مظلومية حزب الله

 

 

ليس حزب الله اللبناني حزبا سياسيا عاديا, يتغيأ التباري مع ما سواه من أحزاب, للظفر بمقاعد برلمانية تبوؤه الصدارة, أو تفتح له في السبل لبلوغ السلطة والحكم.

هو في نشأته وصيرورته, منظومة, لا يمثل العنصر السياسي بصلبها, إلا رافدا من روافد مشروع كبير, يتقاطع من بين ظهرانيه العسكري, بالعقائدي, بالاجتماعي, بالثقافي, بالإعلامي وبما سواه, في كل متكامل, لا يستطيع المرء حقا إعمال خاصية التمييز والتمايز, لتحديد المجال الخاص لكل من هذه المستويات.

 

وإذا كان البعد العسكري هو الذي منح التنظيم إياه, مكانة معتبرة داخل لبنان وخارجه, فلأنه اتكأ عليه لإخراج إسرائيل من جنوب لبنان بالعام 2000, وارتكز عليه أيضا لدحر "جيش الدفاع الإسرائيلي", وإلحاق الهزيمة به بيونيو العام 2006, واتخذ منه, فوق كل هذا وذاك, أداة ردع ناجعة, بوجه أكثر من مشروع, يتأمل في ارتهان لبنان داخليا, أو إقحامه بترتيبات سياسية, أتية من خارج الإقليم.

 

ومع ذلك, فحزب الله لم يلق من الأغيار كما من ذوي القربى, إلا التنكر والمضايقة والتشهير, لا بل والمطالبة, مطالبته المباشرة, بتسليم عدته وعتاده للدولة, على خلفية من مبدأي "وحدة القرار ووحدة السلاح", المرفوعة بوجهه صباح مساء.

 

وبصرف النظر عن سياقات مشاركته بالحكومة (وانسحابه منها فيما بعد), وقبوله بمبدأ مناقشة مآل سلاحه (بظل استنبات استراتيجية دفاعية شاملة), فإنه لم يجازف يوما بإشهار سلاحه بوجه خصومه, ولا ممارسة الابتزاز عليهم عبره أو من خلاله, بل ذكر وعاود التذكير مرارا, بأن ذات السلاح إنما هو موجه بصدر إسرائيل, وأن ما سوى ذلك يدخل بنطاق الفعل السياسي السلمي المباشر, معارضة بالبرلمان, أو تظاهرا بالشارع.

 

وعلى هذا الأساس, فإن اعتصامه بقلب بيروت, لما يناهز العام ونصف العام, إنما انطلق وينطلق من ذات الخلفية, خلفية المعارضة السلمية لحكومة, باتت برأيه فاقدة للشرعية, كونها لم تعد ممثلة لكل التيارات والطوائف والمذاهب, على الرغم من الأغلبية العددية التي تتمتع بها بالبرلمان.

 

إن اعتصام المعارضة الطويل بوسط بيروت, وتجاهل الحكومة له, وإمعانها في غض الطرف عن مطالبها (مطالب المعارضة), لم يؤشر, منذ انطلق ذات الاعتصام, على حركية سياسية عادية لطالما عهدها لبنان, بل كان يضمر في طياته, يوما بعد يوم, عن منسوب الاحتقان المرتفع بين "قطبين" متنافرين, لا ترى منهما آناء الليل وأطراف النهار, إلا المزايدة والتشكيك, المحيلان صوبا وبالقطع, على احتمالية الاحتراب القادم.

 

ومع ذلك, كابر الحزب وصابر, ولم يخلد بتصوره دفع الأمور إلى نقط اللاعودة, على الرغم من استفزاز خصومه, وتجاهل التهديدات المبطنة التي يطلقها بين الفينة والأخرى, أملا في تحريك مياه راكدة, أوشكت على التعفن حقا وحقيقة.

 

إلا أن القشة التي قضمت ظهر البعير كما يقال, إنما تمثلت في إقدام الحكومة على اعتماد قرارين متزامنين, بظل كل هذه التجاذبات: الأول تعتبر بموجبه شبكة اتصالات حزب الله الأرضية غير شرعية, والثاني تتم بمقتضاه تنحية ضابط أمن مطار بيروت الدولي, "المحسوب على الحزب", بمنطوق الحكومة, وبتأويلات موالاتها فيما بعد.

 

إن اعتبار شبكة اتصالات حزب الله غير شرعية, والمطالبة من ثمة بضرورة تفكيكها إربا إربا, إنما اعتبره الحزب إياه بمثابة إعلان حرب مباشر عليه, بالشكل كما على مستوى المضمون, وطالب بإلغائهما على الفور:

 

+ فشبكة اتصالات الحزب هي عموده الفقري "الثاني" بعد السلاح, وتفكيكها هو قطع سبل الاتصال فيما بين قادته وعناصره, وتجريدهم تجريدا كاملا من إمكانات التنسيق, زمن السلم العادي, كما أثناء وضعيات الحرب, القادمة لا محالة مع إسرائيل.

