مذبحة الرأي في المغرب

 

 

لطالما قلنا, وكررنا القول بأكثر من مناسبة, بأن إعمال بنود قانون الصحافة السالبة للحريات الإعلامية بالمغرب, من شأنه ليس فقط وأد الجريدة أو المجلة أو البرنامج بالإذاعة والتلفزة, من خلال الزج بأصحابها بغياهب السجون, ومنعهم بالتالي من الكتابة والتعليق, بل ومن شأنه أيضا وأد الحق في الرأي والتفكير والتعبير, ومن ثمة وأد حق من حقوق الإنسان البسيطة والأساسية, التي كرمها الله تعالى, وترجمتها الدساتير على نواقصها وقصورها وعللها, وتبنتها اللوائح والتشريعات, اقتناعا منها بمضامينها, أو تنصيصا عليها من باب التنميق, والتباهي مع الأغيار بالخارج.

 

إن سجن صحفي ما على رأي أبداه, أو موقف أدلى به, أو تعليق صدر من بين أنامله, ليس معناه استقصاد ذات الصحفي على تجاوز ارتكبه, أو تطاول لم يدرك تبعاته وتداعياته, إنه والحالة هاته, بمثابة الاستهداف بجرم كان ذات الصحفي خلفه, يستحق عليه المتابعة والمساءلة والإدانة, والزج بدهاليز السجون, ضمن مجرمي الحق العام, القتلة كما "الحرامية", كما المتلبسين بجريمة نكراء, كانوا قاب قوسين أو أدنى من ارتكابها, فوجب تحييدهم, لئلا ينفذوا ما كانوا عازمين على تنفيذه.

 

مر حدب من الزمن طويل بالمغرب, حتى يتم تدارك ذلك, ف"تحذف" البنود السالبة للحريات الإعلامية من قانون الصحافة, و"يحرم" تجريم الصحفي على رأي أبداه, أو موقف أدلى به, أو اجتهاد حتمته عليه المهنة, بتحقيق بأرض الواقع ومن عين المكان, أو بتحصيل وثائق رسمية دامغة, تدين هذا الطرف أو ذاك, بالحجة القاطعة والدليل الموثق.

 

لم تحذف ذات البنود لتطور داخلي ما, أو لوعي مفاجئ انتاب من سن ذات القوانين وسوقها, بل تأتى قطعا وحتما من الآثار العكسية, والردات غير المنتظرة, التي غالبا ما كانت تترتب على سجن الصحفي, أو منع منبره, أو دخوله جراء هذا وذاك, في إضراب عن الطعام, لا يتداركه عفو خاص, إلا بعدما تكون سمعة البلاد قد تلطخت, وطاولها بعض من التشوه, وتهاوت بموجبها وبجريرتها شعارات "المكتسبات والإنجازات", التي ترفع بهتانا ونفاقا, وفي الكثير من الحالات إرضاء لأولي الأمر.

 

كانت المدة الحبسية طويلة, نافذة أو موقوفة التنفيذ, في حين لم تكن الغرامة ذات قيمة تذكر. وكان إسكات الصوت واغتيال الحرف, أولى وأنجع من تغريم صاحبهما, وتركه بالتالي على عواهنه. الرسالة هنا (من سجن الصحفي أقصد) كانت العبرة, العبرة لمن يتجرأ على تجاوز "المحذور", أو التطاول على هذا أو ذاك, شخصا كان أم مؤسسة أم ما سواهما, وكان النص بجهة السجن واضحا, لا غبار عليه, أي لا مجال فيه لاجتهاد القاضي.

 

لتجاوز ذلك, ولربما للتحايل عليه, تم "حذف" البنود السالبة للحريات, لكن مع الإبقاء على البنود التي على أساسها بالإمكان استهداف هذا الصحفي أو ذاك, إن تمت مقاضاته على خلفية من القذف أو الشتم, أو تمت متابعته على أساس من ادعاء كاذب من لدنه, أو قول ملفق, أو اجتهاد يتجاوز على حرية الأفراد والجماعات, أو يتطاول على خصوصيات, ضمنها القانون, أو تعارف المجتمع على أساس كونها خصوصياته, بالجملة أو بالتفصيل.

 

ولما بات الأمر كذلك, فإن القضاء بالمغرب لم يعد, من حينه, يقضي بسجن صحفي ما, ما دامت العقوبة السجنية قد حذفت من قانون الصحافة, بل بدأ يقضي بتغريمه, أو بمتابعته بقوانين أخرى, مدنية أو جنائية, يعاقب على أساسها, بغرض إنصاف متظلم, أو إعادة الاعتبار لمشتكي, أو ضمان خصوصية انتهكت, وهكذا.

 

ليس ثمة من عيب على الإطلاق, أن تنصف العدالة مواطنا أو جماعة أو مؤسسة, تضررت سمعتها, أو أهينت كرامتها, أو بارت سلعتها, جراء مقال متحيز, أو خبر ملفق, أو إشهار مضر. وليس ثمة من عيب أيضا أن يعوض المتضرر, بمقابل اعتباري ورمزي, أو بمقابل مادي, مثبت الضرر بالحجج والأدلة.

