"موازين إيقاعات العالم"

 

 

 

التأم بالعاصمة المغربية الرباط, أواسط هذا الشهر, شهر ماي من العام 2009, رهط من الفنانين والموسيقيين والمغنين وما سواهم, من كل أنحاء العالم, التأموا جميعا في إطار الدورة الثامنة لمهرجان "موازين إيقاعات العالم", دأب القائمون عليه على تنظيمه بصورة دورية, بداية كل صيف من كل سنة, أو لنقل في عز صيف كل سنة.

 

هو مهرجان للغناء والموسيقى فقط, يستقدم لتأثيث أمسياته ولياليه, فنانون ومغنون ومطربون من كل المشارب والتيارات الفنية والموسيقية, الراقية الصرفة منها, كما الموغلة في الكلام السوقي الخالص, لكنها تلهم بعض من العامة, تتساوق مع مستوى علمها وتعلمها, أو مع الشريحة الاجتماعية التي تحتضن ذات الكلام, تتناغم مع مقدميه في القلب والقالب.

 

وهو مهرجان يجمع من بين ظهرانيه كل الأنماط الغنائية, وكل الألوان, لا بل وكل الإيقاعات, على خلفية من تثمين خاصية التنوع, التي تطبع موسيقى العالم المختلفة, وتحويل ذات الخلفية, إلى قيمة كونية كبرى, تتجاوز على ضروب العنف والاحتراب, التي غالبا ما تميز العلاقات بين الدول والأمم والشعوب.

 

ثم هو مهرجان رسمي وإلى حد بعيد, يرعاه عن بعد رئيس الدولة, ويشرف عليه كاتبه الخاص, تموله كبريات الشركات والمقاولات العمومية والشبه عمومية والخاصة, وتجند له إمكانات الدولة, المادية منها كما البشرية على حد سواء, ناهيك عما يرصد له في الخفاء من مال عام, هو بالأصل وبالمحصلة ضرائب للمواطنين, مجباة منهم طوعا أو إكراها.

 

ليس ثمة من شك في أن المهرجان "فريد من نوعه", على الأقل من زاوية قدرته على جمع شخوص من ألوان مختلفة (تجاوز عددهم هذه السنة 1500), من مشارب فنية متباينة, ومن طقوس في الأداء متميزة عن بعضها البعض, متمايزة لحد التناقض في بعض الأحيان.

 

وليس ثمة من شك في أن للحدث تداعيات هامة, على المستوى الاقتصادي والسياحي تحديدا, كما على مستوى صورة المغرب بالخارج, باعتباره يروج للبلد ك"أرض للتسامح واللقاء", و"مهد للتنوع والاختلاف", و"صلب التفتح والانفتاح", بثقافته, بطبيعته, بطبيعة نظامه السياسي "المعتدل", كما بالصورة الإيجابية التي يحرزها, بالقياس إلى بلدان عربية وإسلامية, قد لا تكون ذات المواصفات من نصيبها دائما.

 

وليس ثمة من شك أيضا, في أن التنظيم كان محصنا بأفراد في الحماية والأمن متمرسين, على اعتبار أن التظاهرة مرعاة على مستوى عال, ويثوي خلفها رجل لا يرد له طلب, ومنظمة فضلا عن ذلك, بعاصمة البلاد الإدارية والسياسية, حيث كل مرافق الحكم والدولة.

 

ليس على كل ذلك من غبار كثير يذكر, وإلا فسيسقط المرء حقا وحقيقة, في أحكام القيمة المجردة, أو يعمد إلى امتطاء ناصية المزايدات العقيمة, التي غالبا ما تصاحب كذا مهرجانات.

 

إلا أن الذي لا يمكن للمرء التجاوز عليه, أو إغفاله, أو التبرم عن تسجيله, إنما أمران أساسيان اثنان, لازما المهرجان منذ طبعته الأولى, وبلغا ذروة مدهما بالمهرجان الأخير, مهرجان صيف العام 2009:

 

+ الأول ويكمن في التكلفة الباهظة التي أقيم بها المهرجان, والأموال الضخمة التي دفع بها لتغطية مصاريف التنظيم, والتكفل بالضيوف, إيواء وإطعاما ونقلا وتعويضا, ناهيك عن شتى ضروب الأنشطة الأخرى, المستهلكة بكثافة للموارد المادية كما البشرية كما اللوجيستية كما ما سواها.

