"المغرب
والرتبة 140 في
الحرية
الصحافية"
أصدرت
منظمة "فريدم
هاوس", بداية
هذا الشهر, شهر
ماي من العام 2009,
أصدرت
تقريرها
السنوي
المقتضب,
بخصوص تصنيف الحريات
الصحافية في
غالبية دول
العالم, تقدمت
بموجبه دول
وتراجعت أخرى,
وبقيت ثالثة
ضمن الرتبة
المتحصل عليها
السنة
الماضية, بحكم
تجدر الحريات
الإعلامية من
بين ظهرانيها,
أو على اعتبار
خلو سجلها مما
قد يؤثر على
ترتيبها, أو
يطاول سمعتها.
يقول
تقرير
المنظمة إنه
من ضمن ال 195
دولة التي تم
جرد حوصلتها,
ثمة 70 دولة (أي
ما نسبته 36
بالمائة من
دول العالم)
تتمتع بحرية في
الإعلام
مكتملة, غير
مشوبة بنقصان,
وأن ثمة 61 دولة
(أي ما يوازي 32
بالمائة من
دول العالم)
لا تتوفر فيها
ذات الحرية
إلا بصورة
جزئية, وأن
ثمة 64 دولة (33
بالمائة من
دول العالم)
تنعدم فيها
حرية الإعلام
بالجملة
والتفصيل.
يرتكز
تصنيف دول
العالم, الذي
اعتمدته
وغالبا ما
تعتمده منظمة
فريدم هاوس في
تقاريرها, على
رزمانة
مؤشرات مركبة,
قد نختلف حول
بنيتها,
وطريقة
تركيبها,
والمعطيات
المكونة لها,
وقد نرجم
بعضها
بالتحيز وعدم
الموضوعية,
لكنها تبقى مع
ذلك وفي
الغالب الأعم,
مقياسا تقريبيا
لما نلحظه هنا
وهناك, وبنسب
متقدمة في
العديد من
الحالات:
+
فالمرء لا
يستطيع أن
يزايد, حتى
وإن تجاوز على
هذا التقرير, لا
يستطيع أن
يزايد على
حقيقة الحرية
الصحافية
التي توجد
بدول
كإيسلندا
وفنلندا
والنرويج
والدنمارك,
وقد صنفها
التقرير على
التوالي
بالمرتبة الأولى,
ثم الثانية,
فالثالثة, والرابعة,
متبوعة بأكثر
من ستين دولة حازت
على مرتبة
"حر", وصنفها
التقرير
بالقائمة
المتضمنة
للدول الأربع
المذكورة.
+
والمرء لا
يستطيع أن
يزايد كثيرا,
حتى وإن تحفظ
على التقرير,
وأشار
بالأصبع على خلفيات
واضعيه, لا
يستطيع أن
يزايد كثيرا
على وضع "الحر
جزئيا", الذي
منحته
المنظمة لدول
كالبنين
وإسرائيل
وإيطاليا
والمكسيك
وكينيا, حيث
تبقى الحرية
قطاعية, أو
طرأ بالعام 2009,
ما من شأنه أن
يحول دون
اكتمال ذات
الحرية, كما
الحال مع
الحصار
الإعلامي
الذي مارسته
إسرائيل
أثناء حربها
على غزة, أو
وصول
برلسكوني
لإيطاليا, ومن
خلفه أمبراطورية
في الإعلام محتكرة
للكلمة
والصوت
والصورة.
+
ولا يستطيع
المرء أيضا,
وبالقدر ذاته
أن ينفي,
اللهم إلا من
باب المكابرة
الصرفة, لا
يستطيع أن
ينفي صفة "غير
حرة", التي
كانت من نصيب دول
كالجزائر
والكاميرون
وساحل العاج
والعراق
والإمارات
العربية
وكوريا
الشمالية وما
سواها.
لم
نجد ضمن هذا
التصنيف أثرا
لدولة عربية
واحدة
بالقائمة
الأولى, قائمة
"الأحرار"
إعلاميا, في
حين نجد بعضا
منها
بالقائمة
الثانية, كما
الحال
بالكويت في
الرتبة 115, أو
لبنان
بالرتبة 118, أو
موريطانيا
ومصر
بالرتبتين 124 و
128, في حين نجد كل
ما تبقى (أقصد
الكل تقريبا)
بالقائمة
الثالثة, حيث
عبارة "غير
حر" هي العبارة
الجامعة
والناظمة.
قد
نجد بعضا من
الشفاعة لبعض
من دول الخليج
أو المغرب
العربي, صنفها
التقرير
بمؤخرة
الترتيب, فهي
على الأقل لا
تتشدق بكونها
ديموقراطية, ولا
تدعي أن سوق
الإعلام من
بين ظهرانيها
حر, ولا تتبجح
بأن قوانينها
منفتحة, أو تشريعاتها
لينة في
التعامل مع
الإعلام,
مكتوبا كان أم
مسموعا أم
مرئيا أم ما
سواه.