 

لكن الخطأ كل الخطأ, المشارف على الخطيئة بأكثر من جانب, إنما أن يوضع سيف القضاء على رقبة الإعلاميين, أو يعمد إلى الحكم ضدهم بغرامات مالية مبالغ فيها, إذا لم تدفعهم للإفلاس دفعا, فعلى الأقل تخلخل توازناتهم المالية, وتحول بالتالي دونهم ودون الاستمرار, أو دونهم ودون توسيع آفاق تنمية مداخيلهم, إشهارا أو على مستوى المبيعات.

 

إن الحكم, من بضع سنين انفرطت, على أسبوعية "لوجورنال", بعشرات الملايين (في ظل سيادة العقوبات السالبة) لم يترتب عنه إفلاس المجلة بالجملة والتفصيل, بل أدى ذلك إلى هجرة رئيس تحريرها للخارج, وتشرد أكثر من صحفي عامل بها, وتصفية أكثر من مشروع مستقبلي كان قائما لديها, فوئد بالمهد وأدا, لولا تكفل بعض "المساهمين" بإنقاذها, بعدما دفعت إلى تغيير الإسم, وتحريف الصفة, وتشويه الخلقة الأساس التي ولدت بها, وتعرف الناس عليها من خلالها.

 

ثم إن الحكم الجاري على جريدة "المساء", بمئات الملايين ل"متضررين افتراضيين", لم يثبتوا منسوب الضرر, ولا حجم العجز الذي طاولهم, إن هذا الحكم لن يكون من شأنه إفلاس الجريدة إياها, والزج بمستقبلها في ظلمات المجهول, بل ومن شأنه أيضا تصفية الحساب مع يومية لطالما "اتهمت" بحدة نبرتها, وخشونة خطابها, وجرأة تناولها لقضايا الشأن العام كما الخاص, فكانت أكثر من جهة تراهن على الزمن, وصدفة الأيام, ومواتاة المناسبة, للانقضاض عليها انقضاضا.

 

وعلى الرغم من اعتذار الجريدة عما يكون قد صدر منها, أو تم تأويله ضدها, فإن القضاء لم يتردد في الحكم, ثم تثبيت الحكم ضدها, لتجد نفسها بالمحصلة النهائية على شفا إفلاس محقق, وستفلس بالقطع إن التحم عليها الأعداء وذووا القربى, ولن يتوانوا بالقطع في الالتحام ضدها, لقطع دابرها, جدعا وأغصانا.

 

لن يكون بإمكاننا تقدير حجم الضرر الذي طاول بعض وكلاء الملك (طرف الدعوى الثاني), أشير إليهم بالشذوذ الجنسي من لدن الجريدة, بالإشارة والكلمة والصورة. وليس بمقدورنا أيضا تقدير ما "يجب" صرفه لهم, لتعويض ما "أصابهم" من ضرر بالسمعة أو بالكرامة أو بهما معا.

 

إلا أن المؤكد, بالحالتين معا, أن القضاء بهذه الواقعة, لم يكن بنظرنا محايدا بالمرة, ليس فقط من باب كونه عبر عن تعاطف واضح مع مستوى من مستوياته (مستوى النيابة العامة بهذه الحالة), ولكن أيضا لأنه قضى بإعدام جريدة, كما لو أنها ارتكبت حقا وحقيقة, جرما جللا, تستاهل عليه المقصلة... مقصلة قطع الأرزاق, ما دامت مقصلة قطع الأعناق قد ولت بمنطوق النص.

 

إن الحكم الصادر ضد جريدة "المساء", لم يكن ليكون بذات الحدة, إن كان الأمر متعلقا بحالة عادية, أو خاصة حتى, في حالة تصديها لسلوكات المستوى التنفيذي مثلا, أو مناهضتها لضعف الجهاز التشريعي, أو ما سواهما. لكن الأمر تجاوز على ذلك بكثير, ليطاول مؤسسة هي بهذه النازلة, خصما وحكما بالآن معا, فلم يكن لها لأن تتجاوز على الأمر, أو تتجاهله, أو تغض الطرف عنه بشكل من الأشكال.

 

القضاء هنا لم يدفع بالعدالة, لإنصاف جهة ظلمت, أو لإعادة الاعتبار ل"طائفة" طاولها الأذى, إنه ذاد عن حوزته, وأرسل أكثر من عبرة, مفاد إحداها, قوله بالواضح الصريح: تطاول على من شئت, لكن إياك والاقتراب من عرين القضاء, صالحا كان أم فاسدا.

 

إن القضاء, بهذه الواقعة وبالعديد غيرها, لم يعد أداة لإنصاف من تظلم واشتكى, أو إعادة الاعتبار لمن تضرر أو أهينت كرامته, إنه تحول إلى فضاء لتصفية حسابات جانبية (في جانب كبير منها سياسية), وتحول إلى مجال, بعد العدالة من بين ظهرانيه معدوم ومغيب.

 

إنه بات, بحالة "المساء" والإعلام عموما, خصما وحكما, ومن هنا, فقد بات خطرا على الزرع والضرع, وتبرم عن إحدى خاصياته الأساس, خاصية "العدل أساس الملك".

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 17 نونبر 2008