"المغرب العربي: واقع وآفاق"

 

محمد مواعدة, المجلس القومي للثقافة العربية, الرباط, 1995, 87 ص.

 

 "المغرب العربي: واقع وآفاق", للدكتور محمد مواعدة ليس كتابا بالمعنى المتعارف عليه.

هو بالأصل محاضرة ألقاها المؤلف بدعوة من المجلس القومي للثقافة العربية بالرباط بتاريخ 22 شتنبر 1995.

 

يقول محمد مواعدة, بتمهيده للكتاب/المحاضرة: إن المغرب العربي جزء من النظام العربي القائم, وجزء من النظام العالمي أيضا. "ومن هذا المنطلق فإن موضوعنا...هو المغرب العربي في ارتباطه العضوي والجدلي المتين, وفي علاقاته بالنظام العربي والنظام العالمي".

 

ويلاحظ المؤلف أن تناول هذا الموضوع يحيل الباحث على أكثر من صيغة, وعلى وأكثر من مفهوم. "فهناك المغرب العربي كمجموعة حضارية جغرافية, لها هياكل مجتمعية متعددة, رسمية أو شعبية. ولكن هذه التسمية تواكبها تسميات أخرى. فإلى جانب المغرب العربي, هناك مفهوم المغرب الكبير, والمغرب الإسلامي, وبلدان شمال إفريقيا...الخ", ولكل منها مضامينها وخلفيات ترويجها.

 

مفهوم المغرب العربي, يقول الكاتب, "مفهوم حضاري إيديولوجي معروف. ويتبناه البعض كمرادف أو معادل للمغرب العربي الكبير, مع فروق ليست كبيرة".

 

أما مفهوم المغرب الكبير, الذي يزيح كلمة عرب من عنوانه, فله "قيمة كمية, وليست له قيمة إيديولوجية أو حضارية. بمعنى أن الخلفية التي يستند عليها خلفية سياسية محضة. والمدلول هنا يختلف تماما عن المدلول السابق".

 

المفهوم الثالث هو مفهوم المغرب الإسلامي الذي تبناه بعض زعماء الحركة الإسلامية في الجزائر, ليدللوا على أنه "لا وجود للمغرب العربي, وإنما هناك مغرب إسلامي".

 

ويقف الكاتب بالحصر عند مفهوم شمال إفريقيا, باعتباره المفهوم الذي "كان سائدا إبان الاستعمار الفرنسي للمنطقة, وكان يعني حدود المنطقة جغرافيا", وقد عادت هذه التسمية منذ مدة للتداول.

 

عن استعادة استخدام هذا المفهوم من مدة, يقول المؤلف: هذا "جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية, المدعومة أمريكيا في المرحلة الحالية". فالقضية "ليست قضية جغرافية, بل إنها قضية استراتيجية عامة. فقد تجاوزت إسرائيل مفهوم الأمن العسكري والأمن الجغرافي, والتهييء لنظام شرق أوسطي بالمفهوم العام يكون بديلا أو نقيضا للنظام الذي ينتمي إليه, وهو النظام العربي".

 

ثم إن "الغرب يعتبر المغرب العربي جزءا منه, وبالتالي فإن إسرائيل لا يمكن أن تهتم بهذا النظام الشرق أوسطي في إطار الأقطار المجاورة لها فقط, بل لا بد أن تجعل هذا النظام يستوعب الساحة العربية بكاملها, والمغرب العربي جزءا منها".

 

إن المغرب العربي, يقول محمد مواعدة, "لم يعد مجرد امتداد جغرافي. إنه مجموعة حضارية. لذلك فإن إسرائيل وأمريكا تتعاملان مع دول المغرب العربي بنفس السلوك الذي تتعاملان به مع دول المشرق العربي, أي التعامل مع كل دولة على حدة"...كل حسب استعداده, وحسب أهميته أيضا.

 

بالتالي, فالمشروع المغاربي "الذي كان يتصارع في مرحلة سابقة مع مشروع استراتيجي أوروبي, أو مع مشروع انعزالي...أصبح الآن يتصارع مع مشروع أخطر, يندرج في إطار التصور الاستراتيجي الأمريكي أولا, في نطاق الصراع بين أوروبا وأمريكا, وثانيا في إطار الهيمنة الإسرائيلية كتعويض ونيابة عن الأمريكيين في هذه الساحة".

