ذ. يحيى
اليحياوي لجريدة
"العلم":
أرفض خوصصة
القطاعات الاستراتيجية
وتحويلها إلى الخاص
الأجنبي
يثير
الشأن
الإعلامي
بالبلدان
الثالثية، بما
فيها بلادنا،
عدة إشكاليات
وتساؤلات
تنبع من محيطه
المتخلف
وواقعه الذي
لا يمت لمفهوم
الإعلام بصلة
كتقنية
وكمجال حساس
وكسلطة ينبغي
أن تكون قائمة بذاتها لا
تابعة. وهذا
الواقع
يقحمنا في
مجرى
استفهامات
ومقاربات تصب
في محاولة
تشخيص
واستشراف
مستقبل هذا المجال
الذي هو بحاجة
إلى دمقرطة
مناخه من ذهنيات
ومسالك
وآليات وكذا
تحرره من كل
تبعية داخلية
وخارجية.
ولعل
هذا ما صبا
إليه ذ. يحيى
اليحياوي من
خلال كتابه
الأخير
الصادر في فبراير
2001 عن منشورات
"الزمن" تحت
عنوان "العولمة
ومجتمع
الإعلام"
الذي حلل من
خلاله آثار وخلفيات
وتبعات
العولمة
بالمشهد
الإعلامي للدول
النامية
المواجهة
بتحديات
عالمية، تطمس
هويتها، الشيء
الذي حدا
بالأستاذ اليحياوي إلى
إطلاق صيحة
توعية لأصحاب
القرار وكذا
الرأي العام
بالرهانات
الإعلامية
المستقبلية
مؤكدا ضرورة
ترجمة هذه
التوعية إلى
استراتيجية
إعلامية
تؤسسها
الديموقراطية
والاهتمام
بالبنية
التحتية
والبحث
العلمي في
الميادين
والمجالات
المتصلة
بالمجتمع
المعرفي درءا
لخطر "أمية
جديدة". هذه
الأمية
المرسخة سلفا
في مجتمعنا
نتيجة الهوة
القائمة بين
الخطاب
الرسمي النخبوي
الحالم
بعوالم
الحداثة وبين
حقيقة التخلف
المعيش بشتى
القطاعات
وعلى رأسها
الإعلام
والمعشش
بذهنية
الأفراد. فكيف
يترك لمثل هذه
الذهنيات
تشكيل ملامح
القطاع
الإعلامي؟
وكيف يمكن
مواجهتها
ليغدو
الإعلام سلطة
وليس جزءا من
سلطة وهوية
وليس جزءا من
هوية؟
هذه
الإشكالات
وغيرها، كما
أنتجت كتاب
"العولمة
ومجتمع
الإعلام"
أنتجت الحوار
التالي مع
الأستاذ يحيى اليحياوي في
تفاعلية
صادقة وصريحة.
لذا نستكمل
اليوم الجزء
الثاني من هذا
الاستجواب
(الذي نشر
جزؤه الأول
يوم 27 مارس 2001)
على أن ننشر غدا
جزأه الثالث
والأخير.
س:
يتحدث حكامنا
ومسئولونا عن
مفاهيم
الإعلام
الحديثة
ومجتمع
الإعلام
العالمي
وكأننا من بين
الفاعلين في مساراته،
وكأن
الانتماء إلى
العصر لا
يتطلب إلا
الحديث عنه أو
إصدار قرار.
ألا تعتقدون
أن الأمر
يتطلب توفير
مناخ عام ديموقراطي
حقيقي؟ وأنه
لا بد من طرح
السؤال: لماذا
لم يتوفر هذا
المناخ قبلا؟
وما هي
المفاهيم اللازمة
والمنشئة
لمجتمع
إعلامي حقيقي
عوض الوهم
الإعلامي
الذي يروج له؟
-
يحيى
اليحياوي:
انفصام
الخطاب عن
الممارسة هو
إحدى السمات
المركزية
للتخلف، وهذا
ما يجعل من
الخطاب إيديولوجيا
ومن الممارسة
سرابا.
الإعلام
عملية تشاركيه
في صياغتها وتأطيرها،
وعملية تراكمية
في صيرورة تطورها.
لا يمكن بأي حال
من الأحوال الحديث
عن مشروع إعلامي
أو سياسة إعلامية
(أو تواصلية) إذا
صيغت عناصرها من
لدن جهة في إقصاء
للجهات الأخرى
أو دونما طرح لهذا
المشروع في الساحة
العامة حتى تتم
مناقشته وتنقيحه
وضمان التوازن
بين بنوده.
