" ما بعد التلفزة"

 

 

 

ليس من شك في أن ما يعرفه مجال البث التلفزيوني في الثلاثة عقود الأخيرة، من تحولات جذرية وعميقة، إنما مرده ثلاثة سياقات كبرى من المهم هنا التوقف عندها بعجالة، كونها تفيد المعنى، معنى ما يبدو لنا أنه مستقبل التلفزة في العالم:

 

+ السياق الأول سياق تقنو/اقتصادي صرف، ويحيل بالجملة والتفصيل على تراجع عامل الندرة الذي لطالما طبع التكنولوجيات التشابهية، وجعل العرض التلفزيوني جراءها محصورا من الناحية التقنية، ومحدودا بجانب عرض المضامين والمحتويات، من الزاوية الكمية الخالصة، كما من زاوية جودة المادة المبثوثة، كما من زاوية أحجام ما يبث.  

 

أي أنه إلى حدود بداية الألفية الثالثة، لم تكن التقنيات الهرتزية التشابهية تمكن أكثر من بضع قنوات، حتى وإن أدى توظيف البث الهرتزي الرقمي فيما بعد, إلى مضاعفة هذا العدد نسبيا. بعد ذلك، مكن البث عبر الكوابل والأقمار الصناعية من إضافة أعداد لا تحصى من القنوات، ناهيك عما مكنته التقنيات التحويلية، بفضل الشبكات المرقمنة، من إمكانات ضخمة بالنسبة للمضامين، مضافا إليها ما أتت به التحسينات التي طالت شبكة الإنترنيت، وما مكنه ذلك من سبل في إنتاج المضامين وإخراجها، وترويجها على نطاق واسع. 

 

معنى ذلك، أن التقنية الرقمية لم تمكن فقط من توفير وتنويع سبل الإرسال والبث للفضائيات التلفزيونية، بل جعلت كل من لديه قدرة بسيطة أو معرفة متواضعة، من تصميم برامجه ومضامينه وفق اهتماماته الخاصة، بالوقت الذي يناسبه، وبطريقة الاستهلاك التي ترضيه، وتشبع رغباته في الأخبار أو في الترفيه أو في التثقيف.  

 

من هنا، فإن حركية التقابل بين القنوات التلفزيونية التقليدية الجامدة, وأنماط الاستهلاك الجديدة للصورة، حيث لصاحب القناة أو المتلقي أن يصمم أو يسهم في تصميم برامجه الخاصة وفق ما يرتضيه، هذه الحركية هي التي تفسر وإلى حد بعيد، تراجع نسب المشاهدة التي كانت تتمتع بها التلفزيونات العمومية بمعظم دول العالم، في ظل منظومة الندرة التي كانت تفرضها التقنيات التشابهية، أو التي أدخلت جزئيا تقنيات الرقمنة في هذا المحور أو ذاك.

 

ولعل النموذج الأوضح لهذا التوجه, المكرس لممانعة القنوات العمومية التقليدية والقنوات التلفزيونية الجديدة، إنما حقيقة أن المشاهد بات يتطلع "للاستهلاك بالبطاقة"، في حين تمادت التلفزيونات التقليدية في اقتراح موادها على شكل "وجبات" محدودة، محددة ونمطية، لا خيار للمشاهد من بين ظهرانيها كبير.    

 

القصد هنا هو القول: إنه بقدر ما حملته التكنولوجيات الرقمية من مزايا وامتيازات للتلفزيونات الفضائية الجديدة، بقدر ما رفعته من تحديات بوجه التلفزيونات الهرتزية التقليدية، على مستوى التقويض المفاجئ والسريع لظاهرة الندرة في البث والإرسال، وأيضا على مستوى تشظي الجمهور وتطلعه إلى مضامين غير منمطة، غير مصممة للعامة، مشخصنة وتخضع للاستهلاك وفق الحاجة والرغبة، الآني منها كما الممتد في الزمن.

 

+ السياق الثاني سياق سوسيو/مؤسساتي خالص، يحيل على التحولات المؤسساتية الكبرى التي ترتبت عن سياسات التحرير وإعادات التقنين وفتح الأسواق والاقتصادات بمعظم دول العالم، ويحيل أيضا على تراجع الوظيفة الشمولية التي غالبا ما كانت التلفزيونات العمومية ترفعها كشعار في خطابها، وكاستراتيجية ناظمة لمفاصل شبكتها البرامجية.

 

هذا التراجع جاء كنتيجة وعلى أنقاض نموذج في التلفزة كأداة اجتماعية بالأساس، كانت العائلات، كل العائلات، تتخندق حولها ومن خلفها، وكان المواطنون، كل المواطنين، يتوحدون من حولها لمتابعة نفس المواد ونفس المضامين، الإخبارية كما الترفيهية كما التثقيفية على حد سواء.

