"حدود القوة...نهاية الاستثنائية الأمريكية"
أندرو باسيفتش, هولت بايبيرز باك, لندن,
2009, 224 ص.
يقف آندرو باسيفتش, أستاذ التاريخ والعلاقات
الدولية بجامعة بوسطن, عند الأزمات
الكبرى (الاقتصادية والسياسية
والعسكرية) التي طالت الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية
الحرب العالمية الثانية, والتي
أدت ببداية القرن الحالي, إلى نشوب حروب إقليمية, أهدرت فيها الولايات المتحدة
أموالا وأرواحا ضخمة, لكنها كشفت بالمقابل, عن
تواضع وحدود القوة الأمريكية في إعادة تشكيل العالم, وإجباره على التوافق مع
نمط الحياة الأمريكية.
إن
الذي جرى ويجري بأمريكا, برأي المؤلف, إنما هو مرتبط بنمط
الحياة المعتمد
والمرتكز على الولع بالحياة، والحرية الفردية، والسعي الدائم
للسعادة. "وقد ترجم الأمريكيون هذه العناصر إلى ممارسات وأخلاق قائمة على إمتاع الذات. وهي التي قادت إلى الثغرة الحادثة اليوم بين احتياجات الإمتاع الذاتي
للشعب الأمريكي, وبين قيود الموارد المتاحة لتأمينها، وهو ما يمكن أن يوصف بدقة
بأزمة الإسراف الأمريكية التي تدفع الولايات المتحدة دوما إلى التطلع خارج حدودها",
لسد ثغرة الإسراف هاته.
الآية هنا هو أن التوسع
الأمريكي, المعتمد على الوسائل المشروعة وغير
المشروعة, إنما مؤداه ضمان الوفرة في المواد، وبالتالي ممارسة الشعب لحريته. بالتالي, فذروة
العلاقة التفاعلية بين التوسع وبين الوفرة والحرية, إنما جاءت, بنظر الكاتب, "في
أعقاب الحرب العالمية الثانية, عندما بزغت الولايات المتحدة الدولة الأقوى والأغنى والأكثر
حرية في نظر غالبيتها البيضاء على الأقل. ثم إن العقدين التاليين لتلك الحرب, شهدا ترسيخا لهذه الذروة فيما
سمي آنذاك بـإمبراطورية الإنتاج, التي منحت الولايات المتحدة
مستوى عاليا من الاكتفاء الاستراتيجي".
ويلاحظ المؤلف أن أواخر عقد السبعينات هي
التي أرخت للأزمة الاقتصادية القوية التي عاشها الأمريكيون,
والتي جاءت تعبيرا عن "ثغرة مقيتة بين احتياجات مجتمع
الإسراف الاستهلاكي وموارده المحدودة. وهذا الأمر طرح أمام الأمريكيين خيارين لا ثالث لهما، الأول:
كبح جماح الشهوة الاستهلاكية والعيش في حدود الموارد، والثاني توظيف القوة الأمريكية المتضائلة آنذاك
بفعل آثار الحرب في فيتنام والأزمة الاقتصادية, لإجبار باقي العالم على
التكيف مع نمط الحياة الأمريكية, بتعويض النقص القائم في موارده".
هي إذن أزمة نمط استهلاك بني على
الإسراف, لكنها أيضا أزمة سياسية موغلة في القدم, كان من شأنها إفراز نظام سياسي
"تراجع فيه دور السلطة التشريعية الممثلة في
الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، لصالح هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة في
الحكومة الفيدرالية، ورئيس إمبراطوري الصلاحيات هو الشاغل الكلي للبيت الأبيض, بصرف النظر عن انتمائه الحزبي".
بهذه النقطة, يقول الكاتب: إنه "في ظل تراجع أداء وتواضع أدوات التشريع والرقابة لدى السلطة التشريعية, بفعل رغبة أعضائها في حيازة مزايا حزبية، وبنشاط تشوبه النرجسية
والفساد والسعي لضمان إعادة الانتخاب مرة أخرى بوسائل مشروعة وغير مشروعة،
فإن الأمر انتهى في واشنطن بمجموعة من السياسيين التنفيذيين
الذين يتصف أداؤهم بسوء التقدير والتهور والإسراف فضلا عن التضليل".
هذا من ناحية المظهر. أما بزاوية
الجوهر, فإن الخلل في النظام السياسي الأمريكي, بنظر المؤلف, فله ثلاثة أبعاد
كبرى: "فكرية, تتناول إيديولوجية الأمن
القومي، وتنظيمية, تستعرض مؤسسة الأمن القومي في الولايات المتحدة، وأخيرا شخصية, تتعامل مع نوعية الرجال الحكماء المؤثرين في السياسات الخارجية لهذه القوة العظمى":
°- إنها فكرية, لأنها تحيل دائما على البعد
الأخلاقي المغلف بإيديولوجية العمل من أجل الحرية، بدءا من
عمليات التوسع التي مارسها الرئيس جيمس بولك, في منتصف القرن التاسع عشر, ووصولا إلى غزو العراق
وأفغانستان في مطلع القرن الحادي والعشرين. وهي فكرية أيضا لأنها توظف أيديولوجية الأمن
القومي, باعتبارها "الضامن الشرعي لكل ممارسات السلطة التنفيذية، ومصدر الامتيازات الواسعة للرئيس الإمبراطوري ودائرته
المقربة في متى وكيف يتم استخدام القوة. ثم هي الوسيلة النافذة لإضفاء المظهر الأخلاقي الجذاب لكل ممارسات تحقيق المصالح الحيوية في
الخارج, طالما كان الغطاء لها السعي من أجل الحرية
والديمقراطي".
