مشروع فرنسا
المتوسطي
لم
يكن مشروع
نيكولا
ساركوزي
للاتحاد
المتوسطي وليد
حملته
الانتخابية
لبلوغ سدة
الحكم بفرنسا,
بل كان فكرة
أضمرها الشخص
حينا, وجاهر
بها أحيانا
أخر, عندما
تولى قيادة
الحزب (حزب "الاتحاد
من أجل حركة
شعبية") الذي
باسمه ترشح
للرئاسيات,
وغدا بدعمه
رئيسا لفرنسا,
مؤطرا على
الأقل لمدة
خمس سنوات,
سياساتها
الداخلية,
صانعا وموجها
لسياساتها مع
الخارج.
وعلى
الرغم من أن
سياق المشروع
أتى, على
الأقل
بمنازلة
ساركوزي
لغريمته
الاشتراكية
سيغولين
رويال, قطعا
للطريق جازم
على تحمس هذه
الأخيرة الواضح
لضرورة استمرار
المفاوضات لضم
تركيا
للاتحاد
الأوروبي, فإن
المشروع إياه سرعان
ما بدأ يتشكل
تدريجيا بذهن
صاحبه ليتعدى
"الإشكالية
التركية",
ويطاول منطقة
البحر الأبيض
المتوسط
برمتها.
يقول
ساركوزي, بحفل
تسليم السلط
بينه وبين الرئيس
السابق جاك
شيراك: "إن
فرنسا بإدارتها
الظهر للبحر
المتوسط
تعتقد أنها
تديره للماضي,
في حين أنها
عمليا تديره
لمستقبلها".
كان
المشروع قبل
ذلك, على
الأقل برأي من
واكبه منذ
البدء, مجرد
إعلان نوايا
خالص, ولم يكن
مصحوبا بترتيبات
عملية تضفي
عليه بعدا
تطبيقيا من
خاصية ما, لكن
حملة ساركوزي
الانتخابية
أشرت بهذا
الجانب, لبعض
التوجهات
الكبرى التي
لم يكن الرئيس
المرتقب
مطالبا
بتفصيلها,
والحملة
الانتخابية
على أشدها. أما
وقد أضحى
رئيسا مكتمل
السلطات, فقد
بات مطالبا
بتوضيح
معالمه,
وإبراز مدى قابليته
على التطبيق.
فهو
اعتقد ولا
يزال, ب"أن
فرنسا, التي
هي أوروبية ومتوسطية
في الآن معا,
يجب أن تأخذ
المبادرة مع دول
كإسبانيا
والبرتغال
وإيطاليا
واليونان
وقبرص, من أجل
إقامة شراكة
متقدمة مع
الدول الأخرى
المكونة
للمتوسط", وأن
الذي يكون حقا
شكل الاتحاد الأوروبي
الحالي, قابل
لأن يترجم
فيما يتعلق
بهياكل
الاتحاد المتوسطي
القادم.
هو"إطار
للتعاون" بين
ستة عشرة دولة,
تقوده فرنسا
وحلفاءها
بالاتحاد
الأوروبي
(الجهة
المحركة يقول
البعض), بمحيط
سيدمج دول
المغرب
العربي
وتركيا ومصر
وإسرائيل, وتدخل
باختصاصاته
قضايا "الأمن
والإرهاب", و"حماية
البيئة",
و"الحد من
آثار الهجرة", و"دعم
الحوار بين
الثقافات
والحضارات"
لمنطقة
المتوسط...ويشتغل
وفق هيكلية
مؤسساتية تضم
رئاسة عليا
على غرار
رئاسة الاتحاد
الأوروبي, مع
انتظام كل ذلك
بقمم دورية,
يتناوب على
رئاستها قادة
من شمال
المتوسط, ومن
جنوبه
بالتتالي.
وهو
أيضا (الاتحاد
المتوسطي
أقصد) بمنطوق
الرئيس الفرنسي,
لبنة في بناء
قاعدة
"الاتحاد
الأوروبي
السياسي
والاقتصادي
والثقافي,
مرتكز على
مبدأ المساواة
الدقيقة بين
الأمم".
