"اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل"

توفيق المديني,  اتحاد الكتاب العرب, دمشق, 2006, 431 ص.

 

1- بتوطئة الكتاب, يقول المؤلف: "لقد بدأت وحدة المغرب العربي كمشروع بناء إقليمي، تتردد في الخطاب الرسمي للأنظمة السياسية الحاكمة، ولدى النخب السياسية والثقافية، منذ أن أصبح أسلوب خلط الأوراق في السياسة الرسمية المغاربية، وقلب التحالفات على أرضية لجم التناقضات المستعصية بالتوفيق فيما بينها، تقليدا عريقا عند الأنظمة، في ظل سيطرة ممارسة تركيز المحاور، وتكوين التجمعات الإقليمية".

 

ويتابع القول: إن المعوقات الكبرى التي اصطدم بها مشروع بناء وحدة المغرب العربي إنما تتمثل في الإشكاليات التي برزت على الحدود بين الدول المغاربية المعنية (الجزائر والمغرب خصوصا) خلال المرحلة الماضية، "سواء من حيث تحديد الحدود وحل النزاعات الترابية, ثم حرب الصحراء الغربية القائمة منذ العام 1975، ثم التناقضات الإيديولوجية والسياسية العميقة, التي كانت تفصل أنظمة المغرب العربي بعضها عن بعض، جراء انحياز كل نظام لاختيارات اقتصادية/اجتماعية، وارتباطات دولية محددتين".

 

إن البناء الإقليمي لاتحاد المغرب العربي ينطلق تحديدا من الأرضية التي تقوم عليها هذه الأنظمة المعنية، أي "أرضية التبعية والتخلف والتجزئة، والاستسلام لخط التسوية على الصعيد القومي. وهو كمشروع وحدة إقليمية، يحكمه منطق التعاون الجماعي المتعدد الأوجه بين هذه الأنظمة، في محاولة لبناء وحدة فوقية من طبيعة تأليفية بين الدول الخمس لبناء لبنة المغرب العربي الكبير، يحقق السلم لهذه الأنظمة عبر حل الأزمات المتفاقمة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ويعمل على منع الانفجارات غير المتوقعة، والسيطرة على بؤر التوتر، ويحمي فيه النظام القوي النظام الضعيف", وهو بناء إقليمي, بنظر الكاتب, يحافظ على الخصوصيات القطرية، ولا يعمل على إزالة الحدود الموروثة من عهد التقسيم الكولونيالي، والتي دعمتها ورسختها الطبقات والنخب الحاكمة.

 

لقد قام الاتحاد المغاربي، يؤكد توفيق المديني, "والحركة الشعبية مقموعة، والأحزاب والقوى السياسية مسلمة لقياداتها، والحركة القومية العربية منيت بهزيمة تاريخية عادلة، وبالتالي، فإن الحركة الشعبية وقوى ومنظمات المجتمع المدني, لا تستطيع أن تدعي أنها أسهمت الآن في فرض قيام مثل هذا التجمع الإقليمي، أو أن لها برامج لتطويره".

 

إن أسباب إخفاق التجربة الوحدوية لبلدان المغرب العربي تعود أساسا إلى عوامل عدة, لعل أهمها على الإطلاق غياب الإرادة السياسية, والاستقالة التي تعيشها النخب المغاربية عن وظيفتها النقدية, وانعدام حرية الرأي والتعبير، وعدم توفر قادة المغرب العربي على الإرادة السياسية اللازمة للقيام بهذه الخطوة، واختلاف المسارات التي عرفتها بلدان المغرب العربي بعد الاستقلال.

 

بالتالي, ظلت العلاقات بين بلدان المغرب العربي مرتبطة إلى حد اليوم بطبيعة تلك القيادات السياسية، وحالاتها، وانفعالاتها، وهو ما يجعل القرارات السياسية بل النظم السياسية نفسها, تتماشى حسب مخيلات وخيارات تلك القيادات. وهذا يعود بالأساس إلى غياب المؤسسات.

 

إن مشكلة وحدة المغرب العربي ليست مشكلة عيب التركيب الديني أو الثقافي الخاص بالعروبة، يقول المؤلف, بل مشكلة النخب السياسية الحاكمة, التي أصبح همها الرئيس هو الاندراج في قنوات النظام الدولي الأمريكي, بانضباط محكم للاستمرار في الحكم دون غاية غيرها.

 

ثم إن معظم الطبقات والفئات التي ظهرت في الجزء الثاني من القرن العشرين لتحكم المغرب العربي باسم شرعية قيادة حركة التحرر الوطني، لم تتمكن من كسب الحد الأدنى من الشرعية الديمقراطية تجاه شعوبها, لفقدان الإنجازات الحقيقية في تحقيق الديمقراطية، وبناء دولة الحق والقانون بالتلازم مع بناء المجتمع المدني الحديث.

 

2- يتكون الكتاب من ثلاثة عشر فصلا مطولا, يعالج المؤلف بكل واحد منها قضية من قضايا المغرب العربي:

+ بالفصل الأول ("الاتحاد المغاربي مسيرة متواصلة من التعثر الفاضح") يؤكد الكاتب "أن هذا الإقليم ظل طيلة مراحل تاريخية, يكون وحدة اقتصادية وجغرافية وثقافية واحدة. ورغم المعطيات الجغرافية والتاريخية والثقافية العامة التي صنعت مشروع الاتحاد وحلمه، فإن ضغوط الواقع في أبعاده المختلفة قد كرست واقع الحال القائم بين أقطار المغرب العربي", أي واقع تهميش التكامل الاقتصادي وسيادة الصراعات والتجاذبات الإيديولوجية.

