في التنمية
التنمية,
بمعظم
النظريات
المتوفرة
وبملاحظة
واقع الحال
أيضا, ليست
بالضرورة هي
النمو, ولا
كانت يوما
تقاس بمدى
انتفاخ الناتج
الداخلي
الخام, أو
أحجام
الصادرات, أو
نصيب هذا
القطاع
الإنتاجي أو
ذاك, من ذات
الناتج. صحيح
أن النمو
مطلوب, وهو
مدخل ضروري للتنمية,
إلا أنه غير
كاف, إذا لم
ينعكس ذاك
النمو على
مستوى حياة
الأفراد
والجماعات, في
معاشهم
اليومي, في تحسن
ظروف تطبيبهم,
في مدى
الاطمئنان
على مستقبلهم,
في منسوب
الحرية التي
تعتمل من بين
ظهرانيهم, في
تمدد نسب
بقائهم أحياء
وبصحة جيدة, وهكذا.
التنمية
عملية نوعية,
على النقيض من
النمو, الذي
يقيس التحول
الكمي العام.
بالتالي, فهي تعبير
عن منسوب
التحول,
والتحسن على
مستوى البنيات
الاقتصادية
والاجتماعية
والثقافية
والسياسية والنفسية,
وما سوى ذلك.
إذا لم يسر
النمو ببنيان
المجتمع,
وتستفيد منه
كل الشرائح
الاجتماعية, فإنه
لا يتحول إلى
تنمية, ويبقى
محصور
المفعول على
فئات محددة,
أو مناطق
جغرافية
محددة. النمو
عنصر أساسي
لبلوغ
التنمية, لكنه
غير كاف, إذا
لم يصاحب
بسياسات
موازية
وملازمة له,
توزع الخيرات
المادية
واللامادية
على كل شرائح
المجتمع, كل
وفق إسهامه في
العملية
الإنتاجية
واحتياجاته.
لهذا
الاعتبار
ولغيره أيضا,
لم يعد الحديث
اليوم قائما
على أساس
التنمية
المادية أو
البشرية, أو
ما سواها, بل
بات متمحورا
حول مفهوم التنمية
الإنسانية,
المحيل على
نوعية الحياة,
وقدرة المرء
على الإفادة
من مختلف
البنيات والخدمات,
الرافعة من
مستوى رفاهه.
إن العديد من
النظريات الرائجة,
تستخدم الدخل
والسلعة
كأساس مادي
للرفاه, في
حين أن ثمة
بون فارق بين
هذا المعيار,
وما يتحصل
عليه المرء من
حرية, جراء
الفوارق والتباين
في الدخول,
وما يستتبع
ذلك من مظاهر الفقر
والجوع
والحرمان.
بالتالي
فالمهم هنا ليس
هذه المنافع
المادية
المباشرة,
بقدر أهمية
حيز الحريات
الموضوعية (أو
القدرات
بتعبير
أمارتيا صن) لاختيار
المرء حياة
لديه المبرر
لإضفاء قيمة
عليها. من هنا
وجب أن ينصب
الاهتمام لا
على السلع في ذاتها,
بل على
الحريات التي
تولدها في
الزمن والمكان.
الفقر,
بالبناء على
ذلك, ليس نقصا
في الموارد,
بقدر ما هو حرمان
من القدرة, أي
من الحرية
الموضوعية
لتحصيله دون
عائق أو إكراه.
التمييز هنا
يتم بين فكرة
الفقر كنقص في
القدرة, وبين
الفقر كنقص في
الدخل, على
الرغم من أنه لا
يمكن الفصل
بينهما, على
الأقل من
زاوية أن
الدخل وسيلة
مهمة للحصول
على القدرات.
والتنمية
عملية
تشاركية
بالزمن
والمكان. وهي
عملية جماعية,
لا يمكن تجنيد
الجماهير لإدراكها,
إلا إذا كانت
لهم مصلحة
مباشرة في ذلك,
وإلا انتابهم
الكسل
والإحباط,
وتبرموا عن العملية
جملة وتفصيلا.