كيف يعقل
مثلا أن يعلن وزير
الثقافة والاتصال
بالمغرب أن قانون
الصحافة اعتمد
في المجلس الحكومي
وسيعرض على البرلمان
وسيضطلع عليه الرأي
العام بعد صدوره؟
ما الفائدة من
اضطلاعي عليه شخصيا
إذا تحول إلى قانون
عام؟ هذا قلب للمسطرة
نلاحظه مع الأسف
في كل قضايانا
الكبرى.
ثم ما
معنى أن نتحدث
عن "مجتمع الإعلام
والمعرفة" و"الديموقراطية
الإلكترونية"
و"الواقع الافتراضي"
و "التجارة الإلكترونية"
وغيرها ونحن لا
نحتكم على سياسة
اتصالية ومعلوماتية
لها أهداف محددة
وموارد كافية؟
عن أي
مجتمع للإعلام
والمعرفة نتحدث
ونحن لا ننتج لا
تكنولوجيا ولا
برمجيات معلوماتية
ولا نتوفر على
مضامين بصرية ولا
نعير قيمة تذكر
لمحتويات مكتباتنا
ولا نقدر العلم
وأهل العلم؟
أي مجتمع
للإعلام في نسب
للأمية الأبجدية
عالية جدا والمعلوماتية
أعلى؟
أزعم أن
خطاب "مجتمع الإعلام
والمعرفة" بالمغرب
ليس موجها لنا
كمغاربة (أعني
كجماهير) بقدر
توجهه إلى نخبة
معينة لربما نسبة
الأمية المعلوماتية
بوسطها عالية كذلك.
س: إلى
أين تقود سياسة
خوصصة المجالات
الحيوية كقطاع
الاتصالات؟ وهل
هناك دراسات معدة
مسبقا توضح كيفية
استخدام هذه الآلية
وكيفية استثمار
الأموال المحصل
عليها؟ وهل نحن
مهيئين لاعتماد
سياسة الخوصصة؟
- يحيى
اليحياوي: أنا
لست ضد خوصصة بعض
أجزاء القطاع العام
إذا ثبت إفلاسها
بطريقة طبيعية
(نتيجة كونها تجووزت
كنشاط اقتصادي
ذو مر دودية أو
غير ذلك) أو تبين
أنها أصبحت في
تكاليف الإبقاء
عليها مكلفة لميزانية
الدولة. لكني أرفض
خوصصة القطاعات
الاستراتيجية
وتحويلها إلى الخاص
الأجنبي فضلا عن
ذلك.
هذا ليس
موقفا دوغمائيا
أو شعبويا أو ذو
طبيعة نقابية.
هذا موقف مبدئي
مبني على خلفية
استشرافية لما
قد نصبح عليه كدولة
عندما تباع بنانا
التحتية.
أعتقد
شخصيا أن خوصصة
القطاعات الاستراتيجية
بالمغرب (من اتصالات
المغرب والماء
والكهرباء والتطهير
وغدا الخطوط الجوية
والسكك الحديدية
وغيرها) لا يمكن
أن تفهم إلا في
سياق ما أسميه
ب "إفلاس الدولة
المغربية" في اختياراتها
وتنظيمها ومراكز
اتخاذ القرار بداخلها.
لو تمعنا
في مسلسل خوصصة
اتصالات المغرب
مثلا للاحظنا أن
هذا الإفلاس تقمص
أربعة أشكال:
- هناك
من ناحية إفلاس
أخلاقي عميق تمثل
في التصويت على
قانون 24-96 تم يوم أحد
في غياب الثلثين
وفي ظرف انتهاء
دورة تشريعية.
كيف نفهم،
من الناحية الأخلاقية،
تمرير مشروع بهذا
الحجم وبهذه المركزية
في ظروف هي إلى
التلبس أقرب منه
إلى الشفافية وإعمال
مبدأ المصلحة العامة؟
أعتقد
جازما أن هذا القانون
هو الدليل الأقوى
على لاتمثيلية
المؤسسة البرلمانية
بالمغرب وانبطاحها
أمام سلطة الأوامر
وسلطة لوبيات المصالح.
- ثم هناك،
من ناحية ثانية،
إفلاس مالي خطير
على مستوى الميزانية.
فالموارد تتضاءل
ومستوى العجز في
غرفة المراقبة
المشددة وحجم العملة
الصعبة لا يغطي
أكثر من نصف سنة
والتزامات الدين
الخارجي و"الالتزامات
الاجتماعية" لحكومة
هرمة، كلها أمور
تبين أن الحالة
الصحية للمالية
العامة متعبة جدا
في غياب موارد
للإنعاش جديدة.
