"اللوبي الصهيوني العالمي"

 

محمد علي سرحان, اتحاد الكتاب العرب, دمشق, أكتوبر 2001, 234 ص.

 

1- يقول المؤلف بمقدمة هذه الدراسة: إن "هذا الكتاب هو دراسة وبحث سياسي واسع عن اللوبي الصهيوني العالمي, وتأثيره مع الحلف الاستعماري على فلسطين, الذي نشأ بين مؤسس الحركة الصهيونية العالمية ثيودور هرتزل, صاحب كتاب 'الدولة اليهودية', وبين الدول الكبرى, التي كانت لها مصلحة في بعث المسألة اليهودية, وتهجيرها بالتخطيط المسبق من أوروبا إلى منطقتنا العربية، رغم أن أوروبا تتحمل مسؤولية المجازر والمحارق ضد اليهود وليس شعوبنا ودولنا وأوطاننا، لأن تلك المسألة كما يوضح هرتزل نفسه, هي ذات منشأ أوروبي بكل المقاييس, بطبيعتها وتناقضاتها وخلافاتها ومآسيها وبمساعيها الشاملة".

 

لقد أعربت معظم الدول العربية, يقول الكاتب, عن استنكارها من الدور المؤثر, الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة, ومجموعات الضغط اليهودية, التي وجدت في محاولات جر دولة عظمى إلى سياسة العداء المستمر للعرب, وحقوقهم العادلة بتشجيع سياسة إسرائيل العدوانية والعنصرية والاستيطانية: "لقد تطلع اليهود والصهاينة, إلى أدوار فعالة على المسرح الدولي, بدعم بريطانيا والولايات المتحدة المطلق, لتأمين الموارد الأولية ومناطق استثمار النفط، وطرق المواصلات الاستراتيجية، والسيطرة على الإنتاج الزراعي والصناعي منذ عام 1918".

 

ويؤكد المؤلف, على لسان العديد من العلماء اليهود, بأن المحرقة إنما هي "خدعة صهيونية لاستجرار عطف الدول الغربية الكبرى, لتأييد تهجير اليهود إلى فلسطين, ودعم الحركة الصهيونية, وخفايا العلاقة التي تربط الجستابو فرع (11/112) مع المنظمات الصهيونية (أرغون- وهاشومير وهاتسعير- وشتيرن) ومع غولدا مائير, أو مع شركة هآفارا", أو ما سواها.

 

2- يستشهد المؤلف بمؤسس الولايات المتحدة بنيامين فرانكلين, عندما خاطب المجلس التأسيسي الأمريكي عام 1789, أي بعد إعلان الدستور الأمريكي في عام 1787, قائلا: "لا تظنوا أن أمريكا نجحت في الابتعاد عن الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهي ما دامت مهددة بخطر جسيم, لا يقل خطورة عن الاستعمار نفسه، وسيأتي ذلك الخطر من تكاثر اليهود, وسوف يصيبنا ما أصاب البلاد الأوروبية التي تساهلت مع اليهود, الذين سعوا للقضاء على تقاليد أهلها ومعتقداتهم, وفتكوا بحالتهم المعنوية وشبابها, لأنهم أشاعوا الرموز والأفكار الخاصة بالماسونية الإباحية واللاأخلاقية, التي كرسوها بين النخب الحاكمة ثم أفقدوهم الجرأة على العمل, وجعلوهم ينحون باتجاه الكسل والتقاعس والفوضى"، بما حاكوه من فتن وحيل لمنافسيهم بالسيطرة على المؤسسات الاقتصادية والأمنية والمالية، فأذلوا أهلها, وأخضعوهم لمشيئتهم, وقدرات خفية أساؤوا فيها للإنسانية والتقدم البشري, ورفضوا الاختلاط بالشعوب التي يعايشونها، بعد أن كتموا أنفاسها, ولاحقوا خيرة أبنائها, وأمسكوا بزمام حياتها ومستقبلها.

 

ويوضح أن شافتسبري اليهودي الاحتكاري صاحب رؤوس الأموال الضخمة, عارض, مع أبناء آل روتشيلد وشركاتهم الواسعة, "إلى عدم دمج اليهود في المجتمع الأوروبي أو البريطاني, والدعوة إلى التحرر المدني. فهؤلاء اليهود القادمون من روسيا وآسيا الوسطى وبولونيا وهنغاريا, لا يستحقون العيش في أوروبا, لأنهم أصحاب فتن ومشاكل, تجعل أوربا المتحضرة, بؤرة فساد لهم, بكل ما يحمله الفساد من معنى". بالتالي, فإن ادعاء هرتزل إنما هو نابع من "الحلم التوراتي الديني", الممزوج بحلم صهيوني وأحباء صهيون, في التخلص من الاضطهاد والفقر الذي تعرضوا له في أوروبا في القرون الوسطى.