 

وقد استمرت هذه العناصر تحكم مسيرة الاتحاد المغربي إلى غاية اللحظة، مع تغير في العنصر الثالث حيث استبدل عامل التقاطب الدولي شرق/غرب بالتقاطب الفرنسي/الامريكي، "حيث أن الوضعية العامة للاتحاد المغاربي تتغير كلما عرفت هذه العناصر تغيرات وازنة، ولهذا سنجد عند تحليلها, كيف أن جمود الاتحاد هو نتاج لتحول هذه العناصر إلى عناصر مضادة وسلبية في مشروع الوحدة المغاربية".

 

واليوم، بعد 17 عاما على ولادة الاتحاد، نجد انعدام التحرك الوحدوي حتى في المجال الاقتصادي. فلا منطقة التبادل الحر تأسست، ولا الوحدة الجمركية، ولا السوق المشتركة. وفي المقابل, فإن المبادلات التجارية بين الدول الخمس المغاربية, لا تتجاوز نسبة 3 في المائة من مجمل مبادلاتها الخارجية. في حين أن هذه النسبة تصل إلى 70 في المائة مع دول الاتحاد الأوروبي.

 

إن العوائق البنيوية في ذلك واضحة وجلية: حدود متفجرة موروثة عن تقسيم الاستعمار, ثورة وطنية تحررية بالجزائر, لم تمتد لتشمل توحيد أقطار المغرب العربي, بل سعت إلى بناء دولة قطرية تسلطية، ودولة ملكية بالمغرب أولويتها الإستراتيجية تتمثل في الدفاع عن نفسها, إزاء معارضة الأحزاب اليسارية لها في الستينيات، والشرعية الثورية لجارتها الجزائر.

 

إلا أن الكاتب يلاحظ أن "ما لم ينجح في تحقيقه اتحاد المغرب العربي, العصي على الانعقاد منذ أكثر من عشر سنوات، وما لم تنجح في تحقيقه اللجان المشتركة، والاتفاقات الثنائية، والزيارات المتبادلة، نجحت في اتخاذه الحركات المسلحة في دول المغرب العربي الخمس, التي أصبحت على قدر كبير من التنسيق والتعاون وشن الهجمات وتبادل الخبرات ورص الصفوف من بنغازي إلى نواكشوط".

 

من جهة أخرى, يلاحظ المؤلف أن الاهتمام الأمريكي بالمنطقة المغاربية, لم يعد مقتصرا على الملف الأمني، وإنما أصبح يشمل أيضا الملف العسكري مثلما تجسده التقارير التي تصنف منطقة الصحراء على أنها "بؤرة رئيسية للجماعات الإرهابية في أفريقيا"، لاسيما بعدما صار المغرب العربي أحد المعابر الرئيسة لعناصر تلك الجماعات نحو أوروبا, تحت ستار الهجرة السرية.

 

وكانت عبارة ديك تشيني بأن أمريكا ستدخل إلى إفريقيا من أوسع الأبواب، بمنزلة الحرب الباردة بين واشنطن وباريس على منطقة ظلت رهينة مزاجات سياسة الكبار، باعتبار "أن فرنسا التي تحتكر المغرب العربي على أكثر من جانب، أهمها الجانب اللغوي والثقافي، تستشعر خطر التقارب المغاربي الأمريكي, الذي يبدو بدوره أشبه بالانتقام الذي على أساسه تسعى كل دولة من الدول المغاربية إلى ممارسته بشكل ما بتقاربها مع واشنطن، بعد أن أفلست باريس سياسيا وإيديولوجيا".

+ بالفصل الثاني ("المغرب العربي بين مأزق الصحراء وسياسة الهيمنة الإقليمية"), يؤكد الكاتب أنه كان لحرب الصحراء الغربية التي اندلعت في عام 1975, تأثيرا لا خلاف فيه على السياسة الداخلية، ولا سيما على السياسة الخارجية لبلدان المغرب العربي. ومنذ ذاك الوقت أصبحت هذه القضية عنصراً جوهريا, في إضفاء طابع التوتر والاضطراب والمجابهة في العلاقات الدولية المغاربية.

 

هي قضية متعددة الأبعاد والأطراف, تؤثر فيها وتتحكم معادلات إقليمية وجهوية ودولية عدة، ولما "كانت جبهة البوليساريو تفتقد إلى مقومات ترتكز عليها، لصيانة ما يطلق عليه القرار الصحراوي المستقل، لم يكن أمامها غير خيار الانخراط في استراتيجية صراع المحاور، في المغرب العربي. فحددت بذلك الجزائر كحليف استراتيجي، والمغرب، كعدو رئيس".

 

على نقيض هذه الرؤية التي تتمسك بها جبهة البوليساريو، يعتبر المغرب الصحراء الغربية جزءا لا يتجزأ من سيادته الإقليمية والتاريخية على ترابه الوطني، قبل أن تخضع للتقسيم من جانب الاستعمار الفرنسي والإسباني. لذلك، فهو يرفض أي حل أو مقترح يؤدي إلى استقلال أو تقسيم الإقليم، لكنه يقبل بالحل السياسي الذي يرتكز على منح الصحراويين حكما ذاتيا, في إطار السيادة المغربية.

 

+ بالفصل الثالث ("انفجار قضية البربر في الجزائر"), يعتقد الكاتب أنه منذ اندلاع الحرب الأهلية في الجزائر, تحركت فرنسا باتجاه دعم الدولة الجزائرية التي تواجه الإسلام السياسي المسلح، خشية على الطبقة الفرنكوفونية الحاكمة. كما دعمت فرنسا بوتفليقة، "وكان دعمها عملا مهما في نجاحه في توحيد هذه الطبقة الفرنكوفونية، ونيل تأييدها في الانتخابات الرئاسية".

