فتنة الشذوذ
بالمغرب
بالأسابيع
القلائل
الفائتة, طلعت
علينا بعض
جرائد الصباح,
هنا بالمغرب,
بخبر مقتضب
خلناه ضمن
الأخبار
المتفرقة
العادية التي
تقتنصها
الجرائد
اليومية
للترفيه عن
قرائها, فإذا
به وقد شاع
وانتشر, خلف
رجة اجتماعية
وسياسية ضخمة,
أوشكت لربما
أن تتحول إلى
فتنة, لو لم
يعمد إلى
لملمة عناصر
بصلبها, لم
يكن من
المستبعد أن
تأتي بجريرة
تداعياتها,
على أرواح بعض
من البشر
والحجر
والشجر.
لم
يكن حفل زفاف
ذكرين مثليين
بالقصر
الكبير من
متفرقات
الأخبار, ولا
كان خبرا
عاديا, ولا
كان بالنبأ
العرضي الذي
لا يتوقف المرء
عنده كثيرا,
بل كان حدثا
ضخما بكل
المقاييس,
استنفرت لحصر
تداعياته
أجهزة الأمن
والاستخبار
ومؤسسة البرلمان,
وانتهى
بالمحصلة بين
ردهات
المحاكم للبث
فيه:
+
فوزارة
الداخلية
سارعت للتحقيق
في النازلة,
فلم يعتبر
القائم عليها (الوزير
أقصد) لم
يعتبر
النازلة إياها
إلا ضربا من
ضروب
"الشعوذة",
على اعتبار أن
"المنظم, وهو
من ذوي
السوابق
العدلية, كان
ينوي تحقيق
رؤية تدعوه
إلى ارتداء
لباس امرأة,
وتقديم قربان
للولي الصالح
سيدي
المظلوم", وأنه
"لم يثبت
للمصالح
المختصة حتى
الآن, واقعة
عقد قران بين
شواذ, كما
تداولت ذلك
بعض مكونات
الرأي العام
المحلي"...ليتبين
بعد ذلك ولربما
في خضمه, بأن
الأمر يتعلق
حقا وحقيقة
بزفاف
بمعاييره
التقليدية
المعروفة, لم
يكن سكب
"العريس" لدم
الثور
المذبوح, إلا
امتدادا
لطقوس ذات
الزفاف لديه,
وهو بكل الأحوال
سلوك شاذ عن
قواعد
الأعراس التي
نقيمها
لأبنائنا وبناتنا,
بالمدن كما
بالبوادي على
حد سواء.
+
والقضاء لم
يجتهد قيد
أنملة, عندما
عرض عليه
الأمر بتحريك
من النيابة,
بل بث في
النازلة
باعتراف
الضنينين
أمام قاضي
التحقيق, فقضى
بحبسهم حبسا نافذا
وتغريمهم,
بعدما ثبت
لديه بالحجة
والشهود (أو
هكذا قيل), بأن
ما أقدم عليه
"العروسان"
يدخل ضمن
جزاءات
العقاب والتغريم,
المفضيان
مبدئيا صوب
الزجر, بأفق اتقاء
الفتنة
بالمستقبل.
+
وممثلو الأمة
بالبرلمان,
بمعظم
أطيافهم وتوجهاتهم,
اعتبروا أن
بالأمر فعليا
ما يتجاوز خط
الحريات
الفردية, وأن
ثمة مساس واضح
بالحريات
الجماعية
التي ضمنها
الدستور,
وقننتها
التشريعات,
واستساغها
المواطنون
كحد أدنى
للعيش
والتعايش بين
الملل والنحل
والمعتقدات
والسلوكات.
+
والصحافة
ذاتها, الليبيرالية
المدعية
للاستقلالية
منها, كما
الناطقة باسم
الأحزاب,
تماما كذات
التوجهات
الدينية
الصرفة,
اعتبرت
بمجملها بأن
الأمر يتعلق
بحالة "شذوذ
جنسي" قائمة
وثابتة, وأن الواقعة
أضحت تحت
طائلة
القانون,
والقضاء تكفل وبث
فيها, فقضي
الأمر بالتالي
نهائيا,
باعتبار
القضاء خاتمة
العقد
بالبداية
وبالنهاية.
لم
يعد ثمة شك
إذن, بالوقائع
كما باعتراف
المتهمين
وإثباتات
الشهود (من
ذوي المتهمين
أو من
جيرانهم), بأن
ما جرى شمال
المغرب إنما
كان عرس شواذ
بامتياز, وأن
حسم الأمر من
لدن القضاء
كان المفروض
أن يضع حدا
للأخذ والرد,
وأن يعفينا شر
المزايدات من
هذه الجهة أو
من تلك, بناء
على هذه
الخلفية أو
تلك.
