1- ليس من الهين في شيء أن يصيغ المرء خاتمة كتاب عناصر مادته الأساسية لا تزال تعيش حراكا جوهريا عميقا ومعظم مكوناته يطالها الاضطراب وعدم القارية.
والحقيقة أن الذي وقع بالعراق منذ العشرين من مارس الماضي وإلى حين كتابة هذه السطور لم يساهم فقط في خلق واقع بالعالم جديد، بل كرس في العمق للشرخ الكبير الذي أضحت الولايات المتحدة الأمريكية بمقتضاه القوة الأوحد التي لا راد لما ترتضيه أو تراه مكمن مصلحتها بهذا الجزء من العالم أو ذاك.
وعلى هذا الأساس، فالولايات المتحدة لم تكتف فقط بإزاحة نظام قائم دونما مسوغ شرعي يذكر (أو تزكية قانونية حتى)، بل فرضت في أعقاب كل ذلك بالأمم المتحدة قانونا يمنحها صفة المحتل التي في ظلها لن يبق للعراق معها إلا الإسم والإسم فقط...إذا لم تعمد أمريكا مستقبلا على تغييره تحت هذا المبرر أو ذاك دونما أدنى حرج.
2- لم يعد الأمر مثار تشكيك في أن العدوان على العراق إنما هو وبكل المقاييس بداية لعدوان شامل ستشنه الولايات المتحدة على كل من لم يمتثل لمنطق الأمبراطورية الجديدة أولم يخضع لسلطانها وأوامرها...سيان في ذلك لديها أهدد أمنها القومي حاليا أم توفرت لديه العزيمة أو القابلية على ذلك في المستقبل المنظور.
هو عدوان شامل، فيما نتصور، ليس فقط لأنه سيطال بعد العراق العديد من دول وشعوب العالم (العربي- الإسلامي في المحطة الأولى)، بل وكذلك لأنه استوظف كل ما يتطلبه ذات العدوان ويفترضه إنجاحه.
ومعنى هذا أن الولايات المتحدة لم ولن تكتف في عدوانها الشامل على العالم بأسطول لها يضرب المستهدف من كل ذي حذب وصوب، ولم ولن تنحصر عند توظيف ما توفر لديها من تكنولوجيا وأقمار صناعية وشبكات إعلامية، بل وأيضا كل ما وفرته لها الآلة الدعائية التي تدور في فلكها والتي تبيح التضليل والتعتيم والتمويه والكذب وتحريف الحقائق.
بالتالي فالعالم لن يعيش بعد اليوم انزلاقا للقوة فحسب، بل وسيكون بإزاء عولمة للخوف ستطال البريء قبل المذنب...النية قبل الفعل.
ليس لدينا أدنى شك إذن في أن عدوان الولايات المتحدة على العراق واحتلاله لم يتم فقط بأسلحة أمريكية بل بأدوات عربية خالصة بررت له السلوك وشرعنت له بالتواطؤ الفعل بمواقفها، بوسائل إعلامها، ب" تحليلات مثقفيها" ب "استشرافات خبرائها".
أي شعور يمكن أن ينتاب الإنسان والعراق محتلا والجنود الأمريكان والإنجليز يصولون ويجولون، يقتلون ويهينون؟ أي معنى للكلمة؟ أي معنى للمعنى؟
إنه زمن الخوف بامتياز...إنه زمن الخيبة الشاملة.
الرباط، 2 يونيو 2003
منتصر حمادة
من تخول له ظروفه الزمكانية زيارة المكتبة العلمية التي توجد في الطابق الثالث بمؤسسة "الفناك" التي تقع بدورها في قلب حي "مونبارناس" بالعاصمة الفرنسية، سوف يحظى بشرف العروج على جناح بسيط من حيث الشكل ، معقد من حيث المضمون، عبارة عن غرفة تضم الآلاف من المؤلفات المخصصة لموضوع واحد فقط: الدين، سواء تعلق الأمر بالأديان السماوية أو الوضعية.
مناسبة هذا الكلام مرتبطة مباشرة بشرف تقديم هذا المبحث لصاحبه يحيى اليحياوي، على اعتبار أن الغرب المعرفي بصفة عامة، حتى نترك الغرب السياسي والغرب الديني.. أصبح يعيش اليوم على إيقاع ثقافة التخصص، وبالنتيجة، أصبح عاديا جدا هناك، أن تتم دعوة جيل كيبل أو فرانسوا بورغا مثلا للحديث عن "الإسلام السياسي" وليس عن شعر رامبو أو أغاني جاك بريل.