°- ثم هي تنظيمية, يحددها الكاتب في أجهزة مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ومكتب وزير الدفاع
ورئاسة الأركان والأفرع الرئيسية للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات المختلفة ومكتب المباحث الفيدرالية. وهي مستويات تقدم المصلحة المؤسسية على حساب المصلحة العامة للأمة.
°- وهي أزمة
شخصية ونفسية, حيث يعتقد الكاتب أن "التأكيد على أن اعتبارات الشجاعة
والثبات وقدرة التحمل, والتكنولوجيا المتطورة لا توفر مقياس
لعظمة أي جيش، فالجيش العظيم هو الذي ينجز المهمة التي كلفته الأمة بها. ومنذ
أطلق بوش الحرب الكونية ضد الإرهاب, فإن القوة العسكرية الأمريكية لم تحقق أيا من المهام المكلفة بها. ففي أفغانستان فشلت في
القضاء على القادة الرئيسين للقاعدة أو القضاء على حركة
طالبان، بينما العراق، ورغم إعلان الرئيس بعد مرور ستة
أسابيع من بدء غزو ذلك البلد, وعلى خلفية لافتة تزعم أن المهمة قد أنجزت وبأن العمليات القتالية
الرئيسية قد انتهت، فإن أوضاع الأمن وفوضى عدم الاستقرار السياسي, لا تؤشر بحال على انتهاء
مهمة تحويل هذا البلد إلى ديمقراطية تعددية مستقرة، كما يدعون".
ويخلص
الكاتب, بالبناء على ذلك, إلى الحقائق التالية:
+ أول هذه الحقائق أن للحرب طبيعتها الدائمة والثابتة, والتي يصعب السيطرة عليها أو محاولة كبحها. فالحرب خليط من عدم اليقين
الكامل والخطر, وهي عالم الفرصة كما ذكرها المنظر العسكري الروسي الأشهر فون كلاوز فيتز
منذ قرنين من الزمان، والحديث عن كون تطورات تقنية أفرزت الحاسبات
والإنترنت وذخائر التوجيه الدقيق قد أحدثت تغييرا في طبيعة الحرب هو محض افتراء
ودليل خطأ, تعثرت فيه رؤى ساسة وتصورات ضباط الكبار". إن الحرب, يقول الكاتب, هي مراوغة مكلفة، صعبة السيطرة، مليئة بالمفاجآت وتطرح
نتائج غير متوقعة.
+ ثاني
هذه الحقائق: الجدوى المحدودة للقوة العسكرية, إذ سواء "أهدفت الولايات المتحدة من وراء
استخدامها هذه القوة تحقيق مشاريعها في منطقة العالم الإسلامي، أو إحكام
سيطرتها عليه وإخضاعه، فإن الثابت أن هذه القوة لم تحرر شعوب الشرق الأوسط الكبير, ولا وضعت قبضة الولايات
المتحدة على طريق الهيمنة عليه، ويبقى الأمر المنتظر تورطا
مستمرا لسنوات وعقود قادمة هناك, دون نتائج حاسمة فقط بتكاليف دائمة وانشقاقات متتالية
في جهة التحالف الغربي".
+ ثالث هذه الحقائق: حماقة الحرب الوقائية أو ما يعرف بـعقيدة بوش. "فعلى
مدى زمن طويل, ابتعدت الولايات المتحدة عن فكرة الحرب الوقائية, لمواجهة تهديد وشيك لاعتبارات
أخلاقية واستراتيجية معا, وحتى عندما أنهى
السوفييت في العام 1949 الاحتكار الأمريكي للسلاح النووي, وطرحت جهات في الداخل الأمريكي أفكارا عن
خيار تنفيذ ضربة أولى وقائية لإزالة ذلك الخطر النووي مرة واحدة
وللأبد, اعتمادا على تفوق استراتيجي حازم آنذاك, فإن النظرة الحذرة وقتها لتبعات هذا العمل, جنبت الولايات المتحدة والعالم
معا حريقا نوويا هائلا. لكن تلك النظرة الحذرة غابت عن هؤلاء
الحمقى الذين هيمنوا على الإدارة الأمريكية فيما بين العامين 2002 و 2003, ليقودوا الولايات
المتحدة إلى حرب كونية بلا نهاية وبتكاليف فاقت بكثير توقعات أي من
هؤلاء الحمقى".
+ رابع الحقائق: إن
المستويات العليا في الحكومة والعسكرية الأمريكية, يفتقدان فن الاستراتيجية صياغة وتنفيذا, الأمر الذي يشكل معضلة جوهرية فشلت الولايات المتحدة في مكافحتها منذ أن حرمها انهيار الاتحاد السوفيتي من خصم مستقر، وفاقم الأمر فيما بعد أحداث الحادي عشر من
أيلول.
بمعنى أن النخبة السياسية, التي على
عاتقها صياغة الإستراتيجية الكبرى, "استغرقت
في خلط الأوهام الأيديولوجية حول تحقيق هيمنة كونية, وتشكيل العالم على صورة
أمريكية بخطوط الإستراتيجية الكبرى، بينما قصرت النخبة العسكرية دورها
على المسائل العملياتية المرتبطة بالحملات والمعارك, وجعلت من مجال الحرب بكامله, منطقة استثنائية قاصرة
عليها فقط, وتناست أن القتال بالطبع هو جزء من الحرب, ولكنه ليس كل الحرب, التي تبقى في الأساس
عملا سياسيا بالدرجة الأولى, حيث يبقى تبرير شنها وجدوى عوائدها مسألة خاصة
بالسياسيين الذين تنازلوا عن ذلك في واشنطن".
يحيى اليحياوي
الرباط, 19 ماي 2011