ريع القرب من
السلطان
طفت
على السطح, من
أسابيع قليلة
مضت, أخبار ومعلومات
(بالصحافة دون
سواها) مفادها
أن الكاتب
الخاص للملك
تحصل على بقعة
أرضية بجنوب
المغرب, بموجب
طلب شراء,
اعتمده
الوزير الوصي
بسعر لم
يتجاوز
الخمسة دولارات
للمتر المربع
الواحد, فبنى
عليه المقتني لتسجيل
رسم الملكية
باسم ابنتين
له, لا تزالان
قاصرتين.
ليس
في المسطرة من
عيب شكلي
كبير, حتى وإن
كان ثمة
اعتراض على
مبدأ "طلب
الشراء", كونه
لا يستحضر
عنصر
المنافسة, ولا
يفسح في
المجال
لمتبارين
آخرين قد
يغريهم
العقار موضع
البيع. وليس
بها, من ناحية
المضمون, عيب
كبير أيضا, إذ كاتب
الملك مواطن
كما سواه, من
حقه البيع كما
الاقتناء, ومن
حقه المتاجرة,
ومن حقه تسجيل
ما بحوزته,
لفرد من
عائلته أو
أقربائه, هبة
أو منة أو بيعا
وشراء.
وأزعم
أن القانون
المغربي لم
يقم تمييزا,
بهذا الجانب,
بين مواطن
ومواطن, ولم
يعمد يوما إلى
حصر الفعل
بالسوق على
فرد دون فرد,
ولم يعمد إلى
إقصاء هذا أو
ذاك من ذات
الفعل, على
أساس من
المذهب أو
الطائفة أو
الدين أو اللون
أو العرق, بل
ساوى بين
المغاربة
جميعا, وسن
لهم آليات
التباري,
تقنينا
للمبدأ
وتنظيما
للمسطرة.
إلا
أن ما أقدم
عليه الكاتب
الخاص للملك
بمدينة
تارودانت,
إنما أثار
ويثير شكوكا
وجيهة حول
خلفيات
العملية, ليس
فقط على مستوى
الأسلوب
المعتمد
والمسطرة
المنتقاة, أو
على مستوى
السعر المحدد
للبيع, بل
وأيضا من
زاوية طبيعة
العقار مادة
الاقتناء:
+
فالاقتناء تم
بأسلوب "طلب
الشراء"
المباشر, وليس
على أساس طلب
عروض بيع,
سادت العادة
في اعتماده
عندما يكون
للجهة الوصية
أو المالكة رغبة
في بيع ملك من
أملاكها,
فتستنفر عروض
الراغبين في
الاقتناء,
يكون التباري
بموجبها وفق
دفتر تحملات, وحد
أدنى في
الأسعار, ترسو
العملية
بمقتضاها على
الأفضل سعرا, ويكون
المحك الوحيد
في ذلك منطق
العرض والطلب
لا سواه.
بحالة
عقار
تارودانت,
أزعم أن
الرغبة من لدن
الوزارة
الوصية لم تكن
مؤكدة, ولا
معبر عنها
جهارة. وحتى
لو سلم المرء
بتوفرها
قبليا, فإنها
لم تصغ,
بتحصيل حاصل,
بدفتر تحملات
محدد
بالارتكاز
إليه يتم
الاختيار.
بالتالي, ف"المتباري"
هنا واحد لا
منافس له,
اقتنى فيما
يبدو, بشروط
متوافق عليها
بين الجهتين,
دونما أن يتم
الاحتكام في
ذلك إلى آليات
السوق, كما
تنص على ذلك
اللوائح
والتشريعات.
ولما
كانت الجهة
المقتنية هنا
جهة نافذة لا
يرد لها طلب,
أو يعصى لها
أمر, فمن
المحتمل (المحيل
على اليقين
دون شك) أن
يكون بالأمر
مجاملة خالصة,
أو رغبة في رد
جميل, أو طموح
في تكريس موقع,
أو تطلع لضمان
مغنمة أو ما
سواها... وهي
كلها تعبير
واضح عن حالة
فساد مالي, من
غير المستبعد
أن يكون زيته
المحرك منح امتياز
قائم أو قادم,
مقابل رشوة
مادية مباشرة.
+
والاقتناء
حدد على أساس
من سعر بخس
للغاية, من
العبث الاحتكام
إليه في تحديد
متر من الأرض
بالصحراء
الإفريقية
القاحلة, فما
بالك بمنطقة
كانت ولسنين
طويلة, الوجهة
السياحية
المفضلة للعديد
من نجوم الفن, ورؤساء
ووزراء
العديد من دول
العالم,
وضمنهم
تحديدا
الرئيس شيراك.