منذ سنوات عديدة، ارتأى صاحب "أسلحة العدوان الشامل"، وكما تشهد له مؤلفاته، الانخراط في ثقافة التخصص، عوض تقليد ممارسات ثقافوية قبيحة للغاية يعج بها الحقل الثقافي العربي، ومنه المغربي، ونقصد بطبيعة الحال، ثقافة التحرير في مجالات معرفية شتى، والحالة هذه أننا أمام احتمالين اثنين يفسران سر تفاقم هذه الظاهرة المرضية:
ـ إما أن الأقلام تبقى عبقرية زمانها، ونحن لم ننتبه بعد لذلك.
ـ أو أنها لا تحترم المتلقي، فهي بالضرورة لا تحترم نفسها، مما يجلب عدم احترام هذا المتلقي لما يصدر عنها، وهو ما نلمسه بالضرورة في النقد الكواليسي المخصص بما يصدر عن هذه الأقلام. وللأسف لا يخرج هذا النقد عن دائرة الكواليس، فعمرو لا يريد خسارة التبعات الرمزية والمادية " للعلاقات العامة" التي تربطه بزيد.
التحلي بحدود أدنى من الشجاعة الأدبية يدفع بنا للإقرار بأن الحقل الثقافي المريض لا يمكنه إلا إفراز الممارسات الثقافية المريضة. فلا داعي للدهشة أو الصدمة. هذه النتائج من تلك المقدمات.
حري بكاتب هذه الكلمات تذكير المتلقي الكريم بمفارقة غريبة، تقف وراء تبني تحرير بعض القراءات في أعمال يحيى اليحياوي.
لفرط ما استفزنا تواضع تعاطي الأقلام العربية مع موضوع العولمة، ارتأينا يوما التفكير في تحرير مبحث حول قضية الساعة بامتياز.
كنا مخيرين بين تبني اتجاهين اثنين في التحرير: إما التفرغ للموضوع لمدة لا تقل عن ستة أشهر، حتى نصدر مبحثا نأمل أن يضيف الشيء الجديد، وإما الاكتفاء بعرض مجموعة قراءات لمؤلفات صادرة عن أقلام عربية تعرضت لموضوع العولمة، وهو الخيار الذي أوصلنا مباشرة إلى عشرات من المؤلفات، يصب أغلبها في استعراض نماذج تفسيرية اختزالية متواضعة المضمون، كما هو الحال مع القراءات الصادرة عن الخطاب المؤدلج الفج. وكان بعضها، ولو أنه يمثل الاستثناء يشرف المتلقي العربي، لقراءات تبنت نماذج تفسيرية مركبة وصارمة في التعاطي مع الظاهرة بعيدا عن "بؤس الإيديولوجيا" وهوس الرؤى النمطية المهترئة.
كان مبحث "في العولمة والتكنولوجيا والثقافة" لليحياوي أحد هذه المؤلفات، وكان في آن فاتحة لنا للعودة إلى مجموعة من مؤلفات الكاتب حول الموضوع ذاته، وحول ملفات أخرى تنبع من نفس المجال المعرفي لتصب في نهر العولمة، ونقصد ملفات الاتصال والإعلام على وجه الخصوص.
لا يمكن لمبحث "أسلحة العدوان الشامل" أن يتعرض لظاهرة "الإسلام السياسي"، أو لأشعار نزار قباني أو أغاني ماجدة الرومي، وإلا سنكون أول من يعلن رسميا عن انضمام المؤلف لأقلام عربية لا تثمل إلا نفسها، لأنها تعتقد أنها عبقرية زمانها.
وعموما، وكما جرت العادة.. لن يصح إلا الصحيح.
منتصر حمادة
كتاب صدر
"أسلحة العدوان الشامل: تطرف القوة وعولمة الخوف"
يحيى اليحياوي
عن منشورات عكاظ بالرباط، صدر للباحث يحيى اليحياوي كتاب جديد باللغة العربية تحت عنوان "أسلحة العدوان الشامل: تطرف القوة وعولمة الخوف".
يقع الكتاب في 424 صفحة خصص الباحث الجزء الأوفر منها للعدوان الشامل الذي شنه التحالف الأنجلوأمريكي على العراق بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل وعلى خلفية من أطروحة الحرب الاستباقية على الإرهاب التي دفعت بها الولايات المتحدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من شتنبر.