 

لم تشهد الجزائر منذ استقلالها دخولا مرتفعة في عائداتها النفطية كالتي دخلتها في السنة 2000، فنتيجة ارتفاع أسعار النفط دخل إلى خزينة الدولة أكثر من 22 مليار دولار، ورغم ذلك فإن هذه الأموال لم تفلح في إنقاذ الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي انتشر فيه الفقر بشكل مخيف (نحو 12 مليون فقير, أي ما يعادل 40 بالمئة من إجمالي السكان).

 

لذلك, فإن التظاهرات الجزائرية المتعددة, إنما تمثل "تعطشا شعبيا للديمقراطية بمكوناتها الثلاثة, السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وهي تحركات سياسية ذات طابع شعبي, تجاوزت بما لا يقاس واقع الأحزاب السياسية القائمة، قولا وفعلا, وقد تستولد بدائلها".

 

توجد في الجزائر أحزاب عدة تمثل البربر، لكن أهمها هي جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها حسين أيت أحمد، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يقوده سعيد سعدي. والقطبان متنافران ومتخاصمان. فإلى جانب المنافسة على النفوذ, هناك الخلاف الأيديولوجي. فاشتراكيو حسين أيت أحمد يدعون إلى إشراك الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الحوار الوطني، ويطالبون بإعطاء البربر الحقوق الثقافية بما في ذلك الأمازيغية, واعتبارها لغة رسمية في البلاد, في حين أن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يدعو إلى " إعادة الاعتبار إلى اللغة الفرنسية لأسباب فنية وعلمية "، لأنه يعتبر ذلك مدخلا إلى إنهاء دور اللغة العربية. وهو يرفض مشروع التعريب في الجزائر، ويدعو إلى وقفه، ويطالب بإقرار اللغة الأمازيغية لغة وطنية رسمية ثانية, بصورة متكافئة مع اللغة العربية.

 

ويلاحظ الكاتب, في ظل هذا الصراع اللغوي والإيديولوجي, أن خيار الديمقراطية هو الحل النوعي والواقعي لتحقيق الاندماج القومي، وحل مسألة الأكثرية والأقلية السياسيتين، "وإخراج الجزائر من أزماتها المستعصية, التي تتغذى من معادلة الرعب القائم بين العسكر ومعارضيه الإسلاميين, علما أن لا وحدة وطنية في الجزائر من دون الجبهة الوطنية للإنقاذ، التي ما زالت تمثل الرقم الصعب في معادلة التأزيم والحل".

 

+ بالفصل الرابع (" الصراع اللغوي في المغرب العربي: الجزائر أنموذجا") يلاحظ الكاتب أنه منذ فجر استقلال الجزائر وإلى أيامنا هذه، كان خيار التعريب، موضوع صراع بين فئتين من المثقفين: فئة عربية اللغة والثقافة، وفئة فرنسية اللغة والتكوين الثقافي. وهذا الصراع يعكس أيضا جوهر الصراع الحقيقي داخل المجتمع الجزائري, حول هوية الجزائر: عربية إسلامية للمدافعين عن خيار التعريب, و" الجزائر جزائرية " لدعاة الفرنكوفونية.

 

و يحاول دعاة الحركة البربرية في الجزائر، الذين ينتمون إلى فئة المثقفين بالفرنسية، أن يتنكروا لوجود ثقافة وطنية في الجزائر أساسها اللغة العربية. وهذه الحركة البربرية لا تريد أن تستوعب أن الجزائريين الذين يتحدثون البربرية بلهجاتها التي تفوق العشر, لا يتجاوزون في أحسن تقدير نسبة 15 في المائة من السكان, البالغ عددهم 30 مليون نسمة، فضلا عن أن 99 في المائة من هذه الأقلية, تجيد التكلم باللغة العربية.

 

إن حياة اللغة العربية، يؤكد المديني, مرتبطة بالتحرر الراديكالي للأمة العربية في كل مجالاته، وبحياة الفكر والثقافة المبدعين. "إن خيار التعريب كل لا يتجزأ، فهو لا يتم في التعليم وحده، ولا في اللغة على انفراد، بل يتم في جميع مؤسسات المجتمع، تسيره قوانين حازمة, بعيدة عن التمتع بالرخاوة البرجوازية, والثقافة الأمريكية المهيمنة".

 

هناك تلازم بين اللغة، باعتبارها أهم وأخطر أعضائنا العقلية، وبين محتواها الفكري والحضاري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، ولهذا فان اللغة والفكر، والمجتمع المدني، ودولة الحق والقانون مقولات تتقدم معا، وتتراجع معا أيضا. ولكي تسهم اللغة العربية في الإنتاج العلمي والتكنولوجي، "يترتب على المثقفين العرب باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الحية، أن لا تنحصر مهمتهم العلمية، في نقل المصطلحات الأجنبية وشرحها للطلاب فقط، بل إن مهمتهم الأساسية هي توخي استراتيجية للترجمة طويلة الأمد, لنقل الروح العلمية والخلق التكنولوجي إلى اللغة العربية".

+ بالفصل الخامس ("تطورات متفاوتة في حرية المرأة المغاربية"), يعتبر الكاتب أن تحرر المرأة بالمغرب العربي هو جزء من المسألة الوطنية، وقضية إنسانية واجتماعية ومجتمعية عامة، وقضية خاصة تتعلق باضطهاد المرأة, وما تتعرض لـه من أشكال الظلم والاستغلال والقهر والعنف, وما تعانيه من أنواع التمييز الجنسي والقانوني في سائر مجالات الحياة.

 

قبل وفاة الرئيس بورقيبة, قال لرئيس حكومته: «سأموت وستبقى مسألة المساواة في الإرث في نفسي».

 

+ بالفصل السادس ("الاختراق الصهيوني الكبير للمغرب العربي") يقر المؤلف بأن الشيوعيين في منطقة المغرب العربي أيدوا جهارة قرار تقسيم فلسطين، واعترفوا بشرعية اغتصاب فلسطين من جانب الكيان الصهيوني وتشريد شعبها. وقد اعتبر الحزب الشيوعي التونسي قرار التقسيم, ضربة قاصمة للإمبريالية البريطانية وحلفائها العرب المنضوين تحت لواء منظمة الجامعة العربية.