إلا
أن الحاصل,
والحالة هاته,
أن المسألة
تجاوزت على
ذلك بكثير
(بالصحف
تحديدا)
لتعتبر في
بعضها أن ما
تعرض له هؤلاء
من عقاب, هو
"دون ما
يستحقون بعرف
التقاليد كما
بمنطوق النص
القانوني ( 6
أشهر وغرامة
من بعض
دريهمات, في
حين تصل
العقوبة بهذه
الحالة حد الثلاث
سنوات), فيما
اعتبره البعض
الآخر, "مسا
بحق من حقوق
الإنسان
الأساسية",
ليذهب فريق
ثالث لدرجة
اعتبار حكم
القضاء غير
منصف ومتحيز,
باعتبار أنه
تم تحت ضغط
الشارع (تحت
ضغط الغوغاء
يقول النبهاء
من بيننا),
وأنه عمد إلى "مهادنة
الإسلاميين
على حساب قيم
الحداثة الكونية,
والحق في
التعبير
والتفكير,
المتعارف
عليها بكل دول
العالم الديموقراطية".
قد
يكون بمقدور
المرء أن يبحث
لمختلف
المواقف عن
المسوغات,
مسوغاتها هي,
وقد يسوغ لبعض
منها أيضا
دونما اجتهاد
كبير, إذ المواقف
إياها غالبا
ما لا تتعامل
مع الحدث بسياقه
العام, بقدر
ما تبني له
وتؤثث على
أساس من
خلفيات قائمة,
أو غايات مراد
لها أن تقوم:
°-
فالذين
ناهضوا حادثة
القصر الكبير
(أحزابا وشخصيات
وصحفيين)
تعاملوا معها
بالقياس إلى تشريعات
قائمة وسارية,
ومنظومة قيم
ثابتة ومتوافق
عليها,
ومرجعية
اجتماعية
ودينية قاطعة
لا تقبل
التأويل, بجهة
أن اللواطيين
والسحاقيات
والمثليين
الذكور, إنما
هم أفراد شاذون
عن الأخلاق
والدين و"السلوكات
القويمة",
التي تعارف
عليها
المجتمع
لقرون عديدة
مضت, حتى وإن
قبل بالتعايش
معها بهذا
الشكل أو ذاك,
ولم يضمر لها
العداء
المباشر, درءا لربما
للفتنة
النائمة.
°-
والذين
استنكروا
التحامل على
هؤلاء,
انطلقوا من مرجعية
منافية
للمرجعية
السابقة, فاعتبروا
أن من حق
هؤلاء (ضمن
مجال حرياتهم
الفردية)
التعبير عن
"معتقداتهم", والإجهار
بممارساتهم,
حتى إذا كان
ثمة إشكال,
يقول أصحاب ذات
الطرح, فهو
بالمحصلة
إشكال مجتمع
وليس بأي حال
من الأحوال,
إشكال أفراد
عبروا
فاصطدموا ب"منظومة
متكلسة,
متخلفة, عصية
على قيم
الحداثة,
وتنفر من كل
ما يتنافى
معها". لا بل,
يتابع هؤلاء,
إن للشواذ
بالمغرب
جمعيتهم
(تحتفل بكل
نهاية شهر
يونيو, باليوم
العالمي
للشواذ, شأنها
في ذلك شأن
شواذ العالم),
ولهم موسمهم
"الديني"
السنوي (عند
ضريح الولي
سيدي علي بن
حمدوش), ثم هم
تحركوا من
قبل, وبالمدن
السياحية
الكبرى بوضح
النهار, دونما
مضايقة
مباشرة من أحد,
أو منعا من
لدن السلطات.
°-
والذين
اعترفوا
بصدقية
وحقيقة ما
جرى, لم يبرروا
له أو يسوغوا, بل
تحاملوا على
القضاء,
وآخذوه
بجريرة
"انصياعه"
لشارع تظاهر
وندد, ولم
يعمد (القضاء
يقصدون) إلى "ضبط
حركية مجتمع
يتغير بسرعة",
ليس فقط بجهة
التجاوز على
المقدس, بل
وأيضا بزاوية
القفز على
المحرم في
شكله كما في
مضمونه, في
قلبه كما في
قالبه.
لم
ينحصر الأمر
عند هذا الحد,
بل ذهب بعض
الصحفيين لحد
اعتبار
المغاربة
المناهضين
للشواذ, شواذا
بحد ذاتهم,
ووصف
المغاربة
المعادين
للشذوذ,
"بالمكبوتين
الذي يهرولون
في الشارع
وراء الشواذ,
بلعاب سائل
وعيون توشك أن
تخرج من
محاجرها", لا,
بل اعتبر
أحدهم أن
التظاهر ضد
الشواذ هو سير
بدرب
الأصوليين,
وعمل من شأنه
"تهييج
الشارع ضد أشخاص
أنصفهم
القانون
الدولي, عندما
حرم التمييز
على أساس من
الجنس أو
التوجه
الجنسي".
قد
لا يكون للمرء
موقف محدد,
ولا ضغينة مستترة
ما, بإزاء
اللواطيين أو
المثليين
الذكور أو السحاقيات,
أو ما سواهم.
