في معوقات الانتقال الديموقراطي بالمغرب: لوبي التلفزة نموذجا 

يحيى اليحياوي

 

 

لو جاز لنا استقراء الآليات الكبرى التي اشتغلت (وتشتغل) وفقها ولربما على أساسها شبكات التلفزة بالعالم لاستقرأناها، دون مجازفة كبرى، على خلفية من موقعها ضمن ثالوث السلطة والمال والرأي العام أو عطفا على موازين القوى التي قد تكون ذات الشبكات إما عاكسا لتجلياتها أو مساهما في صناعتها أو جزءا من تركيبتها.

 والواقع أنه من موقع التلفزة داخل الثالوث إياه ومن تموقعها داخل موازين القوة المتواجدة يبرز دورها ومفعولها كقوة ضغط أو " ينكشف سرها" إن كانت مرتهنة المسار، مرهونة القدرة.

إذ بقدر مستوى "استقلالية" ذات الموقع تتأتى حتما درجات الضغط والتأثير، وبقدر حجم قوة كل مكون من مكونات الثالوث، بقدر سعة هامش الفعل والتفاعل المتطلع لموسطة التلفزة وتوظيفها، أعني المتطلع للتحكم في دواليبها وارتهان أدوات اشتغالها المادية منها والرمزية.

 

قد لا يسعنا المجال هنا (ولا يسعفنا التكوين أيضا) للحديث في مركب الثالوث المذكور، في علاقته بالتلفزة أو تقاطبه وتقاطعه معها، فذاك أمر هو إلى سوسيولوجيا الإعلام وعلم النفس وغيرها أقرب إلى الاجتهاد على خلفية من ملاحظة واقع الحال واستنباط الآية من اشتغال أداة وجهاز وفق منطق دون آخر أو على أساس مسوغ دونما غيره من المسوغات.

 

ووجه العسر في ذلك لا يتأتى فقط من كون التلفزة (ووسائط الإعلام الأخرى بوجه عام) هي بحق مكمن أكثر من حقل معرفي ومصدر أكثر من تصور، ولكن أيضا وبالأساس كونها مصب أكثر من مصلحة ونقطة التقاء أكثر من رهان قد يتعذر في خضمها استجلاء الآني من المستقبلي أو التكتيكي من الاستراتيجي.

 

من الوارد إذن (من الثابت يقول البعض) أن تكون التلفزة لا مجال اختلاف في الرؤية وخلاف في الرأي فحسب، بل كذلك فضاء تجاذب للمصالح والرهانات، مصالح ورهانات من يرى في الجهاز إياه مصدر إزعاج وفضح (بالتالي وجب ارتهانه وارتهان الفاعلين فيه) وبين من يرى فيه سبيلا من سبل الفعل في المجتمع بجهة توعيته وتثقيفه وتقديم قيم الديموقراطية والمواطنة من بين ظهرانيه (بالتالي توجبت وتتوجب شروط دعم استقلاليته واستقلالية القائمين عليه تصورا وتسييرا).

 

من الملاحظة أعلاه يتسنى التمييز (ولو أوليا) بين التلفزة (والعمل التلفزي) كجزء من بنية تشتغل من منطلق كونها قوة ضغط تستقطب الفضاءات الأخرى لصالحها، وبينها كبنية إن لم تكن قوة ضغط قائمة فعلى الأقل تحتكم إلى القابلية في ذلك حينما تكتمل الشروط وتتوفر العزيمة والأرضية لذلك.

معنى ذلك إجمالا أنه لو سلمنا بوجود قوة ضغط تلفزي (وإعلامي بصورة عامة) بدولة ما أو ببلد ما، فليس معناه أن التلفزة قد تخلصت من قوى الضغط المحيطة بها (السياسية والاقتصادية والمالية وغيرها) ولا كونها أصبحت سلطة قائمة بذاتها، ولكن لأن مجال اشتغالها قد اتسع جراء (ونتيجة) اتساع الفضاء الديموقراطي من حولها، أي فضاء توازي السلط ورقابة بعضها على البعض الآخر.