هو,
بصورة من الصور,
امتداد
للمشاريع
القائمة فيما
يبدو, لكن
الرئيس
الفرنسي يريده
أن يكون على
النقيض منها
بالشكل كما
بالمضمون:
+
فمسلسل برشلونة
للشراكة
الأورومتوسطية
(بصيغتيه
الأولى
والثانية), والسائد
منذ أواخر
العام 1995, يبدو
للرئيس إياه غير
ذي نجاعة
كبيرة, ولم
ينجح بتصوره
(وهو الضام
للدول الخمسة
عشرة للاتحاد
الأوروبي
بحينه, ولإثنى
عشرة دولة
متوسطية غير
أوروبية,
كإسرائيل
وتركيا
والسلطة
الفلسطينية
وغيرها), لم
ينجح لا في
"خلق مجال
للسلم
والاستقرار",
ولا في "إنشاء
منطقة تبادل
حر ورفاهية
مشتركة", ولا
في "التقريب
بين الشعوب",
شعوب المنطقة.
هو
مسلسل معطوب,
يزعم الرئيس
الفرنسي, على
اعتبار أنه لم
يفلح في تحقيق
الأهداف
الثلاثة الكبرى
التي حددت له,
وعلى فترة من
الزمن قاربت
العقد والنصف.
الأمر هنا يتجاوز
المراجعة الشكلية,
ويذهب لحد إضمار
"الضرورة" في
البناء على
الأنقاض.
+
ومسلسل "حوار
5+5", القائم منذ
أكتوبر من
العام 1990,
والناظم
بإطار "تصريح
روما", لدول
أوروبا
والمغرب
العربي
المطلة
مباشرة على
البحر المتوسط,
لم يخرج كثيرا
عن
الاجتماعات
الدورية لوزراء
خارجية
البلدان تلك,
تتبادل الرأي
"المجرد", ولم
تتقدم كثيرا
بمحور "إيجاد
الحلول العملية
للمشاكل
السياسية
والأمنية ذات
الأهداف المشتركة",
التي حددها
الإعلان
لنفسه, من
أكثر من عقد
ونصف من
الزمن.
+ أما اتحاد
المغرب
العربي, فيبدو
للرئيس
الفرنسي وإن
بالمضمر
الواضح, تجمعا
متوقف الفعل
تماما, بل ولم
يتسن لقادته
الاجتماع
بقمة كبرى منذ
أواسط
تسعينات
القرن الماضي,
بسبب من
النزاعات
الثنائية
الخاصة, أو
لوجود قضايا
عالقة لم تجد
طريقها للحل
أو للتجاوز.
ولما
كانت كل ذات
المشاريع قد "استنفذت",
أو تعطلت, أو
طاولتها
تعرية الزمن
عمليا, فإن
ساركوزي
بمبادرته
"الجديدة",
إنما يتغيأ
استنبات
مشروع متجدد
على غرارها,
"يدفع
بالتنمية
المتبادلة,
يقوي الشراكة
بالميدان
الصحي
والتكنولوجي,
يحارب
الإرهاب الإسلامي,
ويسهم في
إيقاف الهجرة
السرية", مع
إيلائه
أولوية قصوى
للبيئة, بجهة
جعل "البحر
الأبيض
المتوسط
الأنظف في العالم".
وإذا
كان من السابق
لأوانه حقا
تقييم مفاصل
المشروع, كونه
لا يزال مبهما,
هلامي
العناصر (حتى
بوضوح بعضها
كالبنك
المتوسطي
مثلا), وعلى
الرغم من أن
قمة يونيو
القادمة التي
تمت الدعوة
لها من لدن
الرئيس
الفرنسي,
لربما تسهم في
إبراز فلسفة
المشروع
وآليات العمل
من بين
ظهرانيه, على
الرغم من ذلك
أقول, فإنه
بالإمكان
الوقوف عند
بعض الخلفيات
الكبرى, التي
حكمت توجه ذات
المشروع
وجعلت منه
مبادرة موسعة,
غير مقتصرة
على البعدين
التجاري
والاقتصادي,
اللذين تحكما
في المسلسلات
السابقة:
°°- ففرنسا
تعتبر أن
منطقة المغرب
العربي
تحديدا, منطقة
نفوذ لها
تقليدي
بامتياز, توشك
على "السقوط"
بيد النفوذ
الأمريكي المباشر,
والزحف
الصيني
المتزايد
بالمنطقة
إياها, وبباقي
دول القارة
الإفريقية,
التي كان
لفرنسا بها تواجد
كبير منذ
ستينات القرن
الماضي.
المشروع
من هنا مصلحة
فرنسية
مباشرة
بالتأكيد, لكنها
حمالة بالآن
ذاته لبعد
معنوي واعتباري
قوي, بجهة من
العالم يزعم الرئيس
الفرنسي أن
ذات البعد
تخلخل بها
كثيرا بزمن
الرئيس
الفرنسي
السابق,
ولربما من
قبله أيضا.
