"ديموقراطية"
بلاد شنقيط
ببداية
هذا الشهر,
شهر غشت من
العام 2008, انقلب
عسكر
موريطانيا
على رئيس
الدولة
الشرعي, بعدما
آزروه
بالانتخابات
من ذي قبل,
والتفوا حوله
وهو برأس
السلطة,
وادعوا الحياد
بإزاء ما اتخذ
من قرارات, أو
أقدم عليه من
مبادرات, طيلة
مدة بقائه العابر
كرئيس للبلاد.
لم
يكن ثمة,
صبيحة السادس
من غشت, ما
ينذر حقا بأن
البلاد مقبلة
على انقلاب
عسكري, بل ساد
الاعتقاد
لدرجة اليقين,
على الأقل منذ
عام ونيف, بأن
زمن
الانقلابات
العسكرية قد
ولى إلى غير رجعة,
منذ سلم الجيش
السلطة
طواعية للمدنيين,
واعتكف
بالثكنات تحت
رهن إشارة
المؤسسات
الدستورية, تماما
كما الحال
بأقدم
الديموقراطيات
وأعرقها.
صحيح
أن ذوات
المؤسسات
كانت بأزمة من
كينونتها,
جراء تزايد
منسوب
الاحتقان بين
الرئيس والبرلمان.
وصحيح أن رئيس
الوزراء لم
يعد قادرا على
ضمان شرعيته
الدستورية,
جراء انصراف
نواب حزبه عنه.
لكن ذلك لم
يكن ليشي بأن
العسكر
سيتحرك لإجهاظ
"التجربة
الديموقراطية",
أو الانقضاض
على السلطة من
جديد.
إن
الذي أفاض
الكأس حقا, لم
يكن إلا جزئيا
حالة التناحر
بين البرلمان
والرئيس, ولم
يكن بأي حال
من الأحوال,
نتاجا
لانسداد أفق
العملية
السياسية, بعد
انفراط الثقة
في رئيس
الوزراء ومن
خلفه الرئيس,
بل أتت نقطة
الكأس الفائضة
من إقدام رئيس
البلاد على إقالة
جنرالات جد
متنفذين
بالسلطة
والجيش,
وبمقدمتهم
قائد الحرس
الرئاسي,
وقائد أركان
الجيش, وأقرب
مساعديهم.
قد
يكون قرار
إقالة هؤلاء
الضباط
الكبار نتيجة
سوء تقدير,
وقد يكون ذلك
متأتيا من
حسابات, كان
الرئيس
السابق
يضمرها بنفسه,
وقد يكون القرار
إياه غير
محسوب
العواقب
والتبعات. لكن
المؤكد, بصرف
النظر عن كل
ذلك, أن
الرئيس المطاح
به كان بتصرفه
هذا, يعطي
الانطباع
بأنه يستمد
شرعيته من
القاعدة الشعبية
التي حملته
للسلطة, القادرة
على حمايته
زمن المحنة,
والمانحة له
لصك الأمر والنهي,
بمنطوق
العهدة التي
تكفل بها,
عندما صوت
عليه غالبية
الموريطانيين.
إنه
لمن سوء
التقدير حقا,
ومن الغباء
السياسي أيضا,
أن يعمد
الرئيس إلى
إقالة قائد
حرسه الخاص,
ورئيس أركان
جيشه, وهو
يعلم علم
اليقين, أنهما
يحتكمان على
القوة الخشنة,
التي بإمكانهما
إعمالها دون
إذن منه, أو
توظيفها ضده
في الخفاء, أو
إثارتها
بوجهه
بالحالات
القصوى.
ومن
سوء التقدير,
الممزوج
بالغباء
السياسي فضلا
عن ذلك (غباء
من جهل أو
تجاهل ضبط
التوازنات
الرفيعة) إقالة
رئيس وزراء
تحت الضغط بالبرلمان,
ثم إعادة
تعيينه نكاية
في المعارضة, شماتة
في
احتجاجاتها, وتجاهلا
منه لتوالي
استقالة
النواب,
المساندين
لهما معا منذ
اليوم الأول.
