"الفكر
في عصر
التقنية"
عبد
السلام بنعبد
العالي،
إفريقيا
الشرق،
الدار
البيضاء-
بيروت، 2000، 102 ص.
1- ولد
الدكتور عبد
السلام بنعبد
العالي بمدينة
سلا (المغرب)
في العام 1945. عمل
أستاذا
للتعليم
العالي بكلية
الآداب بالرباط
(شعبة
الفلسفة)
لسنين طويلة
إلى أن تقاعد
طوعيا منها
مؤخرا. كما
عمل (ولا يزال)
سكرتير تحرير
مجلة "فكر
ونقد"
الشهرية التي
يشرف عليها الأستاذ
محمد عابد
الجابري.
له
العديد من
المؤلفات
والتراجم
والمقالات
لعل أبرزها
على الإطلاق
"الميتافيزيقا،
العلم
والإيديولوجيا"
(دار الطليعة،
1981) و"أسس الفكر
الفلسفي
المعاصر" (دار
توبقال، 1991)
و"ثقافة
الأذن وثقافة
العين" (دار
توبقال، 1995).
كما له في
الترجمة
"الرمز
والسلطة،
بيير بورديو"
(دار توبقال،
1985)
و"جينيالوجيا
المعرفة،
ميشيل فوكو"
(دار توبقال،
1988) ومجموعة من
الكتب
المترجمة
منشورة في
سلسلة "دفاتر
فلسفية" التي
يديرها زميله
بالشعبة
الأستاذ محمد
سبيلا.
وعلى
الرغم من تخصص
بنعبد العالي
وهوسه العميق
بالتاصيل
الفلسفي لعدد
من القضايا
المعاصرة
الكبرى
(كالمعرفة
والحقيقة
واللغة
والحداثة وما
سواها) إلا
أنه شديد
الاهتمام
بقضايا الشأن
الجاري،
إذ يعمل على
"مجاراتها"
بمقالات
دورية (حتى
وإن كانت غير
منتظمة) بيومية
"الحياة"
اللندنية.
2-
يضم كتاب
"الفكر في عصر
التقنية"
عشرة نصوص قصيرة
ومعمقة
(سنقتصر هنا
على بعض منها
فقط دونما
تنكر من لدننا
للسياق العام
الناظم لها
مجتمعة) من
غير المبالغة
حقا القول
بأنها نصوص
تأسيسية بعيدة
عن الاجترار
أو المقاربة
السطحية أو
التناول
العابر:
+
بالنص الأول
("التقنية،
مسألة
فلسفية")
يتناول
المؤلف مسألة
" نقل
التقنية"
مبينا أن معظم
المفكرين
العرب لم
يقفوا موقفا
متعصبا من
النقل إياه
حتى بتحفظهم
على " نقل" الفكر
الغربي. فهم
(من خلال
فصلهم العلم
عن التقنية)
لا يرون غضاضة
في نقل
التقنية باعتبار
طابعها
المحايد،
إذ "التقنية
لا لون لها.
إنها ليست شرا
في ذاته أو
خيرا في
ذاته...هي مجرد
وسيلة وأداة
والوسائل لا
تتخذ معناها
إلا في
الاستخدام
الذي تستخدم
به".
يعتبر
المؤلف أن هذا
الموقف
"الطبيعي" من
التقنية حال
دون تناول
الفكر
الفلسفي لها
بقدر اقتصاره
"على التساؤل
حول أضرارها
ومنافعها وعلى
النداء إلى
ضرورة التحكم
فيها".
بالتالي،
فتأويل
التقنية
بالاحتكام
فقط إلى علاقة
النظرية
بالتطبيق
والممارسة من
شأنه أن يحيل
على القول
بحيادية
التقنية،
في حين أن
"الطرح الفلسفي
لمسألة
التقنية"
يقود إلى
"معاودة النظر
في الأزواج
الميتافيزيقية
التي تميز بين
العلم
والتقنية
والنظرية
والممارسة
وينبهنا إلى
أننا عندما
نستورد
الآلات
ونماذج التنمية
والتصاميم
والمخططات،
فإننا لا
نستورد شيئا
محايدا وإنما
نوعا من العلاقة
بين الإنسان
والإنسان،
بين الإنسان
والوجود".
بالتالي، فإن نقل
التقنية " أمر
يعنينا في
وجودنا
وهويتنا وفي
أسلوب حياتنا
وتفكيرنا وهو
يلزمنا...أن
نخط دروبا
جديدة ونفتح
فكرنا على
آفاق تتجاوز
العلوم
التقنية".
+
بالنص الثاني
("نحو نشأة
مستأنفة")
يناقش المؤلف
مسألة التراث
وكيفية تملكه
ومشكلة
الهوية
والخصوصية
وطريقة صيانتها
وتأصيلها.