 

إن تكلفة مهرجان موازين لهذه السنة تجاوزت الثلاثة مليار سنتيم, أي ما يناهز النصف مليار من الدولارات, لو تم احتساب مصاريف ما تحت الطاولة...وهذا بحد ذاته رقم خيالي, تهتز له الأبدان والجبال, في بلد محدود الموارد والإمكانات, مثقل بالأزمات, مستسلم لقضاء دولة لم تنصفه يوما, ولا تمعنت في خلفيات احتجاجاته, وصرخاته المتتالية, تحت أنين انتفاء الحيلة من بين يديه, أمام الأسعار وتكاليف اليومي, وما سوى ذلك.

 

+ أما الأمر الثاني, فيتمثل في تلازم "انعقاد" الدورة مع تهييء طلاب المدارس والجامعات لامتحانات نهاية السنة الدراسية والجامعية, ولكأن المنظمين كانوا في عجلة من أمرهم, لدرجة عدم تمهلهم على الأقل لحين ابتداء موسم العطل الصيفية, فتكون المدارس والجامعات قد صرفت منتسبيها, ويكون منسوب تتبع أطوار الدورة مرتفعا.

 

لا يستطيع المرء التكهن حقا بالسر خلف ذلك, لكن المؤكد أن تاريخ الدورة لم يكن مدروسا بالمرة, بزاوية انشغال الآباء والأبناء (وهم الجمهور المفترض لمهرجان من هذا القبيل) بظروف امتحانات نهاية السنة.

 

لسنا بهذا الكلام دعاة يأس أو أداة تيئيس. إننا لسنا ضد مهرجان من هذه الطينة, ولا نحن من دعاة مقاطعته, فما بالك رجم الثاوين خلفه, ابتغاءهم أهداف إيديولوجية محددة ومرسومة.

 

إن الذي لا نستسيغه بالجملة والتفصيل, ونناهضه بقوة, إنما المصاريف الضخمة التي ترتبت عن هذه الدورة, ولم يفد منها المواطن المغربي كثيرا, اللهم إلا القول بضرورة "تغيير رتابة ليل العاصمة الإدارية للمغرب, لكون موظفيها يأوون باكرا إلى منازلهم, أمام قلة الملاهي, وارتباطهم بأوقات العمل", أو القول ب"دعم الرباط كمدينة مفتوحة على العالم"... وهكذا.

 

قد يقول قائل: صحيح أن تكاليف المهرجان مرتفعة وباهظة, لكنها لا تتأتى من المال العام, بل هي من رعاية شركات كبرى, تتغيأ تلميع صورتها بملتقى عالمي ندر نظيره, وأن المهرجان بالمحصلة مناسبة هامة لذوات الشركات, للإعلان عن هوياتها وخدماتها وسلعها, وأن الأمر بينها وبين إدارة المهرجان, إنما ينحصر في إطار صفقة, الكل من بين ظهرانيها رابح وغانم.

 

هو قول لا تنقصه الدقة كثيرا, إذ رعاة المهرجان هم خواص في أغلبهم, لهم ميزانيات ما يصرفون, وذات المصاريف هي بالأصل من مواردهم الذاتية, لا مما تتحصله مصالح الدولة من إتاوات وجبايات وضرائب.

 

ومع ذلك, فما قد تكون ذوات الشركات قد صرفته لتغطية تكاليف المهرجان, باهظ بكل المقاييس, والأولى لو تم توجيه ذات الأموال لمشاريع استثمارية تنتج الثروة أو المعرفة, أو تفسح في المجال لخلق فرص في العمل لملايين العاطلين, وضمنهم الآلاف من أصحاب الشهادات الجامعية العليا.

 

ثم إن رعاة المهرجان لم يمولوه طواعية بكل تأكيد, بل عمدوا إلى ذلك دون شك, إما من باب المحاباة, أو بسبل الابتزاز, أو تحت الضغط والإكراه الغير مباشرين. إذا لم يكن الأمر غير ذلك, فهل كان يا ترى لمهرجان من هذا الحجم, أن "ينجح" وينتشر صيته, لولا رعاية رئيس الدولة له, وإدارته من لدن كاتبه الخاص...القائم على ثروته وأملاكه؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 18 ماي 2009