضو المؤسس لها) لمندوبي الاتحاد
الأوروبي والبنك
الدولي وعدد من
المؤسسات التي
لم يرتح يوما لسياساتها
بالمغرب.
هناك
من لا يستلطفه،
لكني لم أعرف، وهذا
هو الغريب، أن الذين
لا يستلطفونه يحبونه
ربما أكثر ممن
يدعون محبته.
للذين
لا يستلطفونه مبرراتهم
وأسبابهم...فهم
يرون فيه محركا
للمياه الراكدة
التي غالبا ما
يعمل فيها هؤلاء
أو لأن في مواقفه
إحراجا لذوي النعمة
عليهم وهكذا...هو
هكذا يختلف معهم
في العين ويختلف
معهم في المقاصد.
بقي أن
أقول كلمة عن الكتاب:
هو كتاب
من مجموعة مقالات
واستجوابات ومحاضرات
وتأبينين...قد يخال
للبعض أنها نصوص
مستقلة غير مترابطة،
بالتالي فهي متراصة
بعضها بجانب البعض.
وهذا
ليس خطأ بالمرة.
لكن السر في هذه
النصوص أنها ذات
خيط رفيع مشترك
هو زمن الذلقراطيا...
- زمن
الذلقراطيا هذا
الذي في خضمه يقتل
أطفال فلسطين وتذمر
قراهم وحقولهم
وتقتلع أشجارهم
وتصادر أراضيهم.
- زمن
الذلقراطيا الذي في خضمه
يستمر الحصار على
شعب عربي مسلم،
يموت أطفاله بالآلاف
وتنتهك أجواؤه
كل دقيقة وساعة.
- زمن
الذلقراطيا لأن
في خضمه يطلب الحكام
العرب ود أمريكا
وإسرائيل وهي السالبة
للأرض وللقدس.
- زمن
الذلقراطيا هو
الذي يعيش فيه
المواطن العربي
مهانا، محروما
من حريته، مداسا على كرامته، مقموعا
في حقه في العيش
وحقه في التعبير.
- زمن
الذلقراطيا هو
الذي يصادر في
خضمه رأي الشعوب
في من يحكمها وتقمع
حينما تطالب أو
تلمح إلى ضرورة
تغيير الحاكم.
- زمن
الذلقراطيا هو
الذي يموت فيه
الفنان والمبدع
والمفكر فقيرا
معدما تتكفل بدفنه
سيارة البلدية.
كل هذا
هو زمن الذلقراطيا
الذي أعتقد أنه
سيدخل الفكر السياسي
والسوسيولوجي
من بابه الأوسع.
هناك
بعد مركزي في هذا
الكتاب وأختم كلمتي:
هو البعد الجدلي
بين انتفاضة أطفال
الحجارة والانتفاضات
القادمة. وهنا
أعتقد أنه من الضروري
استحضار البعد
المستقبلي في هذه
الجدلية: كلنا
في أرجاء الوطن
العربي والإسلامي
سواسية أمام الذلقراطيا،
بالتالي فكلنا
وقود الانتفاضات
القادمة.
في استجواب
للملك عبد الله
مع القناة التلفزية
الفرنسية الثانية
ليوم الخميس في
أخبار الثامنة
قال: أخشى أن تتحول
الانتفاضة إلى
أزمة سياسية شاملة
وتنتقل إلى باقي
الدول العربية
وتصبح الحرب عربية-
إسرائيلية عوض
كونها إسرائيلية-
فلسطينية.
هنا الملك
عبد الله يخشى
والمنجرة يحذر
تماما كما كان
هانتغتون يخشى
والمنجرة يحذر
من حرب بين الحضارات.
أرجو
أن يقرأ الحكام
العرب هذا الكتاب
ويستنبطوا العبرة
منه قبل أن تلحق
بهم شعوبهم الذل
الذي ألحقوه بها
لعقود خلت وما
يزالوا.
نص الكلمة
التي تقدم بها
يحيى اليحياوي
في الاحتفال بصدور
كتاب "انتفاضات
في زمن الذلقراطية"
والاحتفاء المقام
للبروفيسور المهدي
المنجرة بمنزل
الناشر محمد البوكيلي.
القنيطرة،
السبت 5 ماي 2001.