" وضاح خنفر"

 

 

لم يكن إسم وضاح خنفر, المدير العام السابق لشبكة الجزيرة, ليبرز ويشع لولا العدوان الأنجلو/أمريكي على العراق, قبل الاحتلال كما خلاله كما بعده بقليل:

 

+ فالرجل كان, قبل مارس العام 2003, تاريخ احتلال العراق, كان مراسلا لقناة الجزيرة الفضائية انطلاقا من مدينة السليمانية, حيث كان يغطي من هناك, بشمال العراق ( بكردستان العراق يقول الأكراد), حيث كانت الترتيبات والتحرشات تجري على قدم وساق لغزو العراق واحتلاله.

 

من هناك, كان ينقل أخبار "الإقليم", ويستجوب ساسته, وينقل للعالم بعضا من مشاريعهم للانتفاض, أو للتآمر بغرض إزاحة الرئيس صدام  حسين رحمه الله.

 

+ والرجل غطى من هناك مجريات الحرب على العراق, وغطى بعضا من الإنزالات العسكرية الغربية التي كانت تتهيأ للوصول إلى بغداد من الشمال, كما تابع تحركات "جيش البشمركة", الذي كان ينسق مع ذات القوات الأجنبية, ليظهر بمظهر "الجيش" المنظم, الجاهز لحماية الإقليم ضد أي استهداف يطال الإقليم أو ساكنته أو "حدوده".

 

+ والرجل ثوى خلف تغطية تموجات ما بعد احتلال العراق, وعمل من خلال برنامج "المشهد العراقي", على وصف ما آلت إليه البلاد. فعمد عن قصد أو بدون قصد, إلى تلميع صورة "حكام العراق الجدد", بموازاة مع تغطيته لعمليات المقاومة التي شنت في حينه (ولا تزال) حربا حقيقية على الجيش الأمريكي بالفلوجة وبالرمادي وبشوارع بغداد, وبغيرها من مدن ومحافظات العراق المختلفة.

 

لم يتقلص اهتمام وضاح خنفر بالعراق عندما رجع للدوحة, مقر الشبكة, بل واصل تغطية بعض من فضائح الاحتلال الأمريكي, بالفلوجة وبسجن أبو غريب وبغيرهما, ليعين في سياق كل ذلك, مديرا عاما لشبكة الجزيرة, يحدد سياستها التحريرية الجديدة, ويقود طاقما صحفيا تتجاذبه التيارات والمواقف والقناعات والولاءات.

 

ومع أن الإدارة الأمريكية لم تكن راضية بالمرة عن خط القناة, قبل وخلال وبأعقاب احتلال ذات الإدارة للعراق, لدرجة قتلها بعض من صحفييها بالعراق, واستهداف مكاتبها ومراسليها هنا وهناك بمختلف دول العالم, فإن وضاح خنفر استطاع أن يخفف من الاحتقان القائم بين الإدارة إياها, وبين خط قناة لم تكتف بتمرير أخبار العراق, بل كان لها دور الريادة والسبق في بث رسائل الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله, ثم أيمن الظواهري وغيرهما فيما بعد.

 

وهو ما زاد من تأجج غضب الأمريكان, وتزايد ضعوطاتهم على القناة بجهة ثنيها للتخفيف من نبرتها, أو على الأقل, "اعتماد الحيادية" فيما تبثه من أخبار وتقدمه من برامج.

 

وعلى الرغم من إحساسنا الثابت بأن خط القناة, بعهد وضاح خنفر, لم يعد هو ذاك الذي عرفناه أو ألفناه من قبل, فإننا لم نكن نحتكم على الحجج لإثبات أن خطها قد تغير حقا... حتى إذا ما نشرت ويكيليكس وثائق عن زيارة رسميين بالسفارة الأمريكية بقطر لمكتب المدير العام, ومدى ضغطها عليه لتخفيف النبرة, تأكد لنا بالواضح الملموس, بأن التحول في ذات الخط إنما كان يحتكم إلى خلفيات ويرتكز على "توافقات", لم تكن لتظهر للعيان لأول وهلة.

 

إن نشر ذات الوثائق لم يؤكد إحساسنا العابر بأن القناة قد " راجعت" خطها فحسب, ولا كونها عمدت إلى لغة المهادنة ( المحيلة حتما على الارتهان) مع الإدارة الأمريكية, بل وأكد لنا أيضا بأن ادعاء القناة ارتكانها إلى الاستقلالية, إنما هو كلام لا يمكن تصديقه, أو الاحتكام إليه لتقييم أداء القناة في الزمن والمكان.

 

لا يقتصر الأمر عند هذه المستويات, بل يتعداه إلى تأكيد انطباع كان لدينا عندما كان وضاح خنفر مراسلا للقناة بالعراق: انطباع بأن الرجل غير صادق فيما يقول, غير مستقل في التعبير عما يصدر عنه, ويكن, فضلا عن ذلك, حقدا وكرها وضغينة على نظام الرئيس صدام حسين, لم نفهمه في حينه, ولا أدركنا أسبابه لحد الساعة.

 

ونعتقد أنه لهذا السبب تم القبول به, من لدن دولة قطر, ومن لدن الأمريكان, ليتبوأ منصب الإدارة العامة لشبكة الجزيرة.

 

أما وقد صدرت وثائق تدينه, وتظهر حقيقة ولائه وانصياعه للأمريكان, فإن طريقة الاستغناء عنه تبين لنا بوضوح وجلاء لا غبار عليهما, طينة الرجل ومدى انصياعه للأمريكان.

 

إذا كان للمرء أن يشكك فيما سبق من قول, فليتأمل كيف غطت الجزيرة في عهده, أحداث "الربيع العربي", حيث كانت التغطية ولا تزال على الهوى الأمريكي, بتحريض من الإدارة الأمريكية, وفق ترتيباتها وسياساتها بالمنطقة العربية...هي التي لم تستطع, من ذي قبل, تمرير مشاريعها ونشر تصورها لمستقبل المنطقة إياها.

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 شتنبر 2011