لماذا يرفض
الأكراد
العلم
العراقي؟
عندما
قرر مسعود
البارزاني، رئيس إقليم
كردستان
العراق، إنزال
العلم
العراقي من
فوق المباني
الحكومية
التابعة
للإقليم (أو
للحكومة
المركزية
المتواجدة
هناك)، علل
للقرار
بالقول بأن
"العلم
الحالي ارتكبت
تحت ظله كل
المجازر
وعمليات
القتل
الجماعي... لذلك، من المستحيل
رفع العلم في
كردستان،
لأنه يعبر عن
فترة من أشد
الفترات
سوادا في تاريخ
العراق".
وعندما
أعلن المالكي
(رئيس وزراء
العراق المحتل)
بأن "علم
العراق هو
العلم الوحيد
الذي يجب أن
يرفع على كل
أرض العراق
حتى قيام
البرلمان
باتخاذ إجراء
آخر"، رد
عليه
البارزاني
بنبرة ملؤها
التحدي
والوعيد: "إن
زمن التهديد
قد ولى، وإن
البرلمان
الكردي قد قرر
أن يبقى الآن
ضمن إطار
الفيدرالية، وفي أية
دقيقة يرى هذا
البرلمان
والشعب الكردي
أن مصلحته مع
إعلان
الاستقلال، فإننا سنعلن
ذلك من دون أن
نخاف من أحد".
مر
علم العراق
الحديث
بأربعة مراحل
كبرى، عبرت
كل واحدة منها
(ولا تزال) عن
رمزية ما،
على خلفية من
تزاوج عميق
حكمت شكله
ورمزيته
ثلاثية
"اللون
والنجمة
والخط":
+
فعلم العهد
الملكي كان من
أربعة ألوان
(الأسود
والأبيض
والأخضر)
متداخلة
بمثلث أحمر
يحمل نجمتين
بالوسط
بارزتين.
+
وعلم ثورة
يوليوز 1958
زاوجت بين
الأخضر
والأبيض
والأسود، يتوسط
هذا الأخير
قرص للشمس
داخل نجمة
ثمانية، والكل
مستمد من
التراث
البابلي
القديم.
+
وعلم انقلاب 1963
حمل نجمات
ثلاث (في
إشارة للوحدة
بين العراق
ومصر وسوريا)
وأضاف الرئيس
صدام حسين
عبارة "الله
أكبر" بخط يده
ووضعها بين النجمات.
+
أما علم ما
بعد التاسع من
نيسان للعام 2003، فقد أبقى
على العلم
العراقي كما
هو، ليتم فيما
بعد ذلك بفترة
قصيرة، تصميم
علم جديد على
شكل هلال
باللون
الأزرق الفاتح
على خلفية
بيضاء وخط
باللون
الأصفر بين
خطين باللون
الأزرق
بالجزء
السفلي
للعلم...حتى
إذا اشتدت
الاحتجاجات
الشعبية
بشأنه (كونه
يحيل في
ألوانه على
علم إسرائيل)
تمت العودة
لعلم "الله
أكبر"، مع
إلغاء الخط
الذي كتب به
الرئيس صدام
حسين العبارة.
وإذا
كان العلم
الحالي يرمز، في ذهن
الأكراد
ولربما في
تصور العديد
من العراقيين، إلى النظام
السابق، فإن
استبداله
أضحى بالنسبة
لهم عنصر
الإجهاز
النهائي
والأخير على
"النظام
البعثي الذي حكم
البلاد
بالحديد
والنار"
لأكثر من
ثلاثة عقود من
الزمن.
ولئن
كنا لا نستطيع
المزايدة على
هذا الفصيل العراقي
أو ذاك في
تظلمه وتذمره مما
يشير إلى
النظام
السابق،
وممارسات أمر
الرئيس
العراقي بجزء
منها وتم الجزء
الأكبر في
غفلة منه
(لكنها تمت
مجتمعة في
سياقات
تاريخية
محددة هي التي
حكمتها)، فإننا
لا نستطيع
أيضا أن
نتجاوز على
السياق العام
الذي أتى فيه
قرار رئيس
إقليم
كردستان
باستبدال
العلم العراقي
الحالي بعلم
ثورة فبراير
للعام 1958:
°-
فالقرار أتي
في سياق من
التناحر
الطائفي بات
الكل في ظله
مع الكل ضد
الكل، وبات
إقليم
كردستان
المنطقة
الجغرافية
الوحيدة التي
تعيش في أمن
وأمان، بمنأى
عما يجري
بباقي العراق
جملة
وبالتفصيل.