- وهناك،
ثالثا، إفلاس تدبيري
إذ أن الحصة الكبرى
من صفقة خوصصة
اتصالات المغرب
لم تذهب إلى بند
الاستثمار ولا
إلى صندوق الحسن
الثاني بل إلى
الميزانية العامة
تواجه بفضلها الحكومة
التزاماتها وكتلة
أجورها...
معنى
هذا أن حجم الصفقة
سيصرف في ميزانية
2001 لنبحث من جديد
عن موارد للميزانيات
القادمة... وهكذا
دواليك إلى أن
يعلن إفلاس البلاد
بكاملها.
- وهناك،
أخيرا، إفلاس سياسي
ناذرا ما ننتبه
إليه: ما الفائدة
من الديموقراطية
التي نطالب بها
يوميا إذا لم يتبق
لها من أرضيتها
المادية شيئا كي تتكرس وتتجسد؟
أي أنه لو سلمنا
جدلا بإمكانية
قيام حكومة منبثقة
من صناديق الاقتراع،
على ماذا سترتكز
هذه الحكومة كي
تمول ميزانياتها
بعدما تحول كل
القطاعات إلى الخواص؟
هذا أمر
إشكالي في تصوري
لأنه يبين أن أي
بناء ديموقراطي
لا بد له من بنية
مادية يرتكز عليها
وإلا ستصبح الديموقراطية
ذاتها "ملكية خاصة"
لأصحاب النفوذ
والرساميل.
من جهة
أخرى، كان لمسلسل الخوصصة هذا (على
الرغم من ذلك) فضل
كبير: كونه فضح
الخطابات النقابية
الشعبوية وضعف
"منظمات المجتمع
المدني" وانسياق
العارفين وراء
الارتزاق والخطاب
الرسمي والغياب
القاتل لقوى الضغط
المضادة.
ثم أن
هذا المسلسل أبان
كذلك وبعمق عن
عجز النخبة الحاكمة
لأكثر من أربعين
سنة على إفراز
مسيرين من شأنهم
تسيير القطاعات
الكبرى (جل المسيرين
الحاليين أوصلوا
القطاعات التي
أوكلت إليهم إلى
النفق المسدود)
أو على تكوين أقطاب
صناعية وطنية قادرة
على تعويض الأجنبي
في العمليات الكبيرة.
ما ذا
عنيت قوله باختصار؟
عنيت القول بأنه
إذا بقيت الاختيارات
على ما هي عليه
وطريقة اتخاذ القرار
على ما هي عليه
وتحكم النظرة القصيرة
المدى، فإنني أتنبأ
للدولة المغربية
الإفلاس التام
بعد أقل من عقد
من الزمن.
س: أثرتم في
كتابكم الأخير
"العولمة ومجتمع
الإعلام" ثالوثا
يسترعي الوقوف
عنده، ثالوث "العولمة والحاكمية والمواطنة".
كيف حددتم قياسات
مفاهيم هذه الثلاثية
وما هي طبيعة العلاقة
بينها؟
- يحيى
اليحياوي: اهتمامي
بهذه الثلاثية
جاء في الأصل من
اهتمامي بظاهرة
العولمة كظاهرة
اقتصادية وتوسع
مجالها تدريجيا
ليطال المجتمع
والثقافة والديموقراطية
وإشكالية الحقوق
والواجبات وكذا
مسألة طبيعة تسيير
الدولة وتدبير
المرفق العام.
ماذا نلاحظ
إجمالا؟
نلاحظ
أولا أنه بموازاة
الحديث عن العولمة
ازداد الحديث عما
يسمى ب "التسيير
العقلاني" و"التدبير
الجيد" والمبادرة
الحرة ومحاربة
مختلف ضروب الفساد
والرشوة والمحسوبية
والزبونية...الخ.
La gouvernanceهذا
الخطاب راج في
الأدبيات (أدبيات
المؤسسات الدولية
بالأساس) تحت مسمى
الحاكمية ( والترجمة
هنا إجرائية وليست
مفاهيمية)، بالتالي
كان المقصود منه
الترويج "للحكم
الجيد" على المستوى
السياسي والاقتصادي
والتدبير الإداري
والمؤسساتي بعدما
فشلت أشكال الحكم
الأخرى (حسب البنك
الدولي مثلا) المبنية
على القطاع العام
ومركزية السلطة
وتفشي الرشوة والفساد
وإضعاف مؤسسات
المجتمع المدني.
أنا إذن حاولت
أن أنبش في هذه
العلاقة، علاقة
العولمة بالحاكمية
لأتبين تطور خطاب
المؤسسات الدولية.