وقد يتجاوز
على مواقف بعض
من الساسة أو
الصحفيين أو
بعض من "مكونات
المجتمع
المدني". لكن
الذي لا يمكن
للمرء
التجاوز عليه
حقا, أو القفز
عليه, فما
بالك التستر
على الرأي
مخافة تحامل
هنا أو هناك,
إنما أمران
إثنان:
+
الأول مرتبط
بالتشريعات,
وبمنظومة
الخطوط الحمر
المحددة
والسارية. بهذه
النقطة, قد
يستطيع المرء
ألا يتبنى
تشريعا أو
يستسيغ حكما
قضائيا قاطعا,
لكنه لا
يستطيع
بالمقابل
وبالآن ذاته
(سيما لو كان
من أهل خطاب
"دولة الحق
والقانون
والمؤسسات")
أن يزايد على
القضاء حكما,
أو يتمنع في
تنفيذه بشكل
من الأشكال,
أو يطعن فيه
إلى ما
لانهاية, كونه
لا يساير
موقفه, أو لا يتماشى
مع معتقده, أو
يتنافى ونظرته
لذاته وللآخر,
أو ما سوى ذلك.
صحيح
أن القضاء
ببلادنا غير
نزيه, والعديد
من قضاته غير
سليمي الذمة
(بجهة التحيز
أو بجانب الارتشاء,
أو بهما معا),
لكننا مع ذلك,
لا نستطيع ولا
لدينا
المقدرة
للمزايدة
عليه, عندما
يبث بأمر بضغط
من ذوي المال
والجاه, أو من
ذوي
النفوذ...كيف استساغة
معظم أحكامه
على علتها, والمزايدة
عليه لدرجة الطعن
ب "قضية شواذ
القصر الكبير؟"
وبقدر
ما لا نستطيع
المزايدة على
القضاء, والاكتفاء
بالادعاء
بأنه مرتهن
لضغوط سلط
المال والجاه,
وامتثاله
لتوجيهات ذوي
النفوذ, فإنه
من غير
المنطقي أن
نزايد عليه إن
هو امتثل لضغوط
الشارع مثلا,
لا بل إن هذا
الأخير هو
أولى
بالإنصات والانصياع
لضغوطاته...وإن
غوغائيته
تتأتى له من
عفوية لديه خالصة
(دع عنك خطاب
التوظيف), ومن
دفاعه
المستميت على
الحد الأدنى
مما يتراءى له
لحمة قيم
متبقية, وضروب
تعايش, دون
الذود عنها
لربما قد
ينفرط العقد
ويتفسخ.
+
أما الأمر
الثاني,
فيتعلق
بالثقافة
السائدة
ومنظومة القيم
القائمة. بهذه
النقطة أيضا,
قد يذهب المرء
لحد القبول
بالعديد من
حالات الشذوذ
القائمة (المتخفية,
كما
المتمظهرة
بمرأى الملأ
ومسمعه), لا بل
قد يذهب لحد
تسويغها
والدفاع عن
أصحابها (لواطيين
كانوا أم
سحاقيات أم مثليين
ذكور), لكن
شريطة أن يكون
ذلك إفرازا
لحركية
اجتماعية
وثقافية
عميقة
وجوهرية, يكون
المجتمع قد
بلغها, أو هو
الثاوي خلف
استنباتها...فلا
يجد غضاضة
بالتالي, في
التعايش معها
من بين ظهراني
الأسر, كما بالمدارس
والجامعات,
كما بالفضاء
العام المشاع.
إنه
لمن الظلم
والغبن حقا,
ومن اغتصاب
قيم المجتمع
أيضا, أن تستنبت
من بين ظهراني
هذا الأخير, قيما
قسرا عنه أو
في غفلة من
إدراكه, على
خلفية من هذا
التفسير أو
ذاك, أو تحت
يافطة
الحداثة
المستوردة, أو
التفتح المبالغ
فيه (ولربما
المؤدى عنه), وأن
يعمد إلى التمهيد
من فوق,
لتطويع
منظومة قيم
سائدة, قد
يكون من شأنه فض
بكارة
الملايين
بالقوة, وتحت
الإكراه.
وعلى
ذات الأساس
أيضا, فأنا
أتفهم مثلا
وبسياق آخر,
مهرجانا
لتذوق الخمور
بغرب فرنسا, وبطقوس
رمزية تنهل من
مرجعية قرون
من فعل القيم
وتفاعلها,
لكني لا
أستطيع
بالمطلق
تفهمها عندما
تتم بمدينة,
كمدينة مكناس
المغربية,
تحميك الشرطة
وأنت بداخل
الخمارة,
لكنها سرعان
ما تستعد
ل"كمشك"
بمجرد التأهب
لمغادرتها,
ليسري عليك منطوق
القانون
الحرفي, تماما
كما سرى على
شواذ القصر
الكبير.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
17 دجنبر 2007