"الخط التحريري كفلسفة تلفزيونية"

 

 

الخط التحريري, في معناه العام والشامل الجامع, هو مجموع القواعد والآليات والأدوات التي تحدد توجه ونسقية كل وسيلة من وسائل الإعلام, سواء كانت هذه الوسيلة جريدة يومية أو مجلة أسبوعية, محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية, إصدارا ورقيا أو موقعا على شبكة الإنترنيت وهكذا.

 

إنه بمثابة الفلسفة العامة التي ترسم التوجهات الكبرى لأي منبر إعلامي, سواء كان هذا المنبر متخصصا في الإخبار, أو في التثقيف أو في التربية أو في الترفيه, أو فيما سواها بهذا الشكل أو ذاك.

 

وهو كذلك العنصر الذي يحدد هوية هذا المنبر, سواء تم التعبير عن هذه الهوية بطريقة مباشرة, منصوص عليها كتابة, أو بطريقة ضمنية, أي تلك التي تنشأ وتتطور, ثم تختمر ويتم الاحتكام إليها كمعطى يكرس بالممارسة على أرض الواقع.

 

وكلما كان هذا الخط دقيقا, متناسقا, محكوما بمرجعية واضحة ورسالة أوضح, فإنه يسهم ليس فقط في بناء هوية المنبر, بل يعين على موقعته بالقياس إلى المنابر الأخرى, القريبة منه أو الفاعلة بنفس مجال فعله.

 

وإذا كان ثمة من المنابر الإعلامية من يكتفي بصياغة الخط التحريري, وتعميم مضامينه على الفاعلين (إعلاميين, إدارات التحرير والبرمجة, وحدات الإنتاج...الخ), فإن ثمة منابر أخرى تعمد إلى تعضيد عناصر الخط إياه بميثاق تحريري مكتوب, يوزع على المتدخلين في كل عملية إعلامية, ليتم الالتزام به, وتصميم المواد والبرامج على أساسه.

 

الميثاق التحريري هنا لا يقيد العمل الإعلامي, أو يحد من إبداعه, بل يعمل على تأطيره وتوجيهه, ويكون العنصر الباني له في الشكل والجوهر.

 

فعندما تحدد العناصر الموضوعاتية, وتحدد الغاية المراد إدراكها من خلالها, وتحدد طبيعة الجمهور المتلقي لهذه العناصر, فإن الخط ثم الميثاق التحريري, هو الذي يضفي النسقية العامة على مجموع المواد والبرامج المقدمة.

 

بالتالي, فإن تصميمه بعناية ودقة, من شأنه أن يحدد هوية المنبر, وأن يحدد مجالها وميدان اشتغالها, وفي بعض الأحيان لونها الإيديولوجي.

 

من ناحية أخرى, فكلما كان الخط التحريري دقيقا, والمشروع المرتكز على عناصره واضحا, فإنه يسهل على المتلقي تمييزه عما سواه من مشاريع, ثم تبنيه من خلال العودة إليه باستمرار وبانتظام, خالقا معه بذلك ما يشبه الحميمية والإخلاص.

 

على العكس من ذلك, فإذا كان الخط التحريري غير محدد, أو ممطط أو فضفاض, أو مشوب بالتذبذب بين هذه الفلسفة أو تلك, هذه المرجعية أو تلك, فإنه يكون خلف نفور الجمهور منه والتبرم عنه, وبالتالي إفقاده عنصر المصداقية, الذي لا أثر لأي عمل إعلامي يذكر من دونه.

 

ومعنى ذلك, أن الخط التحريري الدقيق, هو الضامن لقوة المشروع, هو العنصر المترجم للمرجعية, الموحد لعناصر الشبكة والمساهم في تعميق وتقوية المصداقية.

 

ومعناه أيضا أنه بداخل كل مؤسسة إعلامية, فإن الخط التحريري هو الذي من شأنه أن يحدد تراتبية المواد والبرامج بالشبكة, ويحسم في المفاضلة بين تقديم هذه المادة أو تأخير ذاك البرنامج, وهكذا.

 

الخط التحريري هنا, يعطي القاعدة والمسار التوجيهي لتراتبية المواد داخل الشبكة. ثم إن هذا الخط هو الذي يحدد طريقة المعالجة, والزوايا المفروض اعتمادها لتناول هذا الملف أو مقاربة هذه القضية.

 

فعندما يتم اختيار موضوع ما, فإن الاحتكام إلى الخط التحريري هو الذي يحدد ما إذا كان المفروض استجواب شخصية لامعة لتناول ذات الموضوع بالتدقيق, أم التركيز فقط على محلل يعرض للأفكار العامة, أم الاكتفاء والاقتصار على رأي عينة من الجمهور, بغاية إشراكها في النقاش الدائر, أو البناء على رأيه للدفع بهذا التصور أو ذاك.

 

ثم إن الخط التحريري هو الذي يساعد على حسم مسألة المفاضلة في القنوات التلفزيونية الإخبارية أيضا, بين تقديم الخبر في صيغته المجردة, أو تحليل خلفياته وأبعاده وتبعاته, أو التعليق عليه بغرض اعتماد موقف محدد منه, قياسا إلى تصور القناة.

 

والقصد مما سبق إنما القول بأن الخط التحريري لقناة ما لا يحدد فقط موقعها ضمن ما سواها من قنوات, بل يحدد لها الفلسفة العامة التي بالقياس إليها يشرع في صياغة الشبكة البرامجية بالشكل كما بالمضمون.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 19 دجنبر 2011