ومعناه أيضا أن غياب قوة الضغط إياه لا يتم، في فضاءات جغرافية أخرى، عن لا جدواها  الفعلية أو اختلاف تربة الاشتغال، ولكن أيضا وبالأساس لأن ذات القوة تستمد أصولها وجذورها من ضيق الفضاء الديموقراطي الذي من المفروض أن تمنحها سعته إمكانات التجسد وسبل التمأسس.

والقياس على ذلك هو، نهاية المطاف، من القياس بين التلفزة كقوة ضغط قائمة وبين كونها جزءا من قوى الضغط المحيطة بها، المرتهنة لدورها والراهنة لإمكانات فعلها وتأثيرها.

 

لن يكون من المجازفة في شيء القول، بناء على ما ورد، إن تقدم قوة ضغط التلفزة إنما هو وبالأساس من تقدم الفضاء الديموقراطي، من تجذير قيمه ومن تعميق الممارسة المنبنية على تمثلاته للشأن العام، أعني تمثلاته لدمقرطة تسيير ذات الشأن.

والحقيقة أن طرح الإشكال بهذه الصيغة يستوجب، بداية الأمر ونهايته، تحديد مسألتين جوهريتين رفعا لكل التباس في الرؤية وتجنبا لكل تكاثر في زوايا التأويل:

 

- المسألة الأولى وتتمثل في القول إن لوبي التلفزة (والإعلام بوجه عام) إنما هو نهاية المطاف أمر نسبي يخضع لمقاييس التقييم المعتمدة ومضمون المصطلح ذاته، مصطلح اللوبي كقوة ضغط.

وعلى هذا الأساس، فإذا كانت الشبكات التلفزية بالدول الديموقراطية الكبرى قد ضمنت (إلى حد كبير) استقلالها عن رهانات السياسي (بما هو بنية فوقية لها مصالحها ورموزها وإيديولوجيتها)، فإن ذات الاستقلال يبقى مستصدرا (لحد الغبن أحيانا) جراء رهانات بنى الإنتاج التحتية التي تدفع بها قوى المال والاقتصاد والتجارة إما مباشرة عبر تملكها تلك الشبكات (أو بعضا منها) أو بطريقة غير مباشرة عبر تكتيك الإعلان الذي تتحكم فيه والذي لا مندوحة لشبكة ما عن سلك طريق استجلابه.

ليس التلميح هنا فقط لميزانيات الإعلان التي تعتمدها البنى إياها وتهافت الشبكات على جذبها، بل أيضا إلى تفريع الأنشطة التي تعمد إليه تلك البنى ويكون ضمنه وفي أولويته إقامة شبكات خاصة...هي إلى الناطق الرسمي للشركة الأم أقرب منه إلى قنوات تلفزية قائمة الذات ومستقلة.

 

- المسألة الثانية وتكمن (بدول العالم الثالث عموما وبالمغرب بوجه خاص) في قوة اللوبي الفاعل من خارج التلفزة (وبداخلها أيضا) لجعل هذه الأخيرة لا جهازا قائما بذاته (أو مستقلا) في تصوره واشتغاله بل جزءا من جهاز هو القائم وهو المشروع فضلا عن ذلك.

بالتالي فما دامت التلفزة إياها محكومة بمنطق السياسي، مرتهنة إليه، فهي لم تستطع تكوين بنيتها بانسلاخ عن ذات المنطق، ولم يتسن لها بناء تصور يجعلها سلطة موازية لا مكونا من مكونات السلطة القائمة (والسياسية بالأساس على اعتبار ضعف البنى الأخرى.

لوبي التلفزة (أعني اللوبي الذي لا مصلحة له في تغيير ذات البنى) هو بناء مركب يندغم في صلبه السياسي والاقتصادي ويعتمل في داخله المادي بالرمزي وينصهر من بين ظهرانيه الآني بالمستقبلي سيان عنده الطاغي نهاية المطاف.