 

وقد انتهج الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة سياسة خارجية معادية للقومية العربية والعروبة، بحكم الخلاف المستحكم بينه وبين الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، حتى أن الرئيس التونسي أعلن في خطاب لـه في أريحا عام 1965 اعترافه بقرار التقسيم, "وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بالأمر الواقع, والقبول بـدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن سياسة خذ وطالب".

 

ومنذ أن بدأ العمل على إسقاط الحاجز النفسي والسياسي بين العرب والكيان الصهيوني من لدن الرئيس بورقيبة، أدى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني دورا فاعلا في المبادرة باتجاه إسرائيل على الصعيد العربي. "ونظرا للعلاقات التاريخية المتميزة، علاقات الحماية والولاء المتبادلة بين العرش المغربي واليهود، والتي ظلت قائمة منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم، إذ يوجد 700 ألف إسرائيلي من أصل مغربي, ويحتفظون بجنسيتهم المغربية, ويكنون للملك الحسن الثاني المحبة والاحترام، فإن العرش المغربي يشكل ربما مباشرة بعد الخزانة الأميركية، اللوبي الانتخابي الأكثر تأثيرا داخل الكيان الصهيوني".

 

ويبدو, بنظر الكاتب, أن بلدان المغرب العربي الأخرى (الجزائر وليبيا وموريتانيا) تتهافت بقوة على إسماع زوارها ووزرائها, أنه لا بد من التوصل إلى اتفاقات ثنائية مع إسرائيل، وأن التبادل الحر معها صار شرطا أساسيا لتكريس العلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

 

+ بالفصل السابع (" إخفاق مشاريع المصالحات العربية"), يقول المؤلف: "فيما شهدت منطقة المغرب العربي نهاية الحرب الأيديولوجية بين الأحزاب والحركات الإسلامية واليسارية، حيث أن اعتناق فضاء الديمقراطية تطلب من التيارين الإسلامي واليساري إنهاء تحفظ كل منهما على مشاركة التيار الآخر في اللعبة السياسية, والاعتراف العلني والصريح بحقه المشروع في المنافسة السلمية من أجل الوصول إلى سدة الحكم، رفضت الدول التسلطية المغاربية، خيار الديمقراطية التعددية الحقيقية, الذي يفسح في المجال للنشاط السياسي الشرعي والقانوني من جانب الحركات الإسلامية ذات الوزن الشعبي, مثل جماعة العدل والإحسان في المغرب، والجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة في الجزائر، وحركة النهضة في تونس, والتخلي عن امتيازاتها ومصالحها التي يؤمنها لها احتكار السلطة".

 

إن معدلات التفاوتات الاجتماعية بالمغرب قياسية مقارنة مع العالم أجمع، "في ظل وجود طبقة سياسية مسيطرة، ورجال مال وأعمال يساندون الديكتاتورية، ويساهمون في تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء". هنا يدور الاختبار الحقيقي للمصالحة في المغرب, وليس على مستوى تعويض هذا المتضرر من سنوات الرصاص أو ذاك.

 

إن "ملك الفقراء ليس ملكا فقيرا " يقول الكاتب على لسان وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشال جوبير، الذي ينتقد محافظة الملك محمد السادس على جهاز أمني حاضر وقوي, ويتقاضى راتبا بقيمة 36000 يورو شهريا، أي ما يعادل 4,32000 مليون يورو سنويا. و هذا الراتب لا يشكل سوى جزء بسيط من "القائمة المدنية " لمصاريف القصر، التي تبلغ 210 مليون يورو سنويا .

 

إن هيئة "الإنصاف والمصالحة" قد أوصت باعتذار الدولة المغربية, ودعت إلى تطبيق "إستراتيجية وطنية لمكافحة الإفلات من العقاب, عبر القيام بإصلاحات تشريعية, ووضع سياسة حقيقية بشأن حقوق الإنسان في قطاعات القضاء والأمن وحفظ النظام"... لكن كل ذلك لم يترجم بعد على أرض الواقع.

 

الجزائر بدورها بحاجة ماسة إلى المصالحة. فقادة الجيش أدركوا أن السياسات القمعية وصلت بهم إلى طريق مسدود، وباتوا يبحثون عن حل مشرف يحفظ للمؤسسة العسكرية هيبتها. والجماعات المسلحة بدورها أيضا وصلت إلى طريق مسدود، والأغلبية الساحقة من أفرادها, لم يعودوا يفكرون إلا عن الحل السلمي في الجزائر, بما يبعدها عن شبح الحرب الأهلية.

 

إن المصالحة الوطنية في الجزائر, يقول المؤلف, "يجب أن تقود إلى إيجاد حل سياسي شامل وعادل للأزمة الجزائرية بأبعادها المختلفة، لاسيما البعد المتعلق بالموقف من هوية الجزائر العربية الإسلامية، ومكونات شخصيتها. وإضافة إلى ذلك، هناك المسائل المتعلقة بملفات المفقودين، والمفصولين من وظائفهم خلال الأزمة بسبب انتمائهم السياسي، وملف المعتقلين السياسيين، وملف المهجرين وملف المسلحين، ثم ملف عناصر الأمن التي تورطت في الأزمة, وقامت بممارسات خارج نطاق القانون".

