تكنولوجيا المعلومات في أفق القرن الحادي والعشرين

 يحيى اليحياوي

 

أشكركم جميعا وهنيئا لكم بهذه الأيام الثقافية.

موضوع هذه المحاضرة (تكنولوجيا المعلومات في أفق القرن الحادي والعشرين) هو في آن معا سهل (الكل يتحدث عن هذه التكنولوجيا أو يستخدمها أو يلمسها...الخ) وصعب لأنه قلما نسائل هذه التكنولوجيا في ماهيتها، في مفهومها، في صيرورتها، في حركيتها، في أبعادها وفي تأثيراتها.

بمعنى أنه قد نستخدم الشيء، نستهلكه، نتعامل به، لكن نادرا ما نتمثله ككينونة وكصيرورة.

 

- أول إشكال يطرح  إذن عندما نحاول مقاربة هذه التكنولوجيا ومساءلتها في ماهيتها وبعدها المفاهيمي هو إشكال: هل يجب الحديث عن التكنولوجيا أم عن التقنية؟

هذا التمييز أساسي لأنه يمكننا من معرفة ما يوجد بالتكنولوجيا ولا يوجد بالتقنية والعكس بالعكس.

مصطلح التكنولوجيا مصطلح أنجلوساكسوني خالص ولا يوجد له مقابل بالغة الفرنسية: مصطلح التكنولوجيا الفرنسي هو ترجمة غير سليمة للمصطلح الأنجلوساكسوني الذي يحدده القاموس الفلسفي "لالوند".

يقول القاموس الفلسفي لالوند إن "التكنولوجيا هي مجموع العمليات التقنية في عموميتها وفي علاقتها بالحضارة":

« L’étude des procédés techniques dans ce qu’ils ont de général et dans leur rapport à la

civilisation ».

المرجعية الأنجلوساكسونية تحدد إذن التكنولوجيا في كونها مجموع تقنيات عامة لها ارتباط عام بحضارة ما.

 

هو تحديد عملي وإجرائي، لكنه يطرح قضايا إشكالية كثيرة أهمها أنه يوسع الفضاء لدرجة يجعل الفنون والآداب والشعر وغيرها تقنيات شأنها في ذلك شأن العلوم الدقيقة (من إلكترونيات وبيولوجيا وعلوم أحياء وغيرها).

بمعنى (وهذا هو امتياز هذا التحديد) أنه لا يحدد التكنولوجيا في تقنيات فقط، ولكن أيضا في كونها معارف ومعلومات وابتكارات ينتجها مجتمع ما وحضارة ما في محيط عام ما وفي زمن ما.

التكنولوجيا إذن هي تقنيات لكنها تحمل سمة المجتمع والحضارة والعصر والزمن الذي أنتجها.

هي باختصار تقنيات تحمل قيم هذا المجتمع أو ذاك أو حضارته أو عصره وتحمل ثقافته ومرجعته. بمعنى أن كل عتاد أو أداة تقنية لا تحتكم على قيم وثقافة وحضارة المجتمع الذي أنتجها ليست تكنولوجيا بل تقنية: ما تحمله التقنية من معارف وقيم وثقافة وهوية هو الذي يجعلها تكنولوجيا ولا يجعل منها أداة.

هذه قضية إشكالية ضخمة قد نتفق حولها وقد نختلف، لكنها مركزية لفهم صيرورة الإبداع التكنولوجي.

 

- القضية الإشكالية الثانية: ماذا نعني بتكنولوجيا الإعلام والمعلومات؟

سأختزل الجواب هنا بالاعتماد على التحديد السابق وأقول: تكنولوجيا المعلومات والإعلام هي مجموع الوسائل المستخدمة لإنتاج واستغلال وتوزيع المعلومات بكل أشكالها وعلى اختلاف أنواعها: المكتوب والمسموع والمرئي، أي المعطى المكتوب والنص المسموع والمعلومة المتلقاة من الأجهزة البصرية.

هذا تحديد مبسط وعملي لأنه يبين السلسلة التي يتم وفقها إنتاج المعلومة وتخزينها واستغلالها.

تكنولوجيا المعلومات والإعلام هي التي تضم ما يصطلح على تسميته بالمعلوميات وتكنولوجيا السمعي-البصري.