 

من الهين إذن الاعتراف بأن الفارق بين المسألتين هو أصلا وبالأساس من الفارق بين التلفزة كلوبي وبين كونها مكمن لوبيات، أي بين كونها قوة ضغط (مع نسبية الحكم) وبين كونها مركزا لقوى الضغط التي لقيت في "الوسيلة التلفزية" سبيلها للتظاهر بالوطنية أو الغيرة على البلاد أو بالانفتاح.

من البديهي، بناء على ذلك، أن تستأثر باهتمامنا مكونات المسألة الثانية ليس فقط كون الأولى متعسرة المنال في الزمن الحاضر، ولكن لأنها (أعني المسألة الثانية) هي المدلل على رهانات واقع الحال السائد والمبين لحسابات الفاعلين في ذات الواقع.

والحقيقة أننا بالمغرب بازاء لوبي بالتلفزة (وبالإعلام بوجه عام) أكثر ما نحن بازاء لوبي تلفزي إن لم يكن يوازي باقي السلط القائمة فعلى الأقل لا يخشى جبروتها أو يتحفظ في التعامل معها.

 

هناك أربع قضايا كبرى (لم يفتأ المغرب يعيشها بقوة منذ بداية الستينات) ولم يسمح اللوبي القائم بالتلفزة إن لم يكن للبناء لها والمأسسة، فعلى الأقل للترويج لها خطابا والدعاية لها صورة وصوتا:

 

- القضية الأولى: قضية الديموقراطية بالمغرب، إذ من الثابت أن التلفزة (باعتبارها جزءا من بنية لا بنية قائمة بذاتها) لم تكن مهووسة يوما بالإشكال السياسي عموما والإشكال الديموقراطي على وجه التحديد ليس فقط كونها " لم تكن مجال اشتغالها"، ولكن أيضا وبالخصوص لأن الإشكال الديموقراطي ذاته لم يكن مطروحا بالجدية الكافية منذ مرحلة الاستقلال، وإن طرح فغالبا ما يطرح من باب التوظيف الإيديولوجي أو التنميط الشكلي لأغراض لاسياسية في أغلبها.

التلفزة بالمغرب بقيت إذن (ولاتزال) بوقا للسلطة تغطي أنشطتها ورسمياتها وتعظم إنجازاتها وترفع من قيمة القائمين على ذات المنجزات أو المشرفين على ذلت الأنشطة.

لم يكن الرهان الديموقراطي بالتلفزة في المغرب من الأمر المستبعد فحسب، بل كان أيضا من اللامفكر فيه أو يفكر فيه (منذ بداية التسعينات أساسا) من منطلق ما تمليه النخبة الحاكمة وتدفع به على مستوى الخطاب.

اشتغال اللوبي بالتلفزة إياها (من خارجها ومن داخلها) لم يوقف وجه التطور الطبيعي للديموقراطية بالمغرب فحسب، بل أعاق ذات التطور أيما تكن الإعاقة.

قد يسهل التحاجج احتكاما إلى تسلط وزارة الداخلية على التلفزة لأكثر من عقد من الزمن، وقد يسهل أيضا بالرجوع إلى تعثر التطور الديموقراطي ذاته (لأسباب شتى)، لكن التحاجج الصائب، في اعتقادنا، إنما يكمن في غياب المشروع المجتمعي (تغييب أعني) الذي من الواجب والمفروض البناء عليه لإقامة مشروع تلفزي (كجزء من مشروع إعلامي عام).

الحاصل إذن أن الإشكال الديموقراطي (في راهنيته وضرورته) لم يعرف الحسم، بالتالي بقيت التلفزة بما هي جزء لا يتجزأ من السياسي محكومة بخيارات هذا الأخير وتذبذب القرارات بشأنه (بما فيها تلك التي طالت في زمن ما مظاهر التراجع والردة).

 

- القضية الثانية وتتمثل في الإشكالية الاقتصادية التي لم يفلح "المغرب المستقل" في صياغتها الصياغة المثلى أو "حبك خيوطها" اعتبارا لواقع الإنتاج ومكامن التصريف.