لا
يقل عن ذلك
سوءا في
التقدير, ولا
إيغالا في الغباء
السياسي, رفض
الرئيس للعديد
من مطالب نواب
حزب وزيره
الأول, عندما
ألحوا على عقد
دورة طارئة
للبرلمان,
بغرض مناقشة
قضايا غير ذات
تبعات كبرى,
أو تعيين لجن
تحقيق, للكشف
عن جهة صرف
بعض من المال
العام
"المقترض من
الخارج", أو
مساءلة زوجة
الرئيس, في
بعض من سلوكها,
أو قولها, أو
فعلها ضمن هذا
الإطار أو
ذاك.
لم
تكن المطالب
تعجيزية بالمرة,
ولا كانت من
قبيل
المزايدة على
شرعية الرئيس,
ولا ادعى
رافعو لوائها
زعزعة
استقرار
البلاد, أو
تغيير نظام
الحكم. ومع
ذلك تصلب
الرئيس وتمنع,
لدرجة دفعه
بالأمور صوب
الباب
المسدود,
بالجملة
والتفصيل.
وإذا
كانت الأمور
قد سارت على
غير تقدير
الرئيس
المطاح به,
فإن جنرالات
الانقلاب
صرحوا بأنهم
إنما أتوا "لتصحيح"
مسار, بدا لهم
وللشعب
الموريطاني,
زائغا عن
سكته, ولم تعد
تحكمه معايير
محددة, وأن "الرئيس
انقلب على
النهج
الديموقراطي"
الذي التزم
به, وبدأ
يتصرف دونما
إعارة كبير
اعتبار للمؤسسات
الدستورية
القائمة...بدليل,
يقول هؤلاء,
تلويحه
المستمر
بورقة حل
البرلمان, إن
أقدم هذا
الأخير على
حجب الثقة عن
الحكومة,
ورفضه
التجاوب مع
مطالب نواب,
زكوه, وآزروه,
وضمنوا
لوزيره الأول
النصاب
القانوني
بالبرلمان.
لم
يكتف هؤلاء برغبتهم
في تصحيح
المسار, بل
تعهدوا بأنهم
سيرتبون
لانتخابات
رئاسية "في
أقرب وقت
ممكن", فلم
يعمدوا إلى حل
المؤسسات
القائمة, أو
فرض حالة من
حالات
الاستثناء أو
الطوارئ... فتجاوبت
مع حركتهم
العديد من
الأحزاب
والتيارات
السياسية,
وخرجت بعض من
الجماهير
لمساندتهم, بالشوارع
ومن على منابر
وسائل
الإعلام.
إن
الذي يثير
حقا, بحالة
انقلاب
جنرالات موريطانيا
على الحكم
المدني
المنتخب,
ويدفع للتساؤل
بقوة, إنما
ثلاث قضايا
أساس, يبدو لي
أن الديموقراطية
ستبقى دائما
وأبدا على محك
منها بالمظهر
والمضمون:
+
الأولى
وتتعلق
بازدواجية الحكم
والسيطرة,
التي توكل الرئيس
المنتخب
أدوات الحكم,
لكن تبقي
السيطرة
والهيمنة على
النظام
السياسي, لمن
بيده قوة
السلاح
والبطش. إن
تحديد قواعد
اللعبة هنا لا
تكفي, لضمان
مسار
ديموقراطي فتي,
بل تستوجب
منسوبا
مرتفعا من
الاحترام (احترام
قواعد اللعبة)
والمصداقية,
لا تستطيع هذه
الجهة
المتعاقدة أو
تلك, اختراقها
أو تجاوزها,
إذا لم يكن من
زاوية النظر
الأخلاقية
الصرفة, فعلى
الأقل
بالمنظور السياسي,
الذي لا
ديموقراطية
إن جمدت بنوده,
أو تم الدوس
عليها بمداد
الرئيس, أو
بأحذية
العسكر.