ثم بموازاة
العولمة كذلك بدأ
الحديث يتزايد
حول المواطنة وحقوق
الإنسان والأقليات
والمرأة وما إلى
ذلك.
الحاصل بغض
النظر عن سمو هذه
القيم هو أن العولمة
لا تتعامل معها
إلا من منطلق التعتيم
على انعكاساتها
الاقتصادية والاجتماعية
بالنسبة لدول وشعوب
العالم الثالث
بالأساس. هذا الجانب
مهم أيضا وأعتقد
أنه نادرا ما يثار.
بقيت ثنائية
الحاكمية والمواطنة
كيف نقرأها؟ أنا حاولت
في كتابي أن أبين
أن المواطنة الحقة
لا يمكن أن تكتمل
إلا إذا تم التحكم
في آليات حاكمية
مقننة، أي أن يتم
الاعتراف بالحقوق
والواجبات وأن
يتم احترامها في
إطار حكم جيد أساسه
الكفاءة وإعمال
مبدأ المحاسبة.
وهي أمور من الصعب
تحقيقها في ظل
التوجه الحالي
لظاهرة العولمة.
المفارقة
هو أن كل هذه المفاهيم
والمصطلحات نابعة
من المؤسسات الدولية
ومن مراكز الدراسات
والأبحاث الاستراتيجية
بالدول الكبرى
وغالبا ما تتلقفها
النخب الحاكمة
بدول العالم الثالث
دون التدقيق في
مراميها وأبعادها.
ما معنى أن
يدافع خطاب الحاكمية
عن مبدأ تسيير
الدولة كما تسير
المقاولات والإدارات
العمومية؟ وما
معنى أن تقدم الواجبات
على الحقوق في
خطاب المواطنة؟
وما معنى حيادية
دور الدولة بالنسبة
للعولمة والحاكمية
والمواطنة ومركزية
اقتصاد السوق و"مجتمع
السوق".
هذه أسئلة
إشكالية حاولت
النبش فيها.
س: كيف تستشرفون
المستقبل على ضوء
هذه التحولات؟
- يحيى اليحياوي: أنا لست
خبير مستقبليات
كما تعلمين، بالتالي
فمهمتي هي البحث
في السياق العام
وفي التوجهات المؤثرة
في الحاضر وجزء
من المستقبل.
هناك فيما
أعتقد ثلاثة توجهات
كبرى أزعم أنها
ستحكم مجريات الأمور
بالنسبة للمغرب
ولدول العالم الثالث
بوجه عام:
- أولا، العالم
ينتقل تدريجيا
من مجتمع مادي
إلى مجتمع معرفي
تأتي القيمة المضافة
بداخله من المضامين
والشبكات وتداخل
الشبكات الإعلامية
والاتصالية وتفاعليتها.
هذا أمر حتمي يجب
تقييمه التقييم
الصحيح، وأنا أعتقد
أن ما يتم بالمغرب
لا يسير البتة
في الاتجاه الصحيح.
- ثانيا، كل
دول العالم المتقدم
تعير البحث العلمي
وقيم البحث العلمي
كإحدى الروافد
الكبرى للمجتمع
المعرفي المتشكل.
هذا أمر حتمي كذلك.
إلا أن الحاصل
عندنا هو أن لا
العلم تعطاه القيمة
ولا البحث العلمي
تخصص له الموارد
الضرورية. لهذا
السبب ولغيره سنبقى
مجتمع شعر وقصة
لا مجتمع معرفة
أو إنتاج معرفة.
- ثالثا، الديموقراطية
أصبحت معيارا عالميا
لا يشد عليها اليوم
إلا ضيقو النظرة
لأنها هي الوحيدة
الكفيلة بتطويع
سلوك الحاكم وإخضاعه
لسلطة الحق والقانون.
ونحن بالمغرب أبعد
ما نكون عن هذا
المنال.
بالتالي
فلم يعد الزمن
يتيح الحديث عن
"مرحلة انتقالية"
أو "تهيئ الظروف"
أو غيرها، بقدر
ما أصبح مرتبطا
بعمق الحدس وسرعة
العمل المباشر
وصدق الممارسة
التي لا تتحمل
هامش الخطأ الكبير.
أنا لست متشائما
لحد اليأس، لكني
أخشى على المغرب
من تكرار تجربة
أربعين سنة مضت
لم يحقق خلالها شيئا يذكر
وليصنف بعد ذلك
ضمن مؤخرة دول
العالم وهذا ما
لا يمكن أن نرضاه.
حوار هند عروب، جريدة العلم، 24 أبريل 2001