ولما
كان الأمر
كذلك, فإنه من
المتعذر حقا
تصديق القول
بأن تقييم
مندوب
الوزارة الوصية
كان موضوعيا, أو
أنه بني على
أساس من
ضرورات إصلاح
العقار
وتهيئته, أو
على خلفية أن
ما تم تحصيله
من بيعه, هو
ضعف أضعاف ما
كان يحصل,
عندما كان
العقار متاحا
بسومة كرائية
غاية في التدني.
قد
لا يكون تقييم
مندوب
الوزارة
إياها خاطئا بالمرة,
لو اطلع المرء
على حيثيات
المعايير المعتمدة
من لدنه, لكنه
خاطئ بالقطع
ومجانب للصواب
أيضا, على
الأقل بالقياس
إلى عقارات
مجاورة, تم
تقييمها
عشوائيا
بأكثر من 450
دولار للمتر المربع
الواحد.
بهذه
النقطة أيضا,
يبدو لنا أن
تقييم
المندوب إياه,
إنما كانت
الغاية منه
تسويغ قرار
اتخذ, (وسعر
حدد), ولم يكن
ينتظر إلا
"تأشيرة من
عين المكان",
تثبت أن
شكليات الاقتناء
لا تشوبها
شائبة من
الناحية
المسطرية
الصرفة.
لو
كان ما نزعمه
ثابتا (وهو
ثابت فيما
قرأناه
وسمعناه), فسنكون
هنا أيضا
بإزاء حالة
فساد مالي
وإداري مؤكد,
لإرضاء رغبة
موظف سامي, قد
تقطع الأرزاق
(ولربما
الأعناق) إن
لم يتم
الامتثال لما
هو مقدم عليه,
أو عازم على
إدراكه.
+
والعقار مادة
الاقتناء,
مصنف وقفا من
أوقاف
المسلمين,
يعطي المسلم (كل
مسلم بالعالم,
وفي حالات عديدة
مسلمين
وأصحاب ديانات
أخرى) حق الاستفادة
والتمتع, لكنه
لا يعطي
المشرف عليه
حق التصرف فيه,
رهنا أو بيعا
أو
تحويلا...حتى
إذا ضمن المرء
عدم ممانعة
الشرع في رهن
ما, أو بيع أو
تحويل, لسبب
من الأسباب الموضوعية,
تم تلفيف ذلك
بشروط جمة,
تعجيزية في
العديد من
عناصرها.
الوقف
هنا ليس ملكا
عموميا,
بإمكان
الدولة رهنه,
أو مصادرته
باسم المصلحة
العامة أو ما
سواها, وليس
مرفقا عاما
بالإمكان
تحويل ملكيته
من جهة لأخرى
لهذا
الاعتبار أو
ذاك, هو ملك
للمسلمين
جميعا ومنذ
غابر العصور.
وهو,
إن شئنا
الحديث بلغة
العصر, ملك
كوني مشترك
للمسلمين,
ينتفعون مما
يوفره بالزمن
والمكان,
دونما أن يكون
لمستوى من
المستويات,
الحق في
ارتهانه أو
استصداره, أو
تحديد مدى
الانتفاع منه,
أو تقصيره على
جهة دون أخرى.
أما
وأن الوزارة
الوصية قد
عمدت إلى بيعه
بالجملة
والتفصيل, فإن
ذلك لا يخرج
فقط عن سياق
التفريط في ذات
الملك, بل قد
يكون من باب
خيانة
الأمانة,
توافق الشرع
والعرف على
اعتباره
(الوقف أعني)
مترفعا عن
السوق لدرجة
القداسة.
لم
يقتصر الأمر
على ذلك, بل
تعداه لدرجة
ذهاب الوزير
الوصي (وهو
مؤرخ, ومحقق
وصاحب مذهب
صوفي معروف)
لحد الدفاع عن
تقييم مندوبه
للعقار,
وتسويغ
القرار
بالاحتكام
إلى "فقه في
النوازل"
يبرر البيع
الكامل, لمجرد
وجود سومة
كرائية غير
معتبرة.
وقد
ذهب بعض من
الساسة
المنافقين
(بمشهد حزبي قاتم,
مرتشي,
ومستسلم)
لدرجة القول
ب"حق الدولة"
في مجازاة أحد
خدامها المخلصين,
باترا بذلك
حديثا للرسول
الكريم ( "من
أسدى إليكم
معروفا
فكافئوه")
قاله الرسول
بسياق مختلف
عن السياق
القائم بأكثر
من جانب.