 

+ وشبكة اتصالات الحزب (المؤمنة والمصممة لسياقات الاستثناء) هي عصبه في تجميع المعلومات والبيانات, وتعقب أدوات التجسس, ووسيلة ضمان أمن وسلامة قادة الحزب, السياسيين ضمنهم, كما الميدانيين على حد سواء.

 

+ وشبكة اتصالاته هي قلبه النابض, الذي بتوقفه تتوقف حركة الحزب, وتتجمد الدماء بشرايينه بالمرة, ويصبح بالتالي عرضة للتحلل, وبالمحصلة للتلف والانقراض.

 

وبناء على ذلك, فإن إقدام الحزب (ومن خلفه حركة أمل والتيار الوطني الحر) على حصار بيروت بقوة النار والحديد, وبسرعة ونجاعة قل نظيرهما, إنما يشي بأن الحزب أدرك بعمق طبيعة الرسالة الموجهة إليه, والتقطها واضحة لا تقبل كبير تأويل, فعمد إلى استباق مجريات الأحداث, قبلما تنقلب الأمور لغير صالحه آنا أو بالمستقبل.

 

إن قراءة سريعة لحادثة حصار العاصمة بيروت, توحي بأن الحكومة إنما كانت تريد ابتزاز الحزب اعتباطا, وقياس مستوى ما قد يكون عليه رد فعله, حتى إذا استسلم ولم يبد الممانعة والتمنع الكافيين, يتم المرور للتالي من الترتيبات القائمة دون شك, لدى هذه الجهة أو تلك.

 

وتوحي أيضا بتطلع الحكومة لمساومة حزب الله (والمعارضة من حوله) لفك اعتصام الخيام المزمن, فتكون المحصلة النهائية هذا مقابل ذاك, أعني التراجع عن القرارين, مقابل الانسحاب من قلب بيروت.

 

لم تكن ذات الحسابات بخافية عن حزب الله, هو المتمرس بميدان المعركة, وبدهاليز السياسة بلبنان أيضا, بل كان يدركها حق الإدراك, لكنه كان يدرك بموازاة لها, أن القبول بذوات القرارين لا يدخل فقط بمضمار الإهانة من لدن حكومة لا يعترف بها عمليا, بل وأيضا بنطاق فسح المجال لإضعاف الحزب تدريجيا, وسلخه عن بنيته, ليسهل بالتالي تقويضه بنزع سلاحه, "المقلق" حقا لأكثر من جهة.

 

إن لجوء حزب الله للقوة الخشنة لحسم "الصراع" مع غرمائه, إنما ترتب عن انسداد الأفق, واشتداد الاحتقان, وارتفاع المزايدات من هنا وهناك, وانتفاء الرغبة في حل أزمة طال أمدها, ولا يلوح بأحشائها بصيص أمل للانفراج, على الأقل من زاوية "لا غالب ولا مغلوب", التي لا تحتكم قطعا لموازين القوة على الأرض.

 

من هنا, فإننا نزعم بأن الانفراج الذي آل إليه الأمر بين طرفي الصراع, لم يأت برمته من وساطة الجامعة العربية, ومباركة (بل وقابلية) الأطراف الخارجية على "لملمة الملف", بل أتى في جزء معتبر منه, من خشية الحكومة وحلفائها, من احتمال هيمنة حزب بات مع الزمن دولة داخل الدولة, وبكل المقاييس.

 

وعلى الرغم من تراجع الحكومة عن قراريها, وفك الحزب للحصار على بيروت, وإزالة الخيام من قلب العاصمة, وتوافق الطرفين على الحد الأدنى للتعايش بمؤتمر الدوحة, فإن انتخاب رئيس الدولة, وإعادة تسمية فؤاد السنيورة رئيسا للوزراء, لا يعبر بالمرة عن انفراج كبير في الأزمة. إنه لربما تجاوزا على أحد مظاهرها الخطرة, لكنها تبقى في جوهرها, محكومة ببنية نظام سياسي شديد الاستقطاب, متباين الرؤى, متعدد الولاءات, بالداخل كما بالخارج.

 

من الطبيعي والحالة هاته, أن يشعر الكل ببعض من المظلومية, جراء مبدأ التوافق المعتمد. لكن مظلومية حزب الله تبدو لربما أكبر بكثير من باقي المظلوميات: إنها المظلومية التي طاولت وتطاول حزبا ضحى وحرر, وضمن للبنان قوة الردع بوجه إسرائيل, ولم يلق من ذلك إلا المزايدات على سلوكه وممارساته, والتشكيك في جهة ولائه ونواياه.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 1 يونيو 2008