ولما
كان الأمر
كذلك، فإن
حكومة
الإقليم باتت غير
مهووسة
بالعامل
الأمني ولا
بالتواجد الأجنبي
ولا
بالاقتتال
الطائفي ولا
بالتصفيات
على
الهوية...هي
مهووسة
بتسريع وتيرة
تنفيذ أجندتها
في ظرف يتراءى
لها أنه
الأمثل والأنسب
والأنجع
سياسيا فضلا
عن كل ذلك،
ناهيك عن
مواءمة الظرف
الإقليمي والدولي
وتطابقه مع
أجندات
التقسيم
والانفصال
حيثما خدمت
استراتيجية
هذه القوة
الكبرى أو
تلك.
هي
(حكومة
كردستان أقصد)
تبدو كما لو
أنها تسابق
الزمن
لاستكمال ما
تبقى لها من
عناصر بناء
مقومات
"الدولة ذات
السيادة
الكاملة"،
حتى إذا برز
بالأفق (على
مستوى العراق
أو محيطه
المباشر) ما
يشي بالسوء، انسلخت عن
"الجزء
المريض"
وأقامت
متاريس التصدي
للعدوى
الواردة...ألم
يقل مسعود
البارزاني
بهذه النقطة:
"إن الأكراد
سيعلنون
الاستقلال عن
العراق إذا ما
اندلعت حرب
أهلية"؟
°-
والقرار يأتي
في سياق
استباق الحل
الفيدرالي
المزمع اعتماده
على خلفية من
نظام
الأقاليم
الذي سينشطر
العراق
بموجبه لا
محالة إلى
مجموعة من
الدويلات داخل
"دولة
مركزية"
منزوعة
السلطات،
هشة المفاصل والقرار، غير مهابة
الجانب، عبارة
عن نقطة
ببغداد تعطي
الانطباع
الواهم بأنه
ما يزال ثمة
بالخريطة دولة
تسمى العراق.
بالتالي، فإذا تسنى
لحكومة
كردستان أن تضم
كركوك (وهي
النقطة
الأخيرة
العالقة بعد
العلم) إلى
"حدودها
الجغرافية
النهائية"، فستكون بذلك
قد ضمنت مصادر
الثروة
الكافية لإعلان
الدولة وتوفير
مقومات
استمرارها
بالآماد
البعيدة.
°-
والقرار يأتي، فضلا عما
سبق أو
بامتداد له، في ظرفية العجز
الأمريكي
المؤكد وفشله المدوي
في فك خيوط
"المعضلة
العراقية"، وتطلع
الإدارة
الأمريكية
لتلمس طرف في
القشة (وستكون
الفيدرالية
حتما) للقول
بنجاح ما أتت
من أجله سيما
لو استتبع ذلك
بعض من
الاستقرار
ولو مؤقتا.
لا
تبدو حالة
كردستان هنا
كمدخل أساس
لذات التطلع
فحسب، بل
تبدو للإدارة
الأمريكية
ولكأنها
الأنموذج
الذي في
اعتماده بكل
العراق تهدأ
الأمور وتستتب، ليتسنى بذلك
للإدارة
الأمريكية
مباشرة ما جاءت
من أجله
للمنطقة...أي
النسج بدول
أخرى على الحالة
العراقية.
وعلى
هذا الأساس، فإن مسألة
العلم لا تبدو
لنا مستقلة
عما يجري أو عما
يراد له أن
يجري حالا
وبالمستقبل، بل هي
بالمحصلة
الأولية
تهييء
للعراقيين (كل
العراقيين)
ليس فقط
لاستساغة
مبدأ
الفيدرالية
والقبول بها
كشكل من أشكال
التنظيم
السياسي جديد، بل وأيضا
التسليم بأن
الشكل إياه
إنما يتأتى من
التوافق بين
المكونات
السياسية
والدينية
والعرقية
والطائفية
القائمة،
ونتاج عقد
ضمني يعطي
لمكون أو أكثر
حق الطعن فيه
والبناء على
النقيض منه... وهو
ما تشدو إليه
حكومة
كردستان قلبا
وقالبا، حيث
لا تمثل مسألة
العلم إلا
المظهر الذي
يبطن ويخفي
الجوهر...جوهر
تطلع الأكراد
للانفصال عن
جمهورية
العراق.
بالتالي، فإن إنزال
الأكراد للعلم
العراقي قد
تقرر ليس فقط لكونه
يرمز إلى زمن
الرئيس صدام
حسين، ولكن
بالأساس كتمهيد
لصياغة علم
سيكون في
الآزمان
القريبة لا
قدر الله علم
"جمهورية
كردستان" أو
ما شابه ذات التسمية.
ملحوظة:
لا يزال
المغرب يعيش لحد
اليوم على علم
صممه
المارشال
ليوطي عندما
كان لفرنسا
الوصاية عليه.
لم يتنكر له
المغرب
المستقل،
بل اتخذه رمزا
وقاوم
الوصاية
الفرنسية في
ظله... بل بات من
حينه تعبيرا
عن مقاومة
المغاربة
للتواجد الفرنسي.
يحيى
اليحياوي
الرباط، 25 شتنبر 2006