ويلاحظ الباحث أن ذات الأطروحة إنما هي تجلي واضح لتطرف القوة الذي ميز الإدارة الأمريكية بداية هذا القرن وعنوان واضح لعولمة الخوف الذي اعتمدته ذات الإدارة بغرض الهيمنة على العالم وإعادة تركيبته وفق مصالحها.
يقول يحيى اليحياوي في كلمة آخر الغلاف:
" انتهت الغزوة الكبرى التي شنها التحالف الأنجلوأمريكي على العراق دونما عثور يذكر لأدنى ذرة من أسلحة الدمار الشامل التي لطالما امتطت الولايات المتحدة مسوغها لضرب العراق واحتلاله.
والحقيقة أن الولايات المتحدة كما بريطانيا كما العديد من دول العالم كانت تعلم علم اليقين أو يكاد وبالحجة والبرهان أن العراق لا يمتلك ذات الأسلحة ولا قام على إعادة إنتاجها منذ حرب الخليج الثانية.
العراق كان في فوهة المدفع مبكرا ليس كونه غزا الكويت أو كون تهديدا لجيرانه ولكن أساسا لأنه استطاع غقامة منظومة علمية وتكنولوجية بقدراته الذاتية كان من شأنها أن تضعه في صف الكبار وتفتح لأجياله سبل التنمية والتقدم.
ولئن بلغ منا الضيم شأنا كبيرا إثر وقوع العراق تحت الاحتلال الأمريكي، فإنه لا يقل ضيما في أنفسنا التناسي السريع الذي تعرض له من لدن العرب ولكأن العراق لم يعد عربيا ولا صاحب فضل على العديد من العرب الحكام قبل المحكومين.
لم يعد مستقبل العالم اليوم كامنا في خطرامتلاك هذه الدولة أو تلك لأسلحة دمار شامل من نوع ما أو بكميات ما، بل أصبح كامنا في أسلحة العدوان الشامل التي تمتلكها الولايات المتحدة دونما رقيب أو حسيب واعتزامها استعمالها ضد أصدقائها قبل الأعداء.
إنه زمن القوة الشامل التي لن يسلم من جبروتها إلا من امتلك القوة والعزيمة على مجابهتها بنفس أدواتها...".
« Armes de l’impérialisme global : fondamentalisme
de la force et mondialisation de la terreur »
de Yahya El Yahyaoui
« Armes de l’impérialisme global : fondamentalisme de la force et mondialisation de la terreur » est le nouvel ouvrage que le chercheur Yahya El Yahyaoui vient de publier en langue arabe aux Editions Okad à Rabat.
Le livre, en 424 pages, est essentiellement consacré à l’nvasion globale que la coalition anglo-américaine a menée contre l’Irak sous prétexte de la détention par ce dernier des armes de destruction massive et sur fondement de la thèse des guerres préventives mises au devant de la scène par les Etats-Unis depuis les évenements du 11 septembre.
L’auteur constate que ladite thèse n’est en fait pas seulement la manifestation éclatante du fondamentalisme de la force qui ne cesse de caractériser le comportement de l’administration américaine en ce début de siècle, mais aussi et davantage l’expression d’une tendance (de la part de ladite administration) à vouloir mondialiser la terreur pour la domination du monde et sa recomposition conformément à ses visées et intérêts.
En dernière de couverture, Yahya El Yahyaoui dit ceci : « Plusieurs mois se sont écoulés après la grande invasion anglo-américaine contre l’Irak sans qu’il y ait la moindre trace des armes dites de destruction massive que les Etats-Unis ont des années durant brandi pour envahir l’Irak et le coloniser.
En réalité, les Etats-Unis, tout comme la Grande Bretagne et la plupart des autres pays du monde savaient pertinemment que l’Irak ne dispose pas de telles armes et n’a pas tenté d’en produire depuis la fin de la deuxième guerre du Golfe ».
L’Irak, dit l’auteur, « a été très tôt mis sous le colimateur non pas parce qu’il a envahi le Koweit ou menacé ses voisins, mais parce qu’il était des pays ayant pu mettre en place les jalons d’un arsenal scientifique et technologique devant lui permettre indépendance nationale et développement économique et social ».
Une telle ambition-prétention de la part de l’Irak suffit à elle seule pour justifier sa destruction et l’aliénation de son présent et de son futur.