°°-
وفرنسا تعتبر
أن "نزع شوكة
تركيا"
المتمثلة في
إلحاحية
مطلبها
الانضمام
للاتحاد
الأوروبي, لن
يتم إلا
بتحفيزها في
إطار "جديد",
يغريها
ويعوضها,
بمجال هي
"الأقرب إليه
جغرافيا
وحضاريا",
يقول ساركوزي
ويكرر.
إن
تركيا, يقول
الرئيس
الفرنسي, "بلد
متوسطي كبير,
بإمكان
أوروبا المتوسطية
العمل معها
على وحدة
المتوسط", في
تلميح مباشر
جلي, بأن "لا
مكان لتركيا
بالاتحاد
الأوروبي"
طالما بقي على
رأس الدولة
الفرنسية.
°°-
وفرنسا تعتبر
أن دمج
إسرائيل بذات
المشروع (هي
التي استشيرت
بإزائه قبل
البدء في
صياغة خطوطه
العريضة,
والترويج له)
إنما هو من
دمجها
بالمتوسط
نهائيا, والقبول
بها "كشريك
كامل", شأنها
في ذلك شأن
دول المنطقة
المتجذرة بها
تاريخيا...وهو
ما فشلت فيه,
بنظر الرئيس
الفرنسي, صيغ
الشراكات
السابقة.
ليس
ثمة من شك إذن,
في أن المشروع
إنما هو مضمر
لحسابات
جيوستراتيجية
خالصة (وليس
محصورا بالبعد
الاقتصادي
والأمني
القصير المدى),
دفعت بفرنسا
للترويج له
بقوة, مخافة
تهاوي دورها
بالمدى
المنظور,
وتقلص
تواجدها إلى
مستويات غير
مرجوة.
وعلى
الرغم من
المعارضة
الشديدة التي
لقيها ذات
المشروع من
لدن تركيا, هي
التي تعض
بالنواجد على
مطلبها
بالانضمام
للاتحاد الأوروبي,
وتحفظ العديد
من دول هذا
الأخير سيما
ألمانيا (شريك
المغرب
العربي الأول)
وبريطانيا,
وأيضا بعض دول
"الجنوب", فإن
"مباركة
الأمريكان"
ضمنيا
للمشروع, إنما
يدخل بسياق
توزيع
الأدوار,
ومجازاة
الرئيس
الفرنسي على
مجاراته
للرئيس
الأمريكي في
سياساته
بالعراق, وبإزاء
الروس, كما
بالملف
النووي
الإيراني, ذي
التداعيات
الضاغطة لدى
الأمريكان.
صحيح
أن لا سلطة
للرئيس
الفرنسي على
قرار الاتحاد
الأوروبي
النهائي, هو
الذي يفضل
اقتصار الأمر
على الشراكة,
دونما أن يذهب
طموح صاحب
المشروع لحد
الاتحاد. وصحيح
أنه لا يستطيع
ثني تركيا
للتراجع عن
مطلبها
بالانضمام
لأوروبا
الموحدة. وصحيح
أيضا أنه لا
يستطيع جمع
غرماء
بالمتوسط
الجنوبي,
تتفاعل
حساباتهم
لدرجة
التناقض (بسبب
تواجد إسرائيل,
واستعصاء حل
مشكل
الصحراء). لكن
فرنسا لا تستطيع
بكل الأحوال,
التغاضي عن
منطقة نفوذ,
تجري ترتيبات
بعيدة, للهيمنة
عليها عسكريا
من لدن
الأمريكان, وتغلغل
بالاستثمار
المباشر
وبالشراكة
الناجعة
حقيقي, من لدن
الصين.
إن
فرنسا
ساركوزي
بمشروع
الاتحاد
المتوسطي هذا,
إنما تريد
المجاهرة
بالقول بأنه
لا يمكن أن تدير
ظهرها قسرا أو
طواعية,
لمنطقة نفوذ
لها كبرى. وتجاهر
أيضا بأنه لا
يمكنها أن
تسلم بأمر
واقع جار على
قدم وساق,
لاستبعادها
بالجملة
والتفصيل من
هناك.
قد
تتوفق فرنسا
في ذلك
بحساباتها مع
الأمريكان
ومع حلفائها الأوروبيين,
لكنها لا
تستطيع ثني
الصين عن استمالة
قارة ومنطقة,
سئمت
المشاريع
الآتية من فرنسا,
وسئمت نفاق
الشمال وتعاليه.
كيف لها
أن تسلم
بمشروع
"جديد", يبدو
الكبر والتعالي
من خصائص
صاحبه؟
يحيى
اليحياوي
الرباط,
29 أكتوبر 2007