 

ويخلص المؤلف إلى القول بأن "المغرب العربي الذي نتصوره في إطار عربي وحدوي, ليس مهددا في نطاق قيامه أو استقلاله, بل إنه مهدد حتى في وجوده", عبر نماذج تعمد إلى ربط أقطار المغرب العربي إما بدول حوض البحر الأبيض المتوسط, أو بنظام الشرق أوسطية, الذي يخترق الجغرافيا العربية من منظور استراتيجي صهيوني...وهكذا.

 

هذه "النماذج", يقول المؤلف, غالبا ما تحبذ التعامل مع كل قطر على حدة, عوض التعامل مع المغرب العربي ككتلة متجانسة, لا بل إن الدعوات (من لدن الاتحاد الأوروبي مثلا ) غالبا ما توجه لكل دولة على حدة, على الرغم من ادعاء الأوروبيين بحاجتهم إلى مخاطب واحد بالضفة الجنوبية للمتوسط.

 

أضف إلى ذلك المشاكل الداخلية لكل دولة, والمشاكل فيما بين الدول سيما منذ انفجار مشكل الصحراء. "وأنا شخصيا لي موقف معروف من هذه القضية. فأنا ضد الدويلات الصغيرة, والصحراء دويلة مفتعلة...ولعل العقبة المستعصية هي الوضع الجزائري الذي يحتل مكانا كبيرا في تدهور المغرب العربي. فهذا الوضع يعطل بكل معاني الكلمة الوضع المغاربي برمته", يقول الكاتب.

 

وعلى الرغم من ذلك, يلاحظ مواعدة, فثمة تشبث ظاهري كبير بالمغرب العربي. فهناك "اتفاقيات عديدة, ونصوص كثيرة من الناحية الشكلية, وكذلك الاجتماعات تعقد دوريا واللقاءات تلتئم من وقت لآخر, والهياكل مؤطرة وموجودة, ولكن الناحية التنفيذية معطلة دائما".

 

على الصعيد الشعبي, يلاحظ المؤلف أن ثمة حركة بين "التنظيمات والأحزاب الشعبية, ولكنها تعاني أيضا أزمة تعكس على المستوى الشعبي من خلال الممارسات الرسمية". وهو ما يلاحظه أيضا على مستوى العمل النقابي المشترك.

 

ويتصور المؤلف أنه بالبناء على ما يتوفر من معطيات, فإن الصورة تبدو اليوم سلبية. "لكننا نستطيع أن نقوم بما يحد منها, إذا تعاملنا مع الوضع بشكل نضالي وحركي ومستقبلي, حيث يمكن أن نتفاءل. لكن الأمر الذي يدعو إلى التشاؤم هو أن الطرف الآخر الأمريكي  والإسرائيلي, له خطة استراتيجية ممنهجة ومعدة علميا".

 

وبجهة ما يتراءى للكاتب بالمستقبل, يقول: إنه "لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل المغرب العربي ولا عن الأمة العربية بصورة عامة, بمعزل عن كيفية التعامل مع الحركات الإسلامية المختلفة السياسية والمسلحة. وكذلك قضية الديموقراطية التي نعاني منها منذ زمن طويل. وهذا أمران مرتبطان بصورة عفوية. ذلك أننا عندما نتساءل هل تشارك الحركات الإسلامية في التصور الديموقراطي, نكون قد أشرنا للقضيتين معا".

 

بالتالي, "لا يمكن الحديث عن مغرب عربي مستقبلا بمعزل عن هاتين المشكلتين, وبدونهما لا يمكن الحديث عن آفاق للمغرب العربي. ولا بد من الاعتماد على تصور استراتيجي لهاتين القضيتين, عند محاولة إنجاز أي تفكير في واقع ومستقبل المغرب العربي".

 

ويؤكد الكاتب "بأن الانطلاق من المواقف القطرية في توجهنا عنصر أساسي. ولا بد أن نسعى إلى فرض وتطوير المسار الديموقراطي قطريا, وفي إطار مغاربي".

 

بالمحصلة, وعلى الرغم من التشاؤم الذي يبديه الكاتب, فيما يتعلق بمآل المغرب العربي, فإنه يعتبر أن المدخل الديموقراطي هو المدخل الكفيل بضمان سبل بناء مغرب عربي, سيما زمن التكتلات الإقليمية وتزايد المخاطر والتحديات.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 13 شتنبر 2007