 

إن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية بالجزائر, هو أقل من المصالحة الوطنية وأكثر قليلا من الوئام الوطني، لكنه لا يحقق المصالحة ولا يضمن السلم الأهلي. "ذلك أن بوتفليقة عندما يرفض عودة جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى العمل السياسي, يكون قد اتبع أسلوب الإقصاء، وترك الباب مفتوحا، كما هو الآن، أمام العنف والمعسكرات المتقابلة. وما مادامت هناك نية لمنع اتجاهات سياسية معينة من العمل السياسي، وحرمان أفراد وقيادات من حقوق المواطنة الكاملة، فإن الحديث عن السلم والمصالحة الوطنية, بعد أن توقف الحديث عن العفو الشامل، هو حديث في غير محله ومبالغ فيه، فضلا عن أنه لا يتفق مع مبادئ الديمقراطية, التي تعتبر السلطة الجزائرية نفسها من السباقين إليها".

 

لقد أصبحت المصالحة الوطنية في ظروف الأزمة البنيوية العميقة التي يعيشها المغرب العربي, الشعار المركزي الذي تطرحه مختلف القوى السياسية المغاربية، بوصفها "البديل المطروح عن الثورة أو الانقلاب, الذي يمثل آلية انتزاع الحكم بالقوة للدخول إلى ميدان السلطة, وطرد المستولين عليها بسلاح القوة نفسه الذي استخدموه ولا يزالون, للإبقاء على احتكارهم لها".

 

إن طي صفحة الماضي, يلح الكاتب, "لا يعني إلغاءها من ذاكرة الشعوب المغاربية نهائيا وكأن شيئا لم يكن، فيصبح فيها أبطال القمع وانتهاك حقوق الإنسان, وكأنهم كانوا أبطال البناء، ومرتكبو الجرائم قضاةَ العدل، وناشرو الفساد مصلحي البلاد والعباد... كلا, إن طي صفحة الماضي لا بد أن يقوم على الاعتراف بكل حرف ورد فيها، وتقويم كل ذلك على أساس القيم التي يراد البناء عليها للمستقبل. وذلك يعني أن نعترف بالجرائم كما هي, التي ارتكبتها الأنظمة في حق شعوبها، وبالأوصاف كما كانت، وبالأحداث كما حصلت، من أجل مواجهة الحقيقة، علما أن البحث عن الحقيقة هو السبيل المؤدي إلى العفو الشامل، الذي من المفترض أن ينص عليه دستور ديمقراطي جديد".

 

إن المصالحة الوطنية تعني وضع حد للاحتكار السياسي من جانب الطبقات الحاكمة، يؤكد المؤلف, وتجسيد القطيعة مع الأنساق السياسة المغلقة التي أنتجتها الدولة المغاربية، وهي أنساق مولدة للعنف السياسي الرسمي بحكم طبيعتها ذاتها، إذ تمارس العنف على هذا المجتمع, بعد أن أصبح جزءا أساسيا من بقاء النخب الحاكمة في المغرب العربي.

 

وتفترض المصالحة الوطنية أن تفكر السلطات المغاربية بتسويات تفاوضية بينها وبين المعارضات, لمواجهة التحديات والمشكلات الوطنية التي لا يمكن حلها من دون اعتراف الأطراف المختلفة بوجود بعضها, وبشرعية المطالب التي يرفعها.

+ بالفصل الثامن ("حدود الثورة الديموقراطية في منظور الأمبراطورية الأمريكية"), يلاحظ المؤلف أن الولايات المتحدة قامت على أساس الاستبعاد والعنصرية، لأن النواة الصلبة لهذه الأمة قوامها البروتستانت الأنكلوسكسون البيض, الذين يشكلون "عرقا " خاصا، ينبغي الانصهار في مصهره، للانتماء إليه، ولا يدخل فيه السود، مهما فعلوا، والهنود, اللهم إلا إذا تخلوا عن "زنجيتهم" و"هنديتهم".

 

من هنا, فالولايات المتحدة الأمريكية كأمبراطورية, تفتقر افتقارا كليا إلى مشروع ثقافي وإيديولوجي, تحتل فيه المسألة الديمقراطية مركز الصدارة. ففي ظل غياب هذا المشروع الذي يقوم على نشر مبدأ المساواة والعمومية على مستوى كوني، بوصفه مصدرا لا غنى عنه لأي إمبراطورية تريد قيادة العالم، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد تراجعت كثيرا عن القيم التي كانت تدافع عنها خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, يقول الكاتب.

 

إن الفلسفة الأمريكية فلسفة ليبرالية كونية، تتغيأ توحيدا قسريا لكل الشعوب والأمم تحت هيمنتها، يكون الهدف الأخير منه حصر البشرية في كتلتين متواجهتين: كتلة شرائية قوامها زبائن محتملون، شراة ومستهلكون للسلع الأمريكية وتسهم أفعالهم في إغناء الإمبراطورية الأمريكية, و"كتلة أقلوية، قوامها باعة وسماسرة ووسطاء تجاريون، ينظمون الدورات التجارية التي تغنيهم، والتي يعود تثمير أرباحها الفاحشة".

 

و يتساءل المفكرون في العالم الغربي، كيف يمكن للرئيس الأمريكي ولأمريكا، نشر قيم الحرية والديمقراطية، ودعم منظمات المجتمع المدني لأي دولة، دون التدخل المباشر في شؤون هذه الدولة أو تلك؟ ألا يعتبر هذا التدخل في هذه الحالة، قمة الاعتداء على الحرية والديمقراطية، ومنتهى الاستبداد والطغيان بحق الشعوب التي يراد تحريرها بوساطة الحرب الأمريكية؟ الديمقراطيات الناضجة لا تميل إلى شن الحروب لفرض الديمقراطية بالقوة على شعوب ودول العالم.

 

ثم إن الديموقراطية الأمريكية تطلب من الآخرين أن يتمثلوا قيم الفضيلة, في حين أن أمريكا ذاتها لا تتمثلها على الإطلاق. وللدلالة على ذلك، نذكر مسألة الوضع القانوني لسجناء غوانتنامو، ومسألة التعذيب الوحشي والممارسات السادية التي مارسها القادة العسكريون الأمريكيون في سجن أبو غريب بالعراق وما سواه.