إلا
أننا لا
نستطيع أن نجد
بعضا من هذه
الشفاعة لبلد
كالمغرب, يدعي
الديموقراطية
والحرية,
ويروج خطابه
الرسمي آناء
الليل وأطراف
النهار, بأنه
أضحى منذ مدة,
نموذجا في سعة
مجال الحريات,
وانفتاح
السوق, وتحرر
اللوائح
والقوانين
والتشريعات...فإذا
به يحصد
الرتبة 140.
إن
الرتبة 140 التي
أحرزها
المغرب ضمن ال
195 دولة, لا تعبر
برأي التقرير,
عن تراجع مؤقت
للحريات
الصحفية, على
الأقل
بالمقارنة مع
الرتبة 138, التي
تحصل عليها
بالتقرير
السابق, أو
بالقياس إلى
دول هي بالأصل
مصنفة "حرة",
لكن ظروفا
طارئة جعلت
حوصلتها
للعام 2009 غير
مرضية, ولكنه
يشير أيضا إلى
تزايد حالات
المتابعات
القضائية,
التي طاولت
بالعام 2008 و 2009
العديد من
الصحفيين, أو ضيقت
على ممارستهم,
أو جعلتهم
عرضة
للمساومة
والابتزاز:
°°-
فالخطوط
الحمر لا تزال
قائمة علانية
وبالمضمر, إذ
مجرد اقتراب
المرء منها,
يسقطه تلقائيا
في المحذور,
فيجد نفسه
مجرجرا
بمخافر
الشرطة, أو مرابطا
بردها
المحاكم
لساعات طوال,
قد لا يسلم
خلالها من
الإهانة, ودوس
مقصود على الكرامة.
صحيح
أن العديد من
البنود
السالبة
للحريات قد تم
شطبها من قانون
الصحافة, بعد
طول مطالبات,
لكن مع إعادة
إنتاجها بصلب
القوانين
العامة
الأخرى,
المدنية منها
والجنائية,
وضمنها قطعا
قانون
الإرهاب السيئ
السمعة
والصيت.
°°-
وموضة القضاء
قد تم الدفع
بمداها إلى
حدود قصوى,
لدرجة تحول
القضاء
بموجبها إلى
سيف مسلط,
يقطع الأعناق
والأرزاق دون
رحمة, عوض أن
يكون أداة
عدالة وإنصاف,
لا بل أصبح
القضاء (وهو
المرتهن
والغير مستقل)
مطية لتصفية
حسابات
جانبية,
لتكميم أفواه
من تجرأ, أو
لجم أقلام من
تطاول, وهكذا.
بالتالي,
فبمجرد ما أن
يرفع لواء
"المس
بالمقدسات"
مثلا, أو يدفع
بشكوى ما على
خلفية من
القذف أو
التشهير أو
"تسفيه الدولة"
(كما وقع
بأحداث سيدي
إفني) حتى يجد
طاقم اليومية
أو الأسبوعية
أو ما سواهما,
أمام قاض,
يحكم
بالتأويل
الفضفاض لهذه
"التهمة" أو
تلك, يلوي
عنق القانون,
ليفرض على
"المتهم"
غرامات
خيالية تقشعر
لها الأبدان,
ونادرا ما لا
تحيل صاحبها
على الإفلاس
المبرم.
إن
المفارقة, في
حالة المغرب,
لا تكمن فقط
في الادعاء
بسعة هامش
الحرية
الصحفية
المتاح, بل
ويكمن أيضا وعلى
النقيض من
ذلك, في
استهداف
المنابر
الإعلامية
التي تحاول الإفادة
من هذا
الهامش, لتفتح
ملفات حساسة,
أو تفضح
سلوكات
وممارسات
نشاز, بفضاء
يدعي الديموقراطية,
ثم بركبها
الشفافية
والمحاسبة
وسلطة
القانون.
إذا
كان من غير
المسموح به
تعرض الصحافة
لمبدأ
القداسة
وحدودها, وإذا
لم يكن من
"صلاحياتها"
التحقيق في
الفضائح
وعمليات هدر
المال العام
ونهبه, وإذا
لم يكن
بمقدورها التطرق
لحالات في
الزبونية
والمحسوبية
والرشوة
والفساد
تعممت
وشاعت...إذا لم
يكن بمقدور
الصحافة
التعرض لكل
ذلك, فلأية
قضية يا ترى
ستتعرض؟
إن
الإعلام
الحقيقي
والهادف لا
يراهن على المداهنة
ولا يبتغي المجاملة,
كما أن الادعاء
بسعة هامش
الحرية, لا
ينفي استبداد
قضاء ظالم
وغاشم ومناهض
للحرية, تماما
كالسلطة
الخشنة
والناعمة
القائمة عليه,
الموجهة
لأحكامه
بالجملة
والتفصيل.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
4 ماي 2009