 

بالتالي، فقد كانت هذه التلفزيونات تنشد تكوين لحمة اجتماعية و"قيمية" محددة، وكانت تهدف إلى أن تكون عنصرا قويا لتلاقي أجيال وأطياف وتمثلات وتصورات، أداتها الناظمة هي المادة المشتركة  التي تخدم هذه الوظيفة الاجتماعية، وتزودها أيضا بالمعلومات والمعارف والمتعة الفنية في الآن معا.

 

بالمقابل، عملت التكنولوجيات الرقمية على مضاعفة وسائل بث واستقبال البرامج من كل الأحجام والأشكال، وبأسعار زهيدة للغاية، مما أدى إلى تجاوز إكراه الندرة الذي حكم هذه الوسائل، ورهن أحجام وأشكال المضامين المقتنية لها. بمعنى:  

 

° أنه إلى جانب اللاقطات المتخصصة في استقبال الصورة التلفزية، فإن الحاسوب ثم الهاتف النقال، قد باتا أداتان لا يستهان بهما لالتقاط ذات الصورة، وإن بنجاعة أقل. وهذا تحدي ذو طبيعة تنافسية نادرا ما يتم الانتباه إليها. 

 

° وأن هذا الواقع الجديد على مستوى أداة التقاط الصورة (مع ما مكنته الرقمنة من إمكانية مشاهدة البرامج على شبكة الإنترنيت مثلا، أو من خلال شبكات الهاتف الخليوي)، هذا الواقع خلق سلوكا جديدا متمحورا حول شخصنة أنماط الاستهلاك، ولربما في المستقبل المنظور، تمكين المواطن/المتلقي من تصميم وبث واستهلاك برامجه بنفسه دون وسيط إعلامي. وهذا تحدي ذو تداعيات اقتصادية حقيقية، لا يمكن تجاهلها من لدن الفضائيات، سيما تلك التي تراهن على الثقافة والمعرفة والمواد الوثائقية.   

 

° وأن هذه التطورات التقنية والتحولات في سلوك المشاهد/المستهلك، كان من شأنها، من جهة، ولوج فاعلين دخيلين على القطاع التلفزيوني (والسمعي/البصري بوجه عام)، من قبيل مستغلي الشبكات الهاتفية ومزودي خدمات الإنترنيت والمتعدد الأقطاب وما سواهم، وأدت من جهة أخرى، إلى زعزعة مجال المهن التلفزيونية، التي كانت قارة إلى حين عهد قريب بمجال الإعلام والمعلومات والاتصال. وهذا تحدي قوي للغاية، يستوجب تقوية مجالات التكوين من لدن كل فضائية، ويستوجب أيضا الاستعداد للمنافسة الشرسة التي ستطال الكفاءات والخبرات في مجال الإعلام، وفي المجالات الفنية والثقافية والمعرفية وغيرها.     

 

والمقصود مما سبق إنما التأكيد على الحقيقة التالية: أن تضاعف منسوب إنتاج وعرض المحتويات التلفزيونية بوجه عام، وإكراهات الإنصات للمستهلكين الجدد (سيما إذا كانوا شبابا يتحكمون في الأداة التقنية)، قد بات يستوجب إبداعا على مستوى التنظيم وعلى مستوى الكفاءات. بمعنى أنه على الرغم من أن التلفزة، التي هي الأداة الأولى المهيكلة للصورة والمحتكرة لها، فهي أداة إعلامية عامة وشاملة بكل المقاييس، إلا أنها مطالبة بأن تتمثل وتحترم واقع التميز والتمايز الذي يطبع المتلقي، لأن هذا الأخير هو جهة الاستقبال الرئيسية والنهائية لما ينتج من محتويات ومضامين ومعارف وما سواها.  

 

+ أما السياق الثالث، المستوحى من السياقين السابقين، فمؤداه القول: ما دامت الثورة التكنولوجية في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال قد مكنت موضوعيا من التغلب على مبدأ الندرة التقنية، وأدت إلى تقويض نماذج التلفزة العمومية التقليدية، فإنها أدت أولا إلى شخصنة تدريجية للبرامج تصميما وبثا. ثم أدت ثانية إلى تجاوز مسألة الشمولية، وأدت ثالثا إلى تكريس مبدأ التخصص، الذي يستهدف خدمة نمط الاستهلاك الجديد للصورة، و يعمل أيضا على خدمة ثقافة القرب، التي باتت تحدد هوية هذا النوع من الفضائيات، وترسم لمسار خطها التحريري.   

 

صحيح أن مبدأ التخصص هذا، وثقافة القرب تلك، ينهلان معا من ثلاثية "الإخبار والترفيه والتثقيف"، إلا أن تفضيل هذا النوع التلفزيوني أو ذاك على غيره من الأنواع، هو الذي يسهم في تحديد هوية القناة التلفزية، ويؤشر على الفلسفة والمرجعية التي تثوي حتما خلفها، وخلف ما تعتزم تقديمه للمتلقي من برامج ومضامين.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 31 أكتوبر 2011