لم يكن مطلوبا من التلفزة (أعني من القائمين عليها) أن تحدد توجهات التنمية الاقتصادية ولا طبيعة النموذج الواجب اعتماده، بقدر ما كانت مطالبة بعكس واقع حال سائد قياسا إلى "النموذج" الذي من المفروض الدفع به والترويج له (من قبيل توزيع الأراضي لا تركيز الاحتكار بها...ومن قبيل بناء مركبات صناعية بدل " تصدير التراب" واستيراد مشتقاته بالعملة الصعبة).

الثابت أن الخيارات الاقتصادية الكبرى لأكثر من أربعة عقود لم تتوجها خيبات أمل كبرى فحسب، بل فرضت على المغرب نهاية المطاف رهانات ضخمة لم تحسب لها النظرة الضيقة حينه كبير حساب.

 

لم تبرز التلفزة بالمغرب (أعني اللوبي القائم عليها) هفوات الاختيارات إياها بقدر ما اعتمدتها كنتاج سياسات متبصرة (لاحظ تعاملها مع السدود ولاحظ أيضا تعاطيها والاختيارات الليبرالية المتطرفة التي واكبت برامج التقويم وغيرها).

بالتالي فلوبيات المصالح الحيوية، وإن لم تكن "غريبة" عن ذات الاختيارات ولا بمنأى عن ذات الخيارات، فإنها استوظفت لذاتها (وإن بمستويات متباينة) "الوسيلة التلفزية" لإبراز صواب الاختيارات إياها وحكمة الخيارات المعتمدة. بمعنى أن التلفزة لم تكن عنصرا في "النقاش حول النموذج الواجب اعتماده" اقتصاديا بالمغرب، بقدر ما كانت رافدا من روافد من له سلطة القول- الفصل في ذلك أي النخب الحاكمة بالأساس.

من الوارد أن يكون اللوبي إياه أضعف قدرة قياسا إلى شرعية السياسي المتمرس، لكنه يبقى مع ذلك ولا يزال إحدى "جيوب المقاومة" التي ما فتئت "حكومة التناوب" تشكو منها وتستهجن تواجده.

 

- القضية الثالثة ونعني بها القضية الثقافية وفي صلبها الإشكال اللغوي، أعني إشكال التعدد اللغوي.

والمقصود بالقضية إياها، بارتباط والتلفزة بالمغرب، إنما يكمن في القول بأنه بقدر تعذر حسم الإشكالية الثقافية (أي ثقافة نريد؟ حداثية أم تقليدية؟) بقدر تعسر حسم الإشكالية اللغوية من منظور أي لغة نريد وبأي رموز نود التخاطب.

وهما تساؤلان وجيهان لا على اعتبار طغيان اللغتين والثقافتين (العربية والفرنسية) ولكن أيضا باعتبار التساؤل في مصدر الهوية والخصوصية التي تطرحها النخب المثقفة بارتباط والأمازيغية والإسلام وثقافات (ولغات) العصر وغيرها.

قد لا تقل المسألة تعقيدا لو استحضرت في هذه الحالة أو تلك، ضروب الأدلجة والتنميط التي غالبا ما تندرج في سياق الفرنكوفونية أو تقدم على أساس كونها هيمنة ثقافية (العربية بالنسبة للأمازيغ مثلا)، وقد لا تنحصر القضية الثقافية (وضمنها المسألة اللغوية) في تقديم ثقافة أو لغة على أخرى أو تمييز خصوصية على حساب أخرى، بقدر ما تطال "الحق في الاختلاف" التي تعتبر الثقافة (واللغة) لا حاميه فحسب بل أيضا خلفيته الكبرى وجوهره الأسمى.

 

لم تعمل التلفزة بالمغرب (أعني اللوبي القائم عليها) على تبيان عناصر الإشكال قدر ما ساهمت في تعميق التباينات وتجذير التميز، وإلا فما الآية من طغيان اللغة الفرنسية (المرتكزة على تصور من الفرنكوفونية) في حين لا تقدم اللغات (أو اللهجات) الأصلية إلا في إطارها الفولكلوري ولا تستحكم فضلا عن ذلك إلا على " نشرة" للهجات يتيمة ومرتجلة.

