"خطايا
مبارك الخمس"
لم يكن أحد بمصر أو من خارج مصر، ليتصور أو يتخيل أن يسقط نظام حكم حسني مبارك بالطريقة والوتيرة المتسارعة
في التهاوي التي شاهدناها وتابعناها، طيلة ال 18 يوما التي تلت ال 25 يناير من العام 2011.
والواقع أنه لو كان للبعض منا، متتبعين ومثقفين تحديدا، أن يتنبأ من مدة، ببداية العد
العكسي لذات النظام، فإنه
لم يكن لهذا البعض أن يحدد الآجال لذلك بدقة، ولا طبيعة القشة التي كان من شأنها أن تقضم ظهر البعير.
إن الذي جرى بميدان التحرير، منذ اندلاع الانتفاضة وإلى حين تنحية الرئيس بالحادي عشر من فبراير العام
2011، إنما كان فجائيا في توقيته، سريعا في منسوب تدافع الأحداث ومجرياتها، ومكثفا في
درجة ضغطها، تنازل الرئيس
تكتيكيا، ثم استرسل في التنازل، لكنه سرعان ما انهار بعد طول مكابرة
وعناد.
وعلى الرغم من صعوبة تمثل أحداث الانتفاضة وهضم وقائعها بسرعة، في نظام اعترفت له بالاستقرار
المنظمات الدولية وبيوت الخبرة الكبرى، فإن الذي كان يختمر بجوف الشعب لم يكن " لا على البال ولا على
الخاطر" من لدن جهابذة السياسة والتحليل وتقنيات الاستطلاع.
إننا نزعم هنا، بأن الذي فجر
انتفاضة ال 25 من يناير الماضي، لم يكن الشعب المصري، ولا شباب ميدان التحرير، ولا حتى الخطابات النارية الصادرة عن هذا المعارض أو ذاك. إن الذي سرع
بانهيار نظام حسني مبارك إنما تراكم أخطائه وتزايد خطاياه، حتى غذت الأخطاء والخطايا إياها تتغذى من المنظومة، لا بل وباتت هي منظومة حكمه بالشكل
كما بالجوهر:
°- إن أولى خطايا نظام حسني مبارك إنما كون هذا الأخير قد ثوى خلف منظومة
في الفساد قل نظيرها في النظم السياسية المعاصرة، الشمولي منها كما المفتوح سواء بسواء.
لم يكن
الفساد (السياسي والاقتصادي بالأساس) حالة نشاز، يثوي خلفها أناس من المحيط يتقنون فن التحايل على اللوائح والقوانين، بل غدا العنصر المؤثث للمنظومة برمتها. إنه بات محورها وعصبها ومحركها، لا بل قل الخيط الناظم لكل مفاصلها. ومن ثمة، بات هو لا سواه، هو الدولة، لا
تحدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا تتخذ القرارات الاستراتيجية إلا باستحضاره (الفساد أقصد) جملة كما بالتفصيل.
إن تزوير الانتخابات بالواضح الصريح، ودونما حد أدنى من الحياء والاحتشام، كما ترك المقربين،
عائلة وحاشية، يحتكرون كل
مفاصل هذا القطاع أو ذاك، كما
"التجاوز" على الداهسين على القانون جهارة ودون خشية من حساب، كلها تمظهرات ذات الفساد وبعض من أشكاله.
°- أما ثاني خطايا نظام حسني مبارك، فاستهانته المتتالية بأبناء شعبه، نخبا وجماهيرا،
أحزابا ونقابات،
جمعيات أهلية وتنظيمات مهنية، حتى باتت كل أشكال هذه التعبيرات على الهامش بالجملة والتفصيل، فيما أشكال التعبيرات المتمحورة حول
الحزب الوطني هي الأصل والمركز: هو الأصل
فيما الباقي هو الفرع.