يبدو
لي, بهذه
النقطة, أن
الرئيس
الموريطاني
المطاح به, لم
يكن يدرك جيدا
أن تموقعه بأعلى
هرم الحكم
والسلطة, لا
يضمن له
السيطرة والهيمنة
على ما سواه
من مستويات
"دنيا", فما بالك
إن كانت
المؤسسة
العسكرية, النافذة
بالقوة
والمصالح, ضمن
هذه
المستويات.
+
أما القضية
الإشكالية
الثانية, التي
يثيرها انقلاب
موريطانيا, مهد
بلاد شنقيط
المترامية
الأطراف,
فتتعلق بقيمة
ونجاعة
وفاعلية
الانتداب
الشعبي, عندما
يمنح لهذا
المستوى أو
ذاك, وضمنه
حتما مستوى
انتداب
الرئيس. هو
عقد سياسي
واجتماعي
وأخلاقي,
تبرمه غالبية
الناس مع شخص,
يختارونه
للحكم لمدة
زمنية محصورة,
قد يعاودون
اختياره
بانفراطها إن
هو أصلح
واستقام, وقد
لا يجددون له
العهدة إن
تقاعس أو قصر,
أو تجاوز على
مضامين ذات
العهدة.
إن
تجرأ مؤسسة
الجيش هنا على
إزاحة رئيس
منتخب, لا يشي
فقط بالتجاوز
على إرادة
الجماهير,
وطعن
اختياراتها
من الخلف, بل
ويشي أيضا
بطغيان سلوك
أبوي, لن
تتردد ذات
المؤسسة
(مؤسسة الجيش)
في إعماله
بجلائل
النوازل, كما
بأخفها وطأة
على حاضر
البلاد
ومستقبلها.
وعلى
هذا الأساس,
فإن قول "مجلس
الدولة" الموريطاني,
بأنه سيعمد
إلى إجراء
انتخابات
رئاسية قريبا,
هو أمر وارد,
لكن
الانتخابات
إياها ستفرز
حتما ومن
جديد, رئيسا
لن يفلت
بالقطع من
دوامة البعد
الأبوي الذي
يدفع به
الجيش, ولن
يتردد في
إعماله, بمسوغ
موضوعي ثابت,
أو دونما
الحاجة إلى
مسوغ بالمرة.
+
القضية
الإشكالية
الثالثة
وترتبط
بمسألة النضج
السياسي, التي
لا مندوحة
عنها
لاستقرار أية
ديموقراطية,
سيما لو كانت
ناشئة, فتية,
تتلمس بداية الطريق.
ليست العبرة
هنا بالإجراءات
المحيلة على
الديموقراطية
(من تعددية
حزبية, ونزاهة
بالتصويت وما
سواها), المهم
هو سبل الحؤول
دون الارتداد
على التجربة,
عندما تبلغ
مداها
الإجرائي,
وتدخل مجال
الفعل
المباشر.
بهذه
النقطة, لا
تسائل مسألة النضج
السياسي جانب
الإجراءات,
بقدر مساءلتها
للثقافة
السائدة:
أمتجذرة في
السلوك هي, أم
هي مجرد أدوات
عابرة, يعمد
إلى إعمالها
بالمظهر, لكن
سرعان ما
ينقلب على
صلبها
بالجوهر.
يبدو
لي أن هذه
القضايا
الثلاث هي
التي كانت خلف
مقتل
"ديموقراطية
بلاد
شنقيط"...هناك
بمداخل
الصحراء
الإفريقية
الكبرى...حيث
لا طير يطير,
ولا وحش يسير,
في
رمال الديموقراطية
المترامية.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
18 غشت 2008