 

الحاصل إذن أن حسم الإشكال الثقافي (وضمنه اللغوي) بالمغرب لم يكتب له القيام والتمأسس (كي يبني على أساسه في التلفزة)، بل تعذر الحسم إنما تأتى من ضغوط قوى محيطة لم تر في حسم الإشكال إياه تقديما لمصالحها أو خدمة لأهدافها.

بالتالي بقي "المشروع التلفزي" على هذا المستوى معلقا (ولا يزال) إلى حين حسم الإشكال إياه أي الفصل في أمر أي ثقافة نريد وبأي لغة (أو لهجة) نريد الترويج لها.

 

- القضية الرابعة وتتعلق بالمسألة الإعلامية على اعتبار إحالتها على أكثر من حقل معرفي وارتباطها وآليات اشتغال الحقل الإعلامي ذاته.

الإشكالية الإعلامية بالمغرب (وفي عمقها الإشكال التلفزي) لم تكن يوما مكمن رهان النخبة الحاكمة لا فقط على اعتبار طغيان البعد الأدواتي بذات الإشكالية ولكن أيضا بحكم تقاطعها وباقي الأبعاد المتحدث فيها أعلاه.

بالتالي فتحديد الرؤية إزاءها (أعني إزاء الإشكالية الإعلامية) بقي مرهونا باستحضارها أولا إزاء الإشكالات الأخرى، وفي مقدمتها الإشكالية السياسية.

 

ولما كانت المسألة الإعلامية نقطة التقاء كل تلك المستويات، فإنها بقيت معلقة الحال والمآل جراء تعليق حال ومآل المستويات إياها أو في أحسن الأحوال غير محسومة التوجه والاتجاه.

لم يكن من مصلحة أحد إذن حسم الإشكالية الإعلامية ليس فقط كونها متعذرة المكونات،  ولكن أيضا بحكم تغييب الأرضية (المادية والرمزية) التي من المفروض أن تبني عليها وتؤسس.

 

هذه القضايا الكبرى (السياسية والثقافية-اللغوية والاقتصادية والإعلامية) هي التي ارتبط أمر حسمها بتواجد قوى الضغط داخل المؤسسات وخارجها، بطريقة مباشرة أو بوسائل الفعل غير المباشر.

 

لسائل أن يسأل: هل قوى الضغط إياها (بهذه المؤسسة أو تلك) هي من التنظيم والهيكلة والتناسق ما  يجعل استخدام مصطلح لوبي واردا أو مبررا أو مستساغا؟ أليس الأمر مجرد إسقاط مفهوم أجنبي على ممارسات تتعدى مضامين المصطلح ذاته عنفا وتصلبا؟

وهو تساؤل صائب على اعتبار أن مصطلح اللوبي ذاته قلما يوظف في الأدبيات بالمغرب فحسب، ولكن أيضا لأن قوى الضغط الممارسة تحت مسوغته هي في الآن نفسه طرفا وحكما.

والسر في ذلك إنما يكمن في أن النخب الحاكمة التي توالت على تاريخ "المغرب المستقل" التحمت في جسمها وذهنيتها مصادر القوة المادية وسبل الضغط الرمزية تستوظفها تارة للدفاع عن ذات المصادر والسبل وتدفع بها تارة أخرى لتسويغ "شرعيتها" والدود عنها.

 

الثابت بالمغرب، منذ مرحلة الستينات وإلى وقتنا الحاضر، أن قوى الضغط (بالتلفزة وبغيرها)  هي في آن معا أقرب إلى التهيكل المؤسساتي في جانب منها ويمكن استشفافها من التحديات الكبرى في جانب آخر.

 

إذا كان مثال الحالة الأولى يتجلى في عملية إلحاق التلفزة بمؤسسة أمنية وإخضاع آليات اشتغالها لمنطق "الهاجس الأمني"، فإن نموذج الحالة الثانية إنما يستقى من حالات المنع والإقصاء و"الوأد الإعلامي" التي لحقت بالرأي الآخر والفكر الآخر وغيرهما.