إن إدغام كل مكونات النخب والجماهير في بوثقة واحدة، منمطة ومتراتبة، دونما اعتبار للحق في الاختلاف والتمايز، لم يفض فقط إلى غبن القوى الحية في المجتمع، بل وأفضى بالأساس إلى قتل السياسة وتدمير الرأي المخالف، والنظر إلى الأمور من منظور الفكر
الواحد، منظور الحزب
الواحد والحاكم الواحد، الذي
بموجبه أهين البشر والشجر والحجر.
°- أما ثالث خطايا نظام حسني مبارك، فكانت اعتقاد هذا الأخير بأنه "مؤتمن" على شرعية من نوع ما لا
تنضب، وأنه بالتالي
ليس مكمن حصانة مطلقة، مستثناة من أي محاسبة، فما بالك بالمتابعة، بل ومكمن
تنزيه عن سلوكات وممارسات هو بالبداية وبالمحصلة مسؤول عنها، حتى وإن لم يكن له بها دخل أو سابق
معرفة.
لم يكن مبارك
يدرك جيدا أن مشروعيته إنما تتأتى من تفويض الشعب له، ومن تنازل هذا الأخير طواعية عنها لفائدته. لم يدرك ذلك جيدا، بل أعماه الطغيان وضعف البصر والبصيرة فتجاهل ذات المعطى، حتى أضحى بأيامه الأخيرة مهووسا بتوريث نظام حكمه لابنه وعائلته وحاشيته، ولكأن النظام بات ملكيا صرفا، تنتقل السلط من بين ظهرانيه بين الأب وابنه بطريقة تلقائية خالصة.
وعلى هذا الأساس، فلم تكن
المزايدة كبيرة على الرئيس مبارك ولا على شرعيته، على الأقل من زاوية كونه إحدى أبطال حرب أكتوبر، لكن الذي أثار المزايدة والمعارضة والمناهضة في أقوى صورها، إنما تحايله التدريجي على الدستور وعلى هيبة المؤسسات التشريعية والقضائية، لضمان انتقال الحكم إلى نجله بمنطوق "الشرع
والقانون".
°- أما رابع خطايا النظام، والمتأتية من الخطيئة السابقة، فاطمئنان ذات النظام إلى تكلس ضمير الشعب، وانتفاء الحيلة من أمامه ومن خلفه، لا بل واطمئنانه إلى "حقيقة" أن الشعب بات مرتهن الإرادة
والقدرة إلى ما لا نهاية.
لم يحتكم نظام مبارك للخروج بذات الخلاصة، إلى ما توفر لديه من "حقائق" عن يأس الشعب من إمكانية التغيير، بل احتكم إلى ما توفر لديه من قوة وأدوات قمع وقسر، حتى إذا ما استشعر تهديدا من هنا أو من هناك، عمد إلى ذات القوة والأدوات لإخماده في المهد أو
استباق مفعول ذات التهديد ببدايته.
°- أما خامس خطايا مبارك، فتكمن في اتكائه على قوى دعم ومساندة من الخارج، من أمريكا ومن إسرائيل تحديدا، خيل إليه أنهما سيكونان بجانبه إن انقلبت الأمور، أو طرأ على نظام الحكم ما يهدد استقراره واستمراره.
إن الذي خيل للرئيس مبارك، بعد ثلاثة عقود من خدمة أمريكا وإسرائيل، إنما ردهم المؤكد لجميله واعتدادهم بفضائله عليهم، عندما تتغير الأحوال ويغدو النظام مهددا. لم يكن يعلم، إما عن جهل أو بسبب من جهالة، بأن أمريكا كما إسرائيل، لا يعتدان بحليف متهاو، ولا بصديق
تتجاوزه الأحداث وتبدأ المصائب في محاصرته...إنهما أصحاب مصالح، لا طالبا تحالف أو صداقة.
هذه، في اعتقادنا، هي الخطايا التي ثوت خلف تهاوي نظام حسني مبارك، وأتت على منظومته، لا بل
وأصابته في مقتل لم يكن "ليخطر له لا على البال ولا على الخاطر": مقتل عدم إدراكه أن الشرعية هي أمانة من الشعب، لا مكان لمن لا يكون بمستواها.
يحيى اليحياوي
الرباط، 14
فبراير 2011