غضبة الدب الروسي في القوقاز

 

 

ليس من العسر في شيء فهم وتفهم وإدراك, أسباب وسياقات وخلفيات, ما وقع بشواطئ ومن حول البحر الأسود, هناك بالقوقاز, بداية هذا الشهر, شهر غشت من العام 2008, بين روسيا, أمبراطورية الأمس القريب, وجورجيا التي كانت إلى حين عهد قريب, جزءا  لا يتجزأ منها, وكان إبنها (جوزيف ستالين) أحد أقوى وأعنف رؤساء ذات الأمبراطورية على الإطلاق, بالربع الأول وأواسط خمسينات القرن الماضي.

 

ليس من العسر ذلك بالمرة, على الأقل من منظور أن دولة صغيرة, محصورة الحدود, حديثة العهد ب"الديموقراطية", يحكمها شاب جورجي, أمريكي الجنسية, يتكلم الإنجليزية بطلاقة لسان, حاولت "جس نبض" جار, مكسر الأنياب منذ انتهاء الحرب الباردة, عديم النجاعة والفاعلية بالعالم وبالمحيط القريب, منذ انفصلت عنه باقي جمهوريات الاتحاد, فإذا به يكشر عن أنياب جارحة, ويحرك أساطيله من كل الأطياف وبكل الاتجاهات, ويحاصر الجمهورية الصغيرة المتطاولة, لدرجة شارفت على قطع الأرزاق والأنفاس عنها, احتارت منظمات الإغاثة و"الصليب" في تجاوز حدودها, وبلوغ ساكنتها المحاصرة من كل الجوانب والجهات.

 

إن الذي لم يدركه الرئيس الجورجي, وكان في ذلك مقتله, أو دفع لامتطاء فعله من لدن "حلفاء له بالغرب", أو أساء تقديره بحكم ضعف التجربة, وانتفاء الخبرة من بين ظهرانيه, إنما ثلاث حقائق كبرى, لطالما اعتملت من حوله القريب, أو من محيط بعيد, لم تسعفه القراءة المتأنية في فهم "أوراق لعبته", أو تمثلها التمثل الصحيح:

 

+ الأولى, أن روسيا احتملت, لكنها لم تعد تحتمل, واستفزت ولم تعد تطيق الاستفزاز الممارس عليها (وإن بأياد خارجية), من لدن دولة هي بالأصل من سواتلها, إذا لم يكن بالمعنى السياسي الواسع, فعلى الأقل بالمنظور الاقتصادي الذي لا يمكن لجورجيا أن تتجاهله, وهي تصب معظم منتوجاتها بأسواق الاتحاد الروسي, الواسعة الشاسعة.

 

ولما كان الأمر كذلك, فإن ذهاب جورجيا لحد ولوج أراضي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا, وهما ذوات أغلبية سكانية روسية ساحقة, إنما بدا لروسيا, من "عض اليد التي تطعم", أعني المزايدة على المركز من لدن ساتل, قد تضيق روسيا الخناق عليه بطرق غير مباشرة, فتحول بذلك دون تحصيل لقمة العيش لمعظم سكانه.

 

إن الرئيس الجورجي لم يدرك ذلك جيدا, أو تم دفعه لتجاهله عن سبق إصرار, فإذا به يغرق بمستنقع, استعادت بموجبه روسيا بعضا من عنفوانها وهيبتها الممرغة بالتراب, لما يناهز الثلاثة عقود من الزمن.

 

+ أما الحقيقة الثانية, فتكمن في شعور روسيا بتوالي الإهانات عليها, من لدن القطب الواحد المهيمن, وذهابه لحد تمديد استراتيجياته العسكرية والإيديولوجية للتخوم المجاورة لها, لا بل واستقطاب سواتله "التاريخيين" واحدا واحدا (بإطار منظومات حلف الأطلسي, أو بتنظيمات الاتحاد الأوروبي المتقاربة معه) باتت تخطط وتفعل, كما لو أن روسيا باتت مواتا, أو غير ذات وجود يعتد به بالجملة أو بالتفصيل.