الضغط (لدرجة العنف) في الحالة الأولى بين وجلي جراء قيام رجال من السلطة على المؤسسة التلفزية تصورا وتسييرا، بينما يبقى الضغط إياه في الحالة الثانية نتاج ضغوطات وإكراهات لا تعمل التلفزة إلا على عكسها وترجمتها بالصوت والصورة.

من البديهي إذن أن نلاحظ أن مضمون اللوبي (بالمفهوم الغربي للكلمة) يبقى غير وارد ليس فقط لاختلاف التربة وتباين التركيبة ولكن أيضا وبالأساس كون " قواعد لعبته" بالمغرب لا تحترم... ومقاييس فعله لا تعتمد.

 فوظيفته بالديموقراطيات الكبرى لا تتعدى الضغط والتأثير (للحصول على امتياز أو لتقديم مشروع) بينما تتجاوزه بالمغرب لتتحول إلى فرض وعنف واستصدار (لابتزاز مؤسسة أو مصادرة رأي).

 

قد يجوز الاعتراف بأن قوى الضغط الكبرى مهيكلة ومنظمة ومعروفة (أحزاب، منظمات، مجتمع مدني)، لكن قوى الضغط الحقيقية (ذات الخلفية الاقتصادية والثقافية والسياسية) تبقى غير ظاهرة للعيان وطبيعتها غير محددة، لكنها تبقى مع ذلك محسوسة وآثار فعلها قابلة للتقييم.

 

فالاشتغال وفق منطق الهاجس الأمني بالتلفزة بارز جلي لو نحن تأملنا الشبكة البرامجية منذ أكثر من حوالي أربعة عقود أو تفحصنا سير القائمين على الشبكة إياها في فعلهم وتفاعلهم والعمل التلفزي... والاشتغال على أساس من إرضاء جهة (لها القول-الفصل) في حاضر المغرب ومستقبله أمر واضح تماما كما هو واضح أمر التستر على ممارسات لا مشروعة لم يسمح للتلفزة بالحديث فيها أو فضح الذين كانوا وراء تفشيها أو اختراقها لأكثر من فضاء.

 

هناك بالمغرب ما يمكن تسميته ب"مركب قوى الضغط" تندغم في صلبه، بأشكال مختلفة، مصالح السياسة باعتبارات الاقتصاد والمال وبشتى ضروب التأثير الرمزي والعنف اللامادي.

هو مركب ذو طبيعة متباينة وتمثلات مختلفة لقضايا الشأن العام، لكنه محكوم في خلفيته بمدى وحجم الموارد المادية واللامادية المتطلع لاكتسابها والحيلولة دون إمكانيات اقتسامها مع الآخر.

 

التلفزة بالتالي لا سلطة لها تذكر في هذا المقام ما دامت مخترقة من لدن أكثر من سلطة وما دامت مستهدفة من طرف أكثر من جهة: هي إذن إلى مركز للوبي أقرب منه إلى مكمن قوة الضغط الذي يدفع به لوبي التلفزة بالدول الديموقراطية.

 

لرب متسائل يقول: وما وجه النشاز في ذلك ما دامت التلفزة إياها جزءا من بنية لوبيات تعارف المغاربة على مكمنها وسبل اشتغالها، وفقهوا فضلا عن ذلك طبيعتها وأدوات فعلها واعتمالها؟

وهو استفهام معقول، لكنه يبقى مع ذلك محدود النظرة لواقع الحال، إذ التلفزة بالمغرب لم تكن يوما (ولربما لم يرد لها أصلا) أن تكون انعكاسا لذات الواقع أو قاطرة باتجاه تغييره أو تعرية نواقص التطور من بين ظهرانيه.