 

ويتابع الكاتب, من جهة أخرى, بأن "اليهود لم يكونوا منذ زمن بعيد جدا, ضحايا للحقد غير العقلاني ومعاداة السامية, بل احتلوا مراكز اجتماعية. فبعد تشردهم الثاني, تحولوا إلى طبقة وسطى ورجال نبلاء وأمراء وحاكمين بين الفلاحين والأقنان، فإن الكثير من الثورات والتمردات والانتفاضات, التي قام بها فلاحو أوروبا الشرقية (بولونيا), إنما كان ضد مضطهديهم المباشرين, أي التجار وأصحاب الأموال والمصارف من اليهود".

 

3- يقصد عادة باللوبي الصهيوني في الدراسات والأبحاث, تلك الأحزاب والمنظمات ومجموعات الضغط اليهودية/الصهيونية في داخل الولايات المتحدة وغيرها، وكيفية تعامل هؤلاء في مختلف مناطق تأثيرهم, على أنشطة الوزارات والمؤسسات الأمريكية التنفيذية والقضائية والتشريعية. إن الطائفة اليهودية الكبيرة في الولايات المتحدة, والبالغ عددها 6 ملايين تمثل 2 % من عدد السكان والمجتمع الأمريكي، ولها تأثير مباشر وغير مباشر على مجمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة في واشنطن.

 

لا شك, يقول المؤلف, إن هنالك قراءات وتحليلات متعددة حول طبيعة الأدوار التي قام بها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية في مراحل متقدمة, للتأثير على السياسة الخارجية والحربية, لكن المؤكد أنه فرض قياداته على مراكز التأثير الحساسة, ومواقع القرار مثل هنري كيسنجر، مادلين أولبرايت، وليم كوهين, وهي المراكز الأهم في صياغة القرار الأمريكي، رغم التحذيرات الخطيرة التي أطلقها بنيامين فرانكلين, حول دور اليهود الخطير في البلاد عام 1789. لا بل ويلاحظ في السنوات الأخيرة من القرن العشرين, بأن إدارة بل كلينتون هي من أبرز الإدارات الأمريكية, التي اعتمدت بشكل رئيس على تلك القيادات النشطة, في مجموعات اللوبي الصهيوني التي تتبنى الرأي الإسرائيلي وتدعمه, ومنهم وزيرة الخارجية ووزير الدفاع ومستشار الأمن القومي, إضافة إلى دينس روس مبعوث المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية، ودوره الصريح في منظمة إيباك، وفي الضغط على السلطة الفلسطينية وابتزازها.

 

إن الولايات المتحدة هي مركز الصهيونية العالمية بامتياز, يقول الكاتب، بسبب أن وجود المنظمات اليهودية الصهيونية فيها, هي الأكثر تعدادا والأضخم نفوذا من النواحي السياسية والمالية. فبات الأمريكيون من أصل يهودي, هم مالكو ومديرو الشركات الضخمة والبنوك والمصارف العالمية وشركات الاتصالات والتأمين... ومن أشهر المنظمات اليهودية نجد "يونيتد جويش إبل" و"بناي بريث" و"إيباك", وغيرها.

 

4- أما بروسيا, يؤكد المؤلف, فإن النفوذ اليهودي قبل وبعد الحرب العالمية الأولى, كان كبيرا حتى ضمن العناصر البلشفية والاشتراكية, مما يؤيد دورهم في مختلف الاتجاهات السياسية حينذاك، قبل ذلك بلغ عدد المهاجرين 2 مليون يهودي واستغلتها الحركة اليهودية والصهيونية العالمية لتهجيرهم إلى أوروبا وأميركا.

 

وقد اعتقد اليهود الروس قبل الثورة البلشفية وبعدها, بأن "الأراضي المقدسة في بلاد الشام هي أرض يهودية أخرجوا منها مشتتين مبعثرين، ودعوا لإقامة المملكة اليهودية فيها, وهم الذين كانوا يدفعون الروبل يوميا, تبرعا للمنظمة الصهيونية العالمية, كي يهاجروا من روسيا إلى الولايات المتحدة، إلا أن تبرعهم بالروبل كان يعني بالنسبة لهم الانتساب إلى حركة يهودية عالمية, تعمل بكل جهدها لإخراجهم من بلاد يقيمون فيها رغما عنهم، وهي حركة منظمة وقوية عالميا، بعد إيصال المنشورات اليهودية الصهيونية لهم, عبر الطرق السرية.

 

أما فرنسا, وعلى الرغم من أنها لم تؤيد مشروع هرتزل لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين في البداية، بسبب خوفها من ردود الفعل العربية ضدها في المشرق والمغرب العربي، فقد استمرت الضغوطات الصهيونية متعددة الأشكال عليها, لإبقاء المصالح اليهودية متشابكة مع مصالحها في المناطق العربية، وللتقرب أكثر فأكثر من الأراضي المقدسة...وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير.