ويرتكز في ذلك
على معاودة
الطرح على
خلفية من
أطروحات
القطيعة
والانفصال مع
التراث (كما
تناولها
المفكرون العرب)
ويسائله أيضا
باستحضار
لمقولتي الاختلاف
والتمايز إذ
أن
"الاختلافات
التي يعج بها
الخطاب العربي
مجرد تميزات
تكون في أحسن
الأحوال
اختلافات
أنتروبولوجية
وفي أغلبها
اختلافات
جغرافية بل
عرقية".
في
الوقت ذاته،
فإن التعددية
التي واكبت
المد
الديموقراطي لا
تخرج، من
وجهة نظر
المؤلف،
عن كونها
تعدادا يضيف
عددا إلى ما
هو قائم و لايدلل
على الوحدة
التي من المفروض
أن تفرزها
التعددية
ذاتها لدرجة
جعلت البعض
ينبذ الوحدة
لأنها اختزال
وتوحد.
بامتداد
لذلك، يرى
الكاتب،
أنه في ظل
الكونية أضحى
التمييز
متعذرا "بين خصوصية
تحن إلى
العالمية
وأخرى تهابها
أو ترفضها".
يقول
بنعبد العالي
بهذه النقطة:
"...إن ما دأبنا
على التمييز بينه
من أصالة
ومعاصرة ربما
فقد كل معنى.
إذ أن كل
أصالة لا
يمكنها اليوم
أن تكون إلا
كيفية من
كيفيات
المعاصرة.
وربما غدا من
المتعذر حتى
تمييز الأصيل
عن غير
الأصيل. فكل
ما هنالك هو
كيفيات أصيلة
للمساهمة في
الكونية
والمشاركة في
الكوكبية".
لا
يختلف الأمر
كثيرا فيما
يتعلق
بالحداثة
التي يتم
الترويج لها على
أساس من هذه
الخلفية أو
تلك، إذ هي،
يقول الكاتب،
"لا تقابل ما
قبلها ولا ما
بعدها وإنما
تقابل ما ليس
إياها أي
تقابل
التقليد. إنها
ليست دورا
تاريخيا
وإنما نمط
وجود".
+
أما بالنص
المعنون ب"ما
في فلسفتنا
يتحدى الفلسفة"،
فيعتقد
المؤلف أن
الحديث عن
"عقم الفكر
الفلسفي" في
العالم
العربي غالبا
ما يتم
بالإشارة إلى
المستوى
المؤسساتي أو
التعليمي،
لكنه نادرا ما
يتم من خلال
التساؤل في
طبيعة فهمنا
للفلسفة
"ولتاريخها
كعائق يتحدى
ظهور فكر
فلسفي".
ويعلن
أن ما يمكن
تسميته
ب"استبداد التيارات"
(التي ترتكز
على تصنيفات
الفلسفة ضمن
هذا التيار أو
ذلك) قد تم
تجاوزه في
الفلسفة المعاصرة
وأن السؤال
الأساس اليوم
هو كيفية الانفصال
"عن الأفكار
بما هي تيارات
جارفة"،
أي السؤال في
ماهية
التيارات
الفكرية و"هل
هي من الفكر
في شيء".
ومعنى
هذا، في اعتقاد
بنعبد العالي،
أنه "عندما
تصبح الأفكار
تيارا تفقد
غناها كأفكار
أي كحصيلة
تفكير وإعمال
فكر ونقد لتصبح
مجموعة من
الشعارات
التي تقتل
الفكر بدل أن توقظه.
فكيف ينتظر
منها والحال
هذه أن تكون
أداة لتحليل
الواقع
وبالأولى
لتحويله؟ ".
ومعناه أيضا
أن المفروض هو
"كيف نفكر في
التيارات بدل
أن نفكر بها
وتفكر بنا" اي
"كيف نتحرر من
فيتيشية
النماذج".
+
بالنص السادس
(" نحو سياسة
للمعرفة")، يقر
المؤلف أن
مسألة
المعرفة (كما
مسألة الحقيقة)
طرحت على
مستوى
إبستمولوجي
وأيضا على مستوى
أنطولوجي وسوسيولوجي.
لكنه يتساءل
"عما إذا كان
الطرح المنهجي
يستوفي عندنا
مسألة
المعرفة وما
إذا كانت
المشكلة التي
تواجهنا في
طرق قضايانا
الكبرى،
كقضية التعدد
اللغوي وقضية
التراث
والثقافة
الشعبية،
مشكلة منهجية
ومنهجية
فحسب؟".
ولعل
ما يثير
الانتباه
للوهلة
الأولى،
يقول الكاتب،
أن المعرفة
غالبا ما تم
ربطها
بالسياسة في
إطار ما يسمى
بإشكالية
السلطة
السياسية
والسلطة
المعرفية وما
توحي به
السلطة (كأداة
قمع وإيديولوجيا)
سيما عند
علماء
الاجتماع في
بحثهم عن
الأطر
الاجتماعية
للمعرفة.