 

- القضية الإشكالية الثالثة: ماذا نعني بتكنولوجيا الاتصال أو تكنولوجيا الاتصالات بالتحديد؟

هي (دائما بالعودة إلى التحديد السابق) مجموع الأدوات التقنية التي تمكن من تمرير رمز بين منتج هذا الرمز ومتلقيه. ما معنى هذا؟

معناه أن تكنولوجيا الاتصال هي التي تمكن أد واتيا من ربط (وتواصل) مرسل الرسالة بمتلقيها.

هي البنية التحتية التي تمكن التواصل الثنائي والجماعي وتؤمن انتقال الرسالة من مرسل إلى متلقي.

 

هذه إذن هي القضايا المفاهيمية الإشكالية الكبرى التي غالبا ما تطرح كلما تعرض المرء لتكنولوجيا الإعلام والاتصال.

ما الذي يجمع بينها على المستوى التقني؟

يجمع بينها مفهوم رائج، بسيط شكلا لكنه معقد تكوينا وتركيبة هو مفهوم الشبكة.

هناك إذن شبكة المعلوميات وشبكة السمعي-البصري الإذاعي والتلفزي وشبكة الاتصالات. لكن هناك أيضا شبكة العنكبوت والشبكات الإجرامية والإرهابية وشبكات الزبونية وشبكات اللوبيات وهكذا.

ما يجمع بين هذه الشبكات والشبكات الإعلامية والاتصالاتية هو البعد التنظيمي (التقني والوظيفي) والتنظيم النسقي الذي لا يخضع للتجزيء. فلو أزحت السكك الحديدية ما بقي هناك قطار ولو أزحت البرامج المعلوماتية فلن يبقى هناك معلوماتية ولو أزحت الأقمار الصناعية فلن يكون هناك بث تلفزي عبر الأقمار الصناعية أو المكالمات الهاتفية البعيدة المدى ولا الإنترنت وهكذا.

 

ما خلاصة كل هذا وما هي الأفكار الكبرى التي من الممكن استخراجها بناء على هذه الأرضية التقنية التي لا يمكن التفصيل فيها هنا؟

سأحاول أن أختزل خمس أفكار كبرى انطلاقا من هذه الأرضية:

 

- الفكرة الأولى: تكنولوجيا الإعلام والاتصال (المعلوميات والاتصالات والسمعي-البصري) كلها كانت ولا تزال منظمة على طريقة شبكية، لو أزحت جزءا من الشبكة سقط الكل. وما دامت على هذا المنوال فلا يمكن منحها لأكثر من جهة (لأكثر من فاعل أعني) وإلا تلاشت.

لهذا السبب فالقطاعات الإعلامية والاتصالية وغيرها، سيما الاتصالات والسكك الحديدية والماء والكهرباء، غالبا ما كانت احتكارا (من لدن الدولة المركزية أو من لدن شركة مدعومة من لدن الدولة بالنسبة للاتصالات).

وقد بني الإطار النظري لذلك من خلال أطروحة الاحتكار الطبيعي وغيره.

 

- الفكرة الثانية : أن الاحتكار لم تكن له أبعاد اقتصادية خالصة فحسب بل كانت له كذلك أبعاد جيوسياسية وأمنية على اعتبار أن التحكم في التكنولوجيا الإعلامية والاتصالية هو التحكم في المعلومة وفي تأطيرها والتحكم في صانعها وبالتالي في متلقيها.

لتكنولوجيا الإعلام والاتصال إذن رهان أمني وجيوسياسي في منشأ هذه التكنولوجيا وفي تطورها. وهو أمر يجب الانتباه إليه.

 

- الفكرة الثالثة وهو أن لتكنولوجيا الإعلام والاتصال رهاناتها التنموية إلى جانب كونها ذات خلفية اقتصادية وجيوستراتيجية. الخلفية التنموية تأتي من كونها تساهم بشكل كبير في إعداد التراب الوطني وتشكيل الفضاء الترابي.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقحم الفضاءات المحلية في اللحمة الوطنية (سياسيا واقتصاديا وتنمويا) إذا لم توظف هذه التكنولوجيا وتعمل على توزيعها على الفضاءات.

 

- الفكرة الرابعة: علاقة تكنولوجيا الإعلام والاتصال بالشغل.