 

إن إغراء جورجيا وغيرها بالانضمام لحلف شمال الأطلسي, وتوقيع بولونيا على مسودة نشر جزء من الدرع الصاروخي الأمريكي, وتهديدات أوكرانيا بالانضمام لمنظومات الدول الغربية, العسكرية منها تحديدا, لم تر فيه روسيا استفزازا بدائيا فحسب, بل وضعته بسياق التضييق المقصود عليها, بأفق تقويض مشاريعها الاستراتيجية, وحصرها بجغرافية لا تبدو لها "حيوية", بالأمدين المتوسط والبعيد.

 

لم تكن جورجيا, بظل هذه المعطيات, الهدف المقصود, بل تأتت الحرب عليها من قبل روسيا, بسياق هذه المعطيات, معطيات تطلع الأمريكان للهيمنة على القوقاز, على تخوم روسيا مباشرة, وعلى طرق سريان العديد من أنابيب النفط والغاز, الآتية والخارجة من هناك.

 

+ الحقيقة الثالثة, أن روسيا لم تعد لترضى بالدور الثانوي الذي "أوكل إليها", منذ بداية تسعينات القرن الماضي, والذي مؤداه تصرف القطب الواحد دونما الاحتكام إلى رأيها, أو احتساب ردة فعلها, أو ضجرها من هذا السلوك الأحادي أو ذاك.

 

لم تكن روسيا راضية على ضرب أفغانستان واحتلالها, وقد تم ذلك تجاوزا على رأيها, وبغفلة منها. ولم تكن راضية على ضرب العراق واحتلاله, وقد تم ذلك بمعارضتها الشديدة بمجلس الأمن. ولم تكن راضية على استقلال كوسوفو عن صربيا, وقد تم ذلك كما لو أن المقصود الإمعان في إهانتها لحد الإذلال: إنه جرح الأمبراطورية الذي بقي غائرا بنفوس الروس, ولم تكن أحداث القوقاز إلا العنصر الممظهر له, على مستوى السلوك ومنسوب الخشونة الموظف.

 

إن السيل قد بلغ بروسيا مبلغ الزبى. فلم تعد, وهي المراهنة على حلفاء لها جدد بالصين والهند تحديدا, لم تعد تطيق أن تركن للجانب, أو تعبث بها الاستراتيجيات, أو تحيط القواعد والدروع بفضائها من كل صوب وحدب, فكان لها ب"ضربة" القوقاز, أكثر من رسالة, للأمريكان كما للأوروبيين سواء بسواء, ناهيك عن الجمهوريات "المتعطشة" للالتحاق بالغرب, باستعداد داخلي مسبق من لدنها, أو دونما ترتيب يذكر.

 

وعلى الرغم من أن الحرب قد حطت أوزارها أو تكاد, مع إبقاء قوات جورجيا خارج أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا, فإن الثابت لحد الساعة, أن حسابات الرئيس الجورجي قد جانبت الصواب, وتهاوت بجملة معطياتها كما بالتفاصيل. فهو لم يتحصل على دعم مادي مباشر من لدن من أوعز إليه بادرة دخوله أوسيتيا (وبمقدمتهم الأمريكان), بل اكتفوا بإزائه ببلاغات مضببة, وزيارات تضامنية, ومطالبات بخروج الروس من "المناطق المحتلة".

 

لم يتمنع الروس في ذلك كثيرا, لكنهم استدلوا ب"غزوهم" لجورجيا بسوابق غزو الأمريكان لأفغانستان والعراق, دونما إكراه من أحد على المغادرة, لا, بل تجاوزوا في ذلك, تماما كالروس, على استقلال الدول وحصانة رؤسائها, فلم يتوانوا في التنكيل تجاوزا على حقوق الإنسان, وأخلاقيات العلاقات بين الدول.

 

المسوغ لم يكن باهتا, بل ضرب الأمريكان في المقتل, هم الذين لا يزالوا بمستنقع دولتين, تزداد من بين ظهرانيهما المقاومة, بمقدار تزايد فشل الإدارة الأمريكية عسكريا وعلى المستوى السياسي. ثم إن الرئيس الجورجي لم يفد من خبرة جنرالات إسرائيل المحيطين به, ولا من نفوذ دولتهم بالعالم, إذ انصرفوا عنه جميعا بعدما تأكد لهم, بالحجة الدامغة على الأرض, أن لا مرد لغضبة الدب الروسي, فما بالك إن كشر عن أنيابه ونزل بالأرض كالقدر المقدر.

 

فليرنا رئيس جورجيا ما هو فاعل, وقد اعترفت روسيا بالجمهوريتين.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 25 غشت 2008