بمعنى أنه إذا
لم يكن العمل
ذا مردود على
الفرد
والجماعة,
ورافعة لضمان
عيش سليم لهم,
فإنهم
يتحولون عنه,
أو يقصرون في التعاطي
معه.
ثم هي
تفترض توفر
رؤية, تكون
قادرة على تصميم
نموذج في
التنمية,
يراعي
الحاجيات, ويأخذ
محدودية
الموارد بعين
الاعتبار, ثم
يعمد لتقييم
الحوصلة
بانتظام بأفق
التقويم.
ثم إن التنمية
حرية بكل
مفاصلها, لا
يمكن للنمو,
فما بالك بذات
التنمية, أن
تزيد أو تفيد
الناس في تحقيق
ظروف العيش
السليم. يقول
عالم
الاقتصاد الهندي
أمارتيا صان,
في كتابه
"التنمية
حرية": "إن
المرء, حتى لو
كان من أكثر
الناس ثراء,
إذا ما حيل
بينه وبين
التعبير
بحرية عن رأيه,
أو إذا حظرت
عليه
المشاركة في
الحوارات العامة,
أو في اتخاذ
القرارات
العامة, فإنه
يصبح بذلك
محروما من شيء
يراه عن حق
شيئا قيما.
وإن عملية
التنمية إذا
ما حكمنا
عليها على
أساس تعزيز الحرية
البشرية, فلا
بد أن تتضمن
إزاحة هذا الحرمان
الذي يعانيه
المرء".
أتصور
أن هذه
القضايا أضحت
من المسلمات,
ولم يعد ثمة
حاجة كبيرة
لتكرارها,
ومعاودة
التأكيد
عليها, لا بل
ثمة من
يعتبرها من
باب البديهيات,
التي لا مجال
كبير
للمزايدة
بشأنها.
بالعالم
العربي/الإسلامي,
وباستثناء
بعض الدول
الفقيرة, يبدو
أن العديد من
الدول قد نجحت
في إدراك
مستويات لا
بأس بها من
النمو, إما
بحكم توافر
مداخيل لها ضخمة
من النفط, أو
بفضل مواردها
الأولية الموجهة
للتصدير, أو
نتاج تخصصها
في قطاعات
محددة, كما
الحال مع
قطاعي النسيج
والجلد, وبعض
الصناعات
البتروكيماوية
ومشتقاتها
المختلفة وغيرها.
لكن ذلك لم
ينعكس
بالمستوى
المطلوب على
مستوى عيش
الجماهير, ولا
أسهم في حل
قضاياها
النوعية
الكبرى, من
تمدرس وتطبيب
وتزايد منسوب
البقاء على
قيد الحياة
وما سوى ذلك.
التنمية هنا
بقيت نموا,
ولم تطاول
نوعية حياة
الناس.
الإشكال هنا,
وبكل الحالات,
إشكال عدم
توفر رؤية
قائدة, من شأنها
تأطير نموذج
واستراتيجية
في التنمية,
شمولية
وشاملة لكل
الطبقات
والجهات
والمناطق. يضيق
المجال هنا
للتفصيل في
الأسباب
والخلفيات,
وما ترتب عن
كل ذلك من
نتائج
وتداعيات. لكن
الثابت أن
تدهور واقع
حال الناس
ازداد
بالعديد من
الدول
العربية
والإسلامية,
وحالة المرافق
العمومية
تدهورت, ونسب
الإحباط
ارتفعت, وضاقت
الجماهير
درعا من
واقعها,
وتزايد لديها منسوب
الخوف من
المستقبل.
قد لا يكون
الأمر مدعاة
تشاؤم مبالغ
فيه, أو مادة
لتلويك منطوق
اليأس, لكن
حصيلة عقود من
الاستقلالات
الشكلية
الزائفة, لم
تفرز إلا تعميقا
للتخلف وتجذيرا
لليأس, لدرجة
بات أكثر من
شعب يحن لعهود
الاستعمار
والحماية...على
الأقل, يقول
هؤلاء, من
زاوية أنهم لم
يكونوا في تلك
العهود, عرضة "للبهدلة"
التي هم
مكمنها منذ
ذوات الاستقلالات.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 28
شتنبر 2009