ولما
لم تكن السلطة
"شيئا"،
يقول بنعبد
العالي،
ولا هي مؤسسة
أو بنية،
فإنها
بالتأكيد
استراتيجية
"تمارس
انطلاقا من
نقط لا حصر
لها وفي خضم
علائق متحركة
لا متكافئة".
بالتالي،
فإن ما يترتب
عن ذلك إنما
ارتباط
الحقيقة بالنظم
السياسية
التي تولدها
وتدعمها
ويصبح " لكل
مجتمع نظام
معين للحقيقة
وسياسة
للمعرفة،
أي أنواع من
الخطابات
يقبلها ويسمح
بتداولها وعملها
على أنها خطاب
الحقيقة
وآليات
ومنابر تسمح
بتمييز
العبارات
الصادقة من
الكاذبة وتقنيات
وطرق للتوصل
إلى الحقيقة
ووضعية معينة
لأولئك الذين
يوكل إليهم
إصدار قول ما
يعمل كحقيقة".
ليقر بأن
"الأركيولوجيا
لا تعني الانتصار
لقيمة على
أخرى وإنما
البحث في قيمة
القيم وتحديد
نظام الخطاب
وسياسة
الحقيقة...".
+ بالفصل
التاسع ("نحو
ثقافة بلا
تيارات")، يؤكد المؤلف
أن التيارات
ليست نماذج ذهنية
فحسب، بل هي
أيضا وقائع
"سرعان ما
تتخذ طابعا
فعليا يشرط
تفكيرنا
ويحدد
سلوكنا".
لكن
المطالبة
"بإزاحة
التيارات" لا
يعني القول
بثقافة واحدية
الاتجاه أو
بثقافة لا
تعرف التنوع
والاختلاف. إن
الحركة
والانفصال
والتعدد
"ضرورة لحياة كل
ثقافة
وفعاليتها".
لا
تكمن
التعددية،
وفق بنعبد
العالي،
في التعدد
كتعداد بل في
إقحام التعدد
داخل مكونات
الثقافة. إذ
أن "التيارية
رغم قولها
بالكثرة
والتقسيم
والتجزيء
والانفصال،
إلا أنها تقوم
على المفهوم
العددي عن
الوحدة والتعدد".
ولما
كانت
التيارات تجد
حياتها في
الشعارات،
أي في اللغة،
فإن
"الانفلات
منها جزء من
عملية التحرر
والتحديث
المتواصل
للثقافة
والتحويل
الدائم للواقع
وخصوصا
للواقع بما هو
تيارات وخطاب
ولغة".
+
بالنص العاشر
("الفكر
الشمولي
والفكر الكوني")
يؤكد المؤلف
أن للعالمية
تاريخا و"أن
الفكر أصبح
ولأول مرة
بفضل سيادة
التقنية،
فكرا كونيا".
ويتساءل: "ما
الذي يميز
الوجود وقد
اكتسحته
التقنية؟ هل
اكتساح
التقنية هو
مجرد تطور
لعلاقة
الإنسان
بالطبيعة
تولد عن
تراكمات
تاريخية لم
تحدث أية
قطيعة مع ما
سبقها؟ أم أنه
انقلاب
أنطولوجي لحق
الوجود ذاته
وغير علاقة
الإنسان
بالإنسان
وعلاقة بالوجود؟
".
ولما
كان إيحاء
المؤلف إلى
هايدغر
(فيلسوف التقنية)،
فإنه يقر منذ
البدء بأن
الوقوف عند ماهية
التقنية لا
يمكن أن ينطلق
من المقابلة
الطارئة "بين
النظر والعمل.
فالتقنية لا
تقابل العلم
مثلما يقابل
النظر العمل".
بالتالي فالتقنية
هي نوع من
المعرفة
"التي تقود
إلى منتوج
يستقل عن
الفعل الذي
أنتجه"... بل قل
هي "كيفية من
كيفيات
الوجود وشكل
من أشكال
الحقيقة
لدرجة تحول
معه الفكر
الكوني إلى
معادل لعالم
التقنية".
والكوني
هنا، في نظر
المؤلف،
إنما هو "شكل
من اشكال
الحقيقة...هو
لا يحيل لأي
معنى عرقي أو
جغرافي أو
قومي. إن
الكونية المقصودة
هنا لا هوية
لها، وربما كانت
اليوم هي ما
يحدد كل هوية".
إن
الانخراط في
العالمية
اليوم،
يقول بنعبد
العالي، " ليس
وليد قرار
تتخذه ذات
سيكولوجية أو
ثقافية،
وإنما هو قدر
تاريخي يرمي
بإنسان اليوم
في الكون
وبالفكر في
الكونية".
يحيى
اليحياوي
الرباط، 13 أبريل 2006