 

إن المغرب العربي بوصفه جزءا من هذا العالم العربي الكبير أصبح, مع مطلع القرن الجديد, يلاحظ الكاتب, في قلب الاستراتيجيات الدولية، تتجاذبها أوروبا الغربية من جهة، وأمريكا من جهة أخرى، دون أن يكون مستقلا في إرادته السياسية واختياراته الوطنية.

 

+ بالفصل التاسع ("التجربة الديموقراطية في المغرب أمام استعصاءاتها"), يقر المؤلف أن المغرب شهد, طوال العقود الثلاثة السادس والسابع والثامن من القرن الماضي, صراعا مريرا بين القصر الملكي من جهة والحركة الوطنية من جهة أخرى. كانت سنوات عجاف وسوداء, سميت بسنوات الرصاص, نظرا لامتلاء السجون المغربية بالمعتقلين والمساجين السياسيين، لاسيما في سجن تازمامارت الشهير، إضافة إلى احتدام الصراع الاجتماعي والسياسي الذي ترجم إلى ثلاث انتفاضات شعبية كبيرة عمت المدن المغربية الرئيسة، في سنوات 1965، 1981، و1991.

 

إن الحسن الثاني, يقول المؤلف, كان متشائما من الديمقراطية (لأنه كان يدرك بحسه الشرقي النائم في الخرافة، "أن الديمقراطية لا تقبل النوم في فراش ملوك الشرق الجبابرة"), لكنه كان رجل دولة بارع في اللجوء إلى استخدام سلاح المسألة الوطنية, لطمس أي حل راديكالي للمسألة الديمقراطية في المغرب (مطالبة الملكية باسترجاع أرض متنازع عليها مع الجزائر سنة 1963, المسيرة الخضراء عام 1975...الخ), فشرعنت الملكية المغربية, بناء على ذلك, أسلوبا سلطويا مطلقا في الحكم, مدعوما بمجلس من العلماء المستشارين، يستبعد المشاركة الشعبية والتعددية السياسية، ويناهض نموذج الحكم الديمقراطي الغربي بل يرفضه مطلقا.

 

ولما جاء التناوب, كان على طريقة الحسن الثاني, أي خاضعا للسيطرة, وليس تناوبا ديموقراطيا حقيقيا, على اعتبار أن الملكية بالمغرب هي اللاعب المركزي في النظام السياسي, وما سواها روافد للشرعنة ليس إلا.

 

وعندما جاء محمد السادس للحكم, عمل على تجسيد القطيعة مع الماضي، إلا أن طبيعة النظام كانت أقوى من الملك الشاب, يقول الكاتب. فقد نصحه مستشاروه، والقسم الأكبر من الأسرة المالكة, بالحفاظ على "هيبة" والده، وعلى هذا المزيج من الخشية والاحترام, اللذين ما من ملك من دونهما جدير بهذا الإسم.

 

بمحصلة نصف عقد من الحكم, لم يستطع محمد السادس تجاوز الشكليات والممارسات القديمة. وقد صرح في حديث لمجلة "باري ماتش" الأسبوعية, أن "البروتوكول هو البروتوكول, ويبقى كذلك. وقد سرت أحاديث عن أنني سأتصرف بما يقلب قليلا ما كان قائما. وهذا خطأ. فالأسلوب مختلف, لكنني (...) أحرص على الحفاظ على دقته, وعلى كل من قواعده".

 

وكان البروفسور ريمي لوفو، المطلع جيدا على أوضاع المغرب, قد طرح أساسا السؤال في أواخر العام 2000: "أنا أطرح الأشياء بكل سذاجة: هل محمد السادس سيستمر في عمله كرجل أعمال؟ ففي نظام هو في طريق التحول الديموقراطي, لا يمكن للملك أن يكون مستثمرا. ولا يمكنه أن ينافس المستثمرين. وفي هذه الحالة, يجب أن يعزز موقعه كحكم. فمحمد السادس، وهو المقاول الأول والمستثمر الزراعي الأول، وصاحب الثروة الكبرى في البلاد، والذي يمسك بكل السلطات الدستورية، هو في الوقت نفسه الخصم والحكم. ومنذ خمس سنوات لم تكن الهيمنة الملكية على عالم الأعمال بهذه القوة. فهل ملك الفقراء قد أصبح ملك الأغنياء؟".

 

+ بالفصل العاشر ("الديموقراطية المسيطر عليها في الجزائر") يؤكد الكاتب أنه "منذ العام 1992، انتهج الجيش,  بعد انقلابه على شرعية الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنبثقة من انتخابات نيابية شرعية, خطأ استئصاليا في مواجهة المعارضة الإسلامية المسلحة، الأمر الذي جعله ينتقل إلى محاصرة المجتمع وإعادته مرة أخرى إلى سجن السلطة".

 

وكان التحدي الأول الذي واجه الرئيس بوتفليقة, عندما بلغ سدة السلطة, يتمثل في نوعية العلاقة مع المؤسسة العسكرية, التي يسيطر عليها جنرالات يقفون جميعا والديمقراطية على طرفي نقيض، ويشكلون طغمة عسكرية حاكمة تعلو بسلطتها على سلطة مؤسسة الرئاسة، وتفرض الخط السياسي الذي يتماشى مع مصلحة المؤسسة العسكرية.

 

أما التحدي الثاني, فكان الفساد والرشوة والاحتكارات، هذه الآفات الثلاث المستشرية داخل المؤسسة العسكرية, التي أقامت أمبراطورية من الاحتكارات بتواطؤ من الدولة، وأصبحت هذه الاحتكارات بمنزلة " دولة داخل الدولة "، تهيمن على طرق الاستيراد والتصدير, وتعبث بالقوانين.