 

5- بالأزمنة الحاضرة, يقول الكاتب متحدثا عن التطبيع: "ما من شك أن التطبيع أو الانفتاح الاقتصادي الذي قادته ولا تزال العقليات الاقتصادية للرأسمالية اليهودية العالمية, يستهدف بشكله العام استجرار الدول العربية منفردة ومجتمعة، إلى وقائع سياسية واقتصادية وثقافية لا بل وديموغرافية جديدة، خاصة بمشاريع لها أبعادها الاستعمارية الخطيرة, وهدفها الربط الاقتصادي، مع المركز الاحتكاري العالمي وبالربيبة الإقليمية المركزية، وبخاصة أنه لا يمكننا بأي شكل من الأشكال فصل الرؤى الاقتصادية عن الآفاق السياسية أو الاستراتيجية الخطيرة, مثل قضايا المياه والمستوطنات والهجرة اليهودية، وإشراك إسرائيل في مياهنا وخيراتنا, بمشاريع مشتركة زراعية وكهربائية وسياحية، ولا يوجد عاقل في الوطن العربي يستطيع أن يفصل بين الاقتصاد والسياسة, فكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض, برابطة لا تنفصل".

 

إن العرب من المحيط إلى الخليج, يقول الكاتب, عاجزون عن إنتاج وقائع سياسية جديدة, بوجه المخططات الصهيونية الخارجية ومن يتحالف معها. بالتالي, فهم غير قادرين على "إنتاج وقائع اقتصادية أو سياسية أو استراتيجية عربية متكاملة, بوجه الأخطبوط الإمبريالي الصهيوني, التي تؤثر على الأمن القومي العربي ومستقبله. ولا تزال فكرة السوق العربية المشتركة تساور البعض في أحلامهم, وهم يدركون أنهم يملكون المقومات الجوهرية التي يحتاجون إليها, والقرارات المتخذة كثيرة, لكن على أرض الواقع والفعل, نجد اللامبالاة والإرهاصات التي ضربت بالعمق التضامن العربي، بالتآمر المثير على بعض الدول العربية, تحت حجج وأكاذيب تسوقها لها الولايات المتحدة وإسرائيل, لضرب القلعة العربية من داخلها, وهضم عرى الوحدة العربية. فإذا كانت القرارات المتخذة بشأن السوق العربية المشتركة, أو التضامن العربي, قرارات فوقية, بل موسمية, فإن خلق واقع عربي جديد يدعم البنى التحتية الاقتصادية والسياسية, ودعم روح الديمقراطية والسير باستراتيجية متكاملة, هي أجزاء هامة من محطة المواجهة التي حاول قطار التطبيع اختراقها, والوصول إلى العمق العربي من خلالها، رغم الإمكانيات الواسعة للوطن العربي في مواجهة المشروع الإسرائيلي برمته".

 

والأخطر من ذلك, يقول الكاتب, أن الولايات المتحدة تحاول الضغط على دول المنطقة لقبول إسرائيل كدولة اعتيادية, بين دول المنطقة, وعلى أساس من تأسيس جامعة الشرق الأوسط بدلا من الجامعة العربية, مثلها مثل أية دولة أخرى, مثل تركيا وإيران وباكستان, مع الفارق الكبير أن تلك الهوة موجودة تاريخيا جيلا بعد جيل, بينما إسرائيل دولة استعمارية استيطانية طارئة, لإغفال الحقوق المشروعة. لا تكتفي واشنطن بذلك بل وتسعى لفرض تصوراتها على العالم العربي وبخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتمرير السلع والبضائع الصهيونية، وتعامل أفرادها وشركاتها وتوسيع نطاق نشاطها التجاري والصناعي والمصرفي دون اعتراض.

 

ودليل الكاتب على ذلك, أنه "في فترة إدارة الرئيس الأمريكي بل كلنتون, أثر اللوبي الصهيوني بشكل ملحوظ وواضح, على الإدارة الأمريكية وبخاصة في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية والعالم، ولعبت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت باعتبارها يهودية تشيكية، سياسة خلط الأوراق وكسب الزمن في العملية السلمية، ولم تتقدم تلك العملية خطوة واحدة منذ اتفاقية مدريد ومنذ اتفاقية أوسلو، وشكلت السياسة الأمريكية الخارجية استمرارا لخداع وتضليل دول وشعوب المنطقة, لصالح الكيان الصهيوني وحكامه، لا بل ضغطت أولبرايت عبر مبعوثها على الجانب الفلسطيني, لكي يقدم مجموعة تنازلات خطيرة, تؤثر على مصير الشعب الفلسطيني ومستقبله.

 

6- إن ما يقوي الجانب الصهيوني أكثر, إنما اتكاؤه على دولة تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة الذرية، تقدرها معظم المصادر بأكثر من 200 قنبلة نووية على شاكلة قنبلتي هيروشيما وناغازاكي, يمكن لإسرائيل أن تستخدمها في حالة ما يسمى بـ "الردع النووي". وقد كان للولايات المتحدة دور كبير, ومنذ إنشاء إسرائيل, في تقوية جانب الردع لديها, من خلال التبادل الواسع وغير المحدد بينهما, في تبادل المعلومات, وتزويد الولايات المتحدة لإسرائيل بالمستجدات العسكرية المتطورة, على الرغم من دعوات دول حوض البحر الأبيض المتوسط, في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط العربي, لجعل هذه المنطقة خالية نهائيا من السلاح النووي وسباق التسلح العسكري، لصالح مشاريع اقتصادية وإنمائية سلمية.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 18 يونيو 2009