هي تخلق مناصب للشغل لكنها تهدم أخرى. كيف؟

الاقتصاديات المتقدمة تتجه باتجاه اقتصاد الإعلام والاتصال (مبنية على المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا اللامادية) بالتالي فالمناصب المرتبطة بهذا الاقتصاد تتزايد (برمجيات، تلفزة، لوجيسيالات...الخ) وتصبح الموارد المادية من هنا شبه متجاوزة.

بالمقابل، المناصب التقليدية غير المبنية على المهارات والمعارف والتكنولوجيا الدقيقة تتراجع وتتكسر سيما في ظروف عدم إعادة التكوين أو صعوبة هذه الإعادة.

الشغل المرتبط بهذه التقنيات يتزايد لكن الآخر يتراجع، وهو ما يفسر تزايد الشغل بالولايات المتحدة مثلا وهجرة الأدمغة إليها.

 

- الفكرة الخامسة: هذه التكنولوجيا أصبحت مقياسا لتقدم الأمم: اليوم لا يتحدث عن الأمم المتخلفة والأمم المتقدمة، بل الأمم السريعة والأمم البطيئة، الأمم الغنية معلوماتيا والأمم الفقيرة معلوماتيا.

من لا يملك المعرفة والتكنولوجيا والبحث العلمي هو بطيء ومن يملكها هو سريع.

 

ما الآية من هذه الأفكار؟

الآية أمران:

- العالم المتقدم يتجه باتجاه مجتمع الإعلام (حيث التكنولوجيات الثلاث تتداخل والمحتويات تتزايد والقيمة المضافة تتصاعد). وهذا المجتمع قواه التكنولوجيا المتطورة والمعرفة والبحث العلمي.

- العالم يوظف هذه التكنولوجيا من بين أمور أخرى من أجل عولمته (الجهوية) وفرض " قيمه الجديدة" عبر القنوات الفضائية والانترنيت وبعض المفاهيم بدأت تتجاوز (الدولة-الأمة، السياسة، العمل...الخ).

 

ما موقعنا كعالم ثالث وكمغرب؟

سؤال عريض يبدأ في تصوري من توضيح ثلاثة أمور؟

 

- أولا: نقل التكنولوجيا. وهو ما كنا عليه ولا نزال.

نحن لا ننقل التكنولوجيا بل ننقل تقنيات، لا ننقل معارف بل ننقل أعتدة، لا ننقل مهارات بل ننقل تطبيقات.

التكنولوجيا نظام قيم، تنتج وفق قيم، وإن أمكن استيراد تقنياتها فليس من الهين نقل المعرفة والثقافة الكامنة فيها.

لذلك فنحن ننقل "خوردة" حتى وإن كانت في صورة تقنيات متطورة.

 

- ثانيا: هذه التقنيات المنقولة غالبا ما توضع في محيط تغيب فيه السياسة الاقتصادية والتكنولوجية. ليست لدينا السياسة الاقتصادية والتكنولوجية التي من شأنها استهلاك هذه التقنيات وهضمها وتحقيق الإنتاج وفقها.

بالتالي، فهي تبقى في منأى عن طبيعة نموذج التنمية المعتمدة، وهو ما يفسر جزئيا هجرة الأدمغة.

 

- ثالثا، ما دامت إشكاليتا الوصول والتملك غير مضمونتين، فسنبقى نستهلك التقنيات ولا نستهلك التكنولوجيا: الإنترنت موجود، كيف نستهلكه؟ ما هو نصيبنا مما ينتجه؟ كيف نساهم في تزويده بالمعارف؟ التقنية موجودة لكن أين الثقافة والمعرفة الواجب إقحامها...؟

 

هذه ثلاث ملاحظات أساسية لفهم ما يروج بالمغرب عن مجتمع الإعلام والمعرفة وهذا ليس موضوع كلامنا هنا.

 

الخلاصة إذن:

- طالما لم يتحقق لنا بلوغ تكنولوجيا الإعلام والاتصال وإقحامها في نسيجنا الاقتصادي والاجتماعي بعقلانية، فإن الحديث عن رهانات وتحديات هذه التكنولوجيا سيبقى حديثا طوباويا.

- طالما لم نتملك هذه التكنولوجيا ثقافيا ومعرفيا، فإن الحديث فيها أيضا سيبقى من قبيل الطموح اليائس عوض اليأس المؤطر بوعي الضعف وضرورة العمل الجاد والجدي.

 

محاضرة بثانوية للا نزهة للبنات.

الرباط، 20 مارس 2001.