 

من جهة أخرى, فإن لبوس ثوب البوميدينية أو الشعبوية الوطنية من جانب الرئيس بوتفليقة, يقول المؤلف, يجعله في مواجهة مباشرة مع النخبة من الخواص, التي استولت على القطاع العام ومؤسساته، والتي رفعت شعار تحرير الاقتصاد الوطني، والانتقال به من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية الأفراد، ومع من يسمونهم الجزائريون المستفقرون بـ " حيتان الانفتاح", ذووا المصالح الكبرى مع شركات دولية أميركية وأوروبية متنافسة على السوق الجزائرية، ومع المؤسسات الدولية الدائنة للجزائر (لاسيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي )، التي أملت على الجزائر اتباع سياسة الخوصصة التي لا يفضلها بوتفليقة كثيرا.

 

+ بالفصل الحادي عشر ("تأصيل الفكرة الديموقراطية في الواقع التونسي"), يلاحظ المؤلف أن الحكم التونسي لا يزال يتحرك بصورة تقليدية, مارسها عبر النصف القرن الأخير بأشكال متعددة. فأصبحت مسألة التعددية مقصورة على وجود معارضة رمزية مع نخبة حاكمة، على أن يظل لكل طرف دوره المستمر. فالنخبة وظيفتها البقاء في الحكم، والأحزاب وظيفتها البقاء في المعارضة.

 

إن الدولة السائدة في تونس, يقول المديني, "لا تستند إلى مرجعية الثقافة الديمقراطية والدستورية، التي تعطي حيزا واضحا للقانون, لكي يسري على الجميع. بيد أن الأجهزة الأمنية لا تزال تستعمل القانون بحرية مطلقة، قصد تحقيق انصياع الأفراد والأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني له، دون أن تخضع هي في ذلك لأية ضوابط أو قواعد سامية، إذ تضع نفسها فوق القانون".

 

من هنا, فقد تفاقم تدهور وضع الحريات في تونس إلى حد كبير منذ مطلع التسعينيات. "فحقوق الإنسان التي تدعي السلطة حمايتها ليست سوى وهم. والتعذيب شائع، إذ يقبع مئات السجناء السياسيين في سجون مكتظة، ويتعرض المعارضون السياسيون، حتى الأكثر تساهلاً بينهم، لشتى أنواع المضايقات. ولا وجود لحرية الرأي والصحافة والتجمع والتظاهر. الإضرابات ممنوعة, وهامش الحريات النقابية ضئيل جدا لا بل معدوم، لاسيما في القطاع الخاص. ويتعرض عامة الناس، خصوصا الشبان، لقمع مستمر على يد رجال الشرطة: تطويق الأحياء والمدن، المراقبة، التوقيفات العشوائية، مداهمة الشوارع والمقاهي، خشونة واستبداد في الإدارات العامة... كل الوسائل مسموحة, بهدف إخضاع الناس، وإقناعهم أن الحكومة القائمة هي حكومة ثابتة لا تتغير، والمخرج الوحيد هو في التواطؤ، من خلال الإذعان، مع شرطة موجودة في كل مكان ومطلقة الصلاحية. العبودية هي القاعدة السائدة. حتى إن التصرف والتفكير بطريقة مستقلة أصبحا محفوفين بالمخاطر".

 

إن المجتمع التونسي يعاني, بنظر الكاتب, أنواعا شتى من الفساد المالي والاقتصادي من بينها الرشوة والمحسوبية، واستغلال النفوذ على كل المستويات، وهي أمراض خطيرة تزرع الظلم الاجتماعي، وتولد الحقد والاستهانة بالجهد الفردي والجماعي، وتثقل كاهل الفقراء، وتمكن الوصوليين والانتهازيين من السيطرة اللامشروعة على مقدرات البلاد.

 

بالمقابل, "تتمتع الحكومة التونسية بمساندة قوية من العواصم الأوروبية، التي تتخيلها على غير ماهي عليه، وترى فيها سورا واقيا ضد الأصولية الإسلامية, نظرا لعدائها الشديد لها. فهي تتمتع بحصانة من العقاب. وتسعى الحكومة التونسية إلى إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية بانخراطها في مشروع الشرق الأوسط الكبير, وتعميق مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني".

 

+ بالفصل الثاني عشر ("الجماهيرية الليبية تدخل رسميا العصر الأمريكي"), يقول الكاتب: "في 15 مايو 2006، أعادت الولايات المتحدة الأمريكية فتح سفارتها في طرابلس الغرب، وشطب إسم ليبيا عن لائحة الإرهاب. وهكذا كافأت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش العقيد الليبي معمر القذافي على القرارات التاريخية التي اتخذها على مدى السنوات الثلاث الماضية. وتأتي الخطوة الأميركية تتويجا لمسيرة أطلقها القذافي في العام 2003, بعد أشهر من احتلال العراق، بقراره التخلي عن برنامج ليبيا لتطوير أسلحة دمار شامل, ونبذ الإرهاب، وعمله الدؤوب على حل الكثير من العقد، التي كانت تقف حجر عثرة في طريق إعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين، وعلى رأسها قضية لوكربي".

 

إن العقيد القذافي الذي التزم بالخط الناصري، واعتنق العروبة والوحدة العربية مذهبا لليبيا، ثم تبنى لاحقا الاشتراكية، انتقل مع بداية عقد التسعينيات, يقول المؤلف, من خدمة أهداف القومية العربية إلى اعتناق الفضاء الإفريقي، وأخيرا إلى الدوران حول الفلك الأمريكي.

 

إن التحول في علاقات ليبيا مع الغرب حصل عندما قبلت طرابلس في أكتوبر 2002, دفع تعويضات تقدر بنحو 2،7 مليار دولار لأقارب ضحايا طائرة البانام الأمريكية، بواقع 10 ملايين دولار عن كل ضحية، و قررت التخلي عن برنامجها بشأن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر 2003، والالتزام بالانضمام إلى معاهدة تدمير الأسلحة الكيمياوية في يناير 2004، والتوقيع على بروتوكول إضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، يسمح بالتفتيش المفاجىء في مارس 2004".