 هناك ما يشبه "الاستقلال التام" للتلفزة على واقع الحال وإقصاء ممنهجا "لضغوطات الرأي العام" ولكأني بهذا الأخير وحدة من الوارد التسليم بضعف قوة الرأي العام بالمغرب على اعتبار صعوبة تحديد مجاله وغياب الهيكلة في تنظيمه، لكنه متواجد قياسا إلى وقائع عامة ومواقف قائمة، وإلا فما السر في سخط "شرائح اجتماعية" واسعة إزاء الشبكة البرامجية للتلفزتين الممارستين؟ وما السر وراء استهجان "البرامج الثقافية" و"النشرات الإخبارية" و"السهرات الفنية" وغيرها بما فيها الرياضة التي لا تتوانى القناتان في تقديمها واجترارها لدرجة التقزز والاشمئزاز؟

وما السر، فضلا عن ذلك، من وراء منع فنانين ومثقفين وأصحاب رأي لهم في الفضاء العام "شعبية واسعة" ومصداقية عالية؟

أو من الضروري أن تنتظم أطراف الرأي العام بالمغرب في مؤسسات وجمعيات ومنتديات حتى يتم الاعتراف بوجودها والتسليم بمفعولها؟

قد يجوز، لكن الثابت بالتجارب المتوفرة أن الرأي العام يصنع في جزء كبير منه عبر جر تلك "الشرائح" إلى الأعلى (أعني الإعلاء بذوقها ودرجات نضجها) أكثر مما يتم عبر النزول بها إلى الأسفل أي إلى تجاهلها والاشتغال على أساس من تغييبها... وهو ما عانت منه إشكالية الرأي العام في المغرب لعقود خلت.

 

لو كان لنا أن نختزل نتائج ما ترتب عن أربعة عقود من ممارسات اللوبي بالتلفزة، من حولها وفي محيطها، لاستوقفتنا ثلاث حقائق هي إلى ملاحظة واقع الحال أقرب منها إلى أي محاولة تنظير الزمن الراهن:

 

+ الحقيقة الأولى أن ممارسة اللوبي إياه إنما كان من ضمن إفرازاته كونه خلق بالمغرب تلفزة للسلطة عوض أن يمأسس لسلطة تكون التلفزة مركزها لا كمؤسسة مستقلة فحسب بل أيضا وبالخصوص كنواة لسلطة رابعة، للوبي له من الضغط والتأثير ما لسواه من السلط القائمة ولربما أكثر.

التلفزة تحولت جراء " لوبيات المغرب المستقل" من طبيعتها كسلطة للكلمة والرأي إلى جهاز يستصدر الكلمة والرأي طالما لم ينصهرا في كلمة السلطة، سيان أكانت هذه الأخيرة سياسية أم اقتصادية أم ثقافية أم غيرها.

 

هذا الواقع، واقع استصدار التلفزة من لدن اللوبي، لم يسئ إلى هذه الأخيرة فحسب بقدر ما طالت إساءته عناصر التكريس الديموقراطي ذاته بما هو صيرورة تاريخية يعتمل بداخلها أكثر من عنصر تكون التلفزة إحداها.

بالتالي فتصنيف التلفزة بالمغرب كعائق للديموقراطية هو من الأمر المسلم به وقد يكون من تحصيل الحواصل.

 

+ الحقيقة الثانية أن ممارسة اللوبي بالتلفزة (في محيطها ومن خارجها) لم تنجح فقط في تغييب قضايا المغرب الحديث وتهميش المطالبين بتدارسها، بل نجحت أيضا في تمييع ذات القضايا وطرحها في الميدان العام بما يتوافق ومنظور رأي النخب القائمة ويتناسب وتمثلها لمكمن مصلحتها ومستقبلها.

 

ومعنى ذلك أن الإشكال الديموقراطي (أو الثقافي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو غيره) إن طرح فلا يطرح في خلفية المروجين له أو في أبعادهم من ذلك إلا بقدر ما يقدم وتصور النخبة لذات الإشكال: تصور لا ينبني على ضرورة توزيع الثروة والسلطة (المادية والرمزية) بل يرتكز على القبول بتمركزها واحتكارها. بالتالي يصنف الفكر المناهض للتصور إياه ضمن منظومة "نظرية المؤامرة" أو (في حالات التخفيف) ضمن ضروب "الحقد الطبقي" اليائس واليائس...