وعلى
الرغم من
اجتهادات
وزير يعرف
مفاصل الفقه
والحديث جيدا,
أو على الأقل
"مقاصدهما"
الكبرى, فإن
ما تسنى له "إثباته",
لم يخف من بين
طياته, حقيقة
أن العملية
طاولها جانب
من الفساد
المالي والسياسي,
كان الوزير
إياه (وهو
المؤتمن على
أوقاف
المسلمين) طرفه
الأول, فيما
كان كاتب الملك,
المدير لأموره
الخاصة, والمكلف
فضلا عن ذلك,
بتسيير
وتدبير ثروة
المؤسسة الملكية,
متاجرة
واستثمارا
وفرص أعمال.
من
المهم, وقد
أضحى الأمر
مثار شبهة قاطعة,
أن يعمد الملك
إلى توبيخ كاتبه
الخاص, والذهاب
لدرجة
معاقبته
إداريا
بالتوقيف إلى
أجل غير مسمى.
ومن المهم
أيضا أن يعنف
وزير في الأوقاف,
لم يستشر
الملك في أمر
جلل كهذا, ليس
فقط بضخامة
العقار (وهو
لا يتعدى بعض
هكتارات من
الأرض), بل
وأيضا لأن
الملك هو
الساهر
الأسمى
والأول على
أملاك
المسلمين
بالمغرب.
وإذا
بدا لنا من
الطبيعي أن
يتم توقيف
كاتب الملك
الخاص, كونه
تجاوز على
مركزه السامي
وعمد دون قصد
ربما, إلى
توريط مؤسسة
(المؤسسة
الملكية) تريد
أن تنأى
بنفسها عن كذا
شبهات (عن الطابع
الفيودالي
الملازم لها
يقول البعض, وعن
طقوس دسائس
القصر يقول
البعض الآخر),
فإنه يبدو لنا
من غير
الطبيعي
إطلاقا ألا
يعمد الملك
إلى إقالة
وزير في
الأوقاف برر للمحرم,
وسوغ للممنوع,
وتواطأ عن قصد
أو دونما
دراية كبيرة
من لدنه, لاستصدار
جزء من ملك
المسلمين, ليس
من حقه ولا من
حق سواه, المس
به أو التلاعب
بمصيره, أو وضعه
بالمجال
الخاص
حتى...سيما وقد
أحكم الشرع
بالواضح
الصريح, باب
البلوغ إليه
شكلا وبالمضمون.
وعلى
هذا الأساس,
فإن الخطيئة
الكبرى إنما
هي خطيئة من
"باع", وخطيئة
من "اقتنى"
أيضا
بارتكازه على
موقع بالقرب
من السلطان.
الأول, لم يف
بأمانة كفله
القانون
مسؤولية حمايتها
بالنواجد,
والثاني لم
يثنه موقعه
الحساس للنأي
بنفسه
(وبالمؤسسة
المؤتمن على
أملاكها) عن
كذا شبهات,
تصل بدول أخرى
حد المتابعة
القضائية,
والتجريم,
ناهيك عن سبل
مساءلة
مسؤوليه, أو
محاصرة حماته.
وأيا
تكن مآلات
هذا المسؤول
أو ذاك, حالا
أو بالمدى
المنظور, فإن
الذي تشي به
"صفقة
تارودانت",
إنما بالقطع
حالة الفساد المالي
والسياسي
(ناهيك عن
أحزاب تواطأت
بصمتها),
المتأتي قطعا
من قرب المقتني
من دائرة
السلطان, وخوف
الوزير الوصي
من غضب ذات
الدائرة, إن
تمنع, أو ماطل,
أو أبدى
التحفظ.
إن
المطلوب, بهذه
الحالة, ليس
المطالبة
بلجنة تحقيق (
قد لا تكون
ذات فائدة
كبرى من بين
ظهراني
برلمان ضعيف,
مستلب, ومنقلب
على
التفويضات
الممنوحة له),
المطلوب هنا
إنما فصل مستوى
السلطة
والسياسة عن
مستوى السوق,
إذ ليس من
المعقول أن
يكون السياسي
بالسوق خصما
وحكما...تتأتى
أرباحه من ريع
متأت من وضعية
قرب بأعلى هرم
السلطة, وليس
من طقوس
بالسوق,
يذكيها منطق التنافسية
والتباري.
إن
المطلوب حقا
إنما علمنة
السوق (أو
السياسة) وفصل
مستوى هذا عن
مستوى ذاك,
ليكون الخصم
خصما والحكم
حكما...لا أن
يدفع بالمستويين
معا للاندغام,
لدرجة يسهل
معها استصدار
الملك
المشترك من
لدن ضعاف في
النفوس,
سئمناهم
بالمغرب
لدرجة الضجر.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
2 يوليوز 2007