 

 من جانب آخر، استطاعت ليبيا أن تعيد علاقتها مع فرنسا حيث قامت بدفع 35 مليون دولار, كتعويضات لضحايا طائرة يوتا. كما قبلت ليبيا إصرار فرنسا على تعديل اتفاق التعويضات, وهو ما رضخت لـه طرابلس في 9 يناير 2004, حيث وقعت على تعويض إضافي لأسر الضحايا قدر بنحو 170 مليون دولار. ومنذ حينئذ, ما انفكت مسيرة عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي تسير بخطى متسارعة, إذ في مارس 2004، استقبل العقيد القذافي في طرابلس الغرب وتحت خيمته، رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير, واستقبل العقيد القذافي بحفاوة بالغة في بروكسيل, من قبل رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي، بعد شهر من تلك الزيارة. و من جهتها رفعت الولايات المتحدة الأمريكية قسما من عقوباتها المفروضة على ليبيا.

 

لقد دفع الحكم الليبي من ثروة الشعب الوطنية تعويضات مالية كبيرة جدا إلى الحكومات الغربية, في سبيل شراء بقائه في السلطة, يقول الكاتب. "ما هو الذنب الذي اقترفه الليبيون حتى يسددوا الفاتورة من لقمة عيشهم؟ هل تمت استشارتهم قبل تقرير السياسات التي نفدت باسمهم في العقدين الماضيين, كي يتحملوا اليوم نتائجها من مخصصاتهم ومن قوت الأجيال المقبلة؟

 

+ بالفصل الثالث عشر ("الانقلاب ومحدودية التغيير في موريتانيا"), يلاحظ الكاتب أن "من يتأمل الأحوال في موريتانيا, يجد أنها لم تعرف طعم الاستقرار طوال تاريخها باستثناء فترة حكم الرئيس مختار ولد داده, التي سادها الهدوء والطمأنينة، إذ ظهر بعد ذلك فكر الانقلاب... وتوالت الحركات الانقلابية, والتي كان أحدث ضحاياها الرئيس معاوية ولد الطايع", إذ تعتبر موريتانيا حائزة الرقم القياسي من بين الدول العربية, من حيث كثرة الانقلابات العسكرية فيها، الأمر الذي دفع الأوساط الإعلامية للقول "إن الجيش الموريتاني مصاب بهستيريا التكالب على السلطة".

 

إن العلاقة التي أقامها نظام ولد الطايع مع الكيان الصهيوني منذ عام 1999، خلقت توترا حادا بين الشعب الموريتاني ونظامه, يقول المؤلف. ومن النادر جدا, يتابع الكاتب,  أن يكون الموريتانيون مجمعين على موقف ما في شؤون حياتهم السياسية الداخلية، كما هم عليه الآن في حالة العلاقات الدبلوماسية المقامة مع الكيان الصهيوني.

 

إن النظام السابق انتهج سياسة القمع ضد قوى المعارضة السياسية، لا سيما تجاه المعارضة الإسلامية. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، انخرط معاوية ولد سيد أحمد الطايع بالكامل، في استراتيجية الحرب على الإرهاب، بانتهاج سياسة عدائية ضد الإسلاميين، حيث شن عمليات اعتقال واسعة في صفوفهم، وأغلق أحزابهم، وجمعياتهم، وقمع مظاهرتهم، وأربك جميع أنشطتهم.

 

وعمل ولد الطايع على إخضاع الشعب الموريتاني "بواسطة القبضة الحديدية، وتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات، وتجريد المواطنين من حقوقهم التي تكفل بها الدستور، كحق التجمع، وحق التظاهر، وحق التعبير. وهكذا أقام نظام ولد الطايع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكنه انتهج في الوقت عينه سياسة الحرب على المجتمع، ورفض إجراء مصالحة وطنية مع المعارضة".

 

إن النظام الموريتاني، يتابع المؤلف, نظام يعاني من أزمة اقتصادية، وأزمة حقوق الإنسان، وأزمة استشراء الفساد الإداري والرشوة, ولم يجد من مخرج لهذه الأزمات "سوى الارتماء في أحضان الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وهو ما عمق عزلته الداخلية القاتلة, بسبب الطلاق الحاصل بين خياره الاستسلامي هذا, وبين خيار الشعب الذي يدافع عن هويته العربية الإسلامية ويرفض التطبيع، ويؤيد المقاومة الفلسطينية والعراقية".

 

و يلاحظ المؤلف أيضا أن العقيد أعلي ولد محمد فال لا يختلف كثيرا عن ولد الطايع, فهو واحد من "رجال فرنسا", وأحد المتحمسين لنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين على حساب اللغة العربية التي يجهلها تقريبا. كما أنه ينتمي إلى مدرسة تدعو إلى ارتباط موريتانيا بالثقافة الفرنسية وبالفضاء الفرانكفوني بدلا من المحيط العربي، ومعروف عنه توجهه العلماني الليبرالي الواضح.

 

صحيح أن المجلس العسكري تعهد بأنه لن يستمر في الحكم أكثر من المدة اللازمة لتوفير مناخ الديمقراطية تتسم بالجدية والنزاهة والشفافية، وحدد فترة أربعة وعشرين شهرا كحد أقصى لذلك (وأوفى بذلك), لكن تجسيد مفهوم العدالة كواقع ملموس في حياة المواطن الموريتاني البسيط بكل ما يعنيه ذلك من إشكاليات وإكراهات, مسألة لا تحتمل التأجيل, ولا تكتفي بالوعود والعهود.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 27 مارس 2008