 

لم تسمح اللوبيات القائمة بالمغرب للتلفزة أن تبرز يوما أن مكامن الصراع والممانعة القائمة إنما مصدرها ومنبعها لا عدالة توزيع الثروة المادية والسلطة الرمزية (السياسية بالأساس) بين أبناء الوطن على أساس من الإنصاف والاعتراف: التلفزة بالمغرب كانت ولا تزال أداة الأقوى والمهيمن والمحتكر والمرتزق نهاية المطاف. ولم تكن يوما (ولا أريد لها ومنها) أن تكون موسطة لعلاقة الحاكم (للنخب أعني) بالمحكوم (للرأي العام تجاوزا).

 

+ الحقيقة الثالثة أن ممارسة وقوة اللوبي في التلفزة ومن حولها هو من التجدر والتمأسس لدرجة لم تستطع معه العزائم أن تصمد ولا النوايا أن تتجسد.

ليس التلميح هنا إلى تعاقب الحكومات باستمرار "مؤسسة الداخلية" ولا إلى قارية المشروع القائم بقارية القائمين عليه، ولكن أيضا إلى " تحديه" لتجربة التناوب وتحديه لنوايا الدافعين بطرحها.

لم تصطدم التجربة إياها بتفشي قوى اللوبي وانتشارها العنكبوتي بكل مصادر الخبر والإعلام فحسب، بل اصطدمت بتصور لا يرى في التلفزي (والسمعي- البصري بوجه عام) إلا كونه جزءا من السلطة، خادما لها، مرتهنا برهاناتها ومؤتمرا بأوامرها.

من هنا فالتصور إياه يتجاوز (شكليا على الأقل) برامج الأحزاب ووعود الحكومات، بالتالي وجب التسليم به والإيمان بحتميته والاشتغال على أساس من كونه لا يخضع " للمزايدات".

 

على خلفية كل ذلك يأتي عجز التناوب إزاء "الملف الإعلامي" وعلى خلفيته أيضا يأتي طابع الاستمرار (تصورا وتسييرا) التي كانت التلفزة لأكثر من ثلاثة عقود مكمنه وهدفه وبقيت على ذلك دون أدنى شك إلى حين رحيل الملك الحسن الثاني.

 

ما المأمول فيه على المستوى التلفزي خاصة والإعلامي عامة زمن العهد الجديد؟ ما المطلوب أعني؟

لو كان لنا أن نبدي النصح للعهد الجديد لركزنا في ذلك على ثلاثة أمور:

 

- ضرورة العمل على تفكيك البناء التلفزي (تصورا وتمثلا وتسييرا) الذي عملت لوبيات المصالح (المادية والرمزية) على تجديره بالتلفزة، بين ظهراني القائمين عليها (مسؤولين وصحفيين) وضمن نظرة تستهجن المستقبل لصالح واقع الحال.

 

- ضرورة العمل على استنبات ثقافة تلفزية جديدة يكون عمقها المرفق العام وامتدادها خدمة "شرائح الرأي العام" الذي من واجب الثقافة إياها تتبعه والعمل على أساس من تطلعاته وآماله.

 

- ضرورة تحديد الرؤية الواضحة للبناء التلفزي والثقافة التلفزية في أفق إقحام التلفزة في رهانات التغيير المفروضة من حولنا ومن بين جدرانينا.

 

هذه الأمور الثلاثة لا يمكن تستقيم في نظرنا إذا هي لم تؤمن ضد ضروب الردة التي قد تدفع بها اللوبيات، ولا يمكن أن تقوم إذا لم تحدد معالم المشروع المجتمعي الذي نريد، ولا يمكن، فضلا عن ذلك، أن تتجسد إذا لم يترجم صدق العزيمة إلى سياسات من مستوى تلك التي اعتمدتها دول عديدة لولوج القرن المقبل. 

مجلة " وجهة نظر" ، فصلية، العدد 5 ، خريف 1999