هل الإعلام العربي إعلام إحباط؟
يحيى اليحياوي
1- ليس من التجني في شيء ولا من باب التحامل الجزافي الخالص اعتبار الإعلام العربي (المكتوب منه كما المرئي، المشتغل بالداخل كما العامل ببلدان المهجر) إعلام إحباط بامتياز، إذا لم يكن قياسا إلى ما هو مطلوب منه فعلا فعلى الأقل احتكاما إلى واقع عطائه وواقع ما توفر لديه من بنى وموارد وإمكانات.
والحقيقة أنه بصرف النظر عن بعض التجارب الرائدة (بالمشرق أساسا وببلاد الشام)، فإن ما سوى ذلك لا يعدو كونه إعلاما أفرزته النظم القائمة على مقاسها تمرر للجماهير من خلاله صورتها وخطابها في الشكل كما في الجوهر.
ولئن أضحى من المسلم به اليوم أن أداء الإعلام العربي (بكل مكوناته وتشكلاته) لا يخرج إلا فيما ندر عن أداء النظم الحاكمة، فإن من المسلم به أيضا أن الإحباط المترتب عن أداء ذات النظم فيما ولى من سياساتها كما في القائم منها، لا بد وأن ينعكس بالصوت والصورة على أداء الإعلام إياه تصورا وتوجها وخطابا.
بالتالي، فإذا تم التسليم بأن الإعلام العربي هو إعلام إحباط دونما مزايدات كبرى، فإنه لن يتعدر بعد ذلك التسليم بأنه إنما صورة للإحباط العام الذي طاول نفسية المواطن العربي بإزاء ذات الإعلام كما بإزاء النخب الحاكمة القائمة عليه إذا لم يكن في النشأة، فبالتأكيد في التصور والتمويل والاحتضان.
وعلى الرغم مما حملته طفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال من مزايا جوهرية وما استتبع ذلك من زخم في عدد المحطات الفضائية وتهافت العديد من المنابر المكتوبة على ولوج شبكة الإنترنيت وما سواها، فإن ذلك لم يكن من شأنه استنبات ممارسة إعلامية جادة تقطع مع مراحل سابقة لربما كانت الندرة خلالها حائلا دون ذات الممارسة أو مبررا لغيابها.
ومعنى هذا أنه في قارية الواقع القائم وسكونيته، فإن الإعلام العربي لم يستطع تجاوزه ولا القفز على معطياته تماما كما لم يستطع (اللهم إلا في القليل النادر) اختراقه أو التحايل عليه من خلال التحايل على مؤسسات كالرقابة استفادت وبقوة من طفرة التكنولوجيا هاته وانفتاح السماوات الناتجة عنها.
ومعناه أيضا أن الإعلام العربي (قبل الطفرة الإعلامية كما زمن الندرة) لم يكن فقط صورة طبق الأصل للنظم الحاكمة (إذا لم يكن مندغما فيها قلبا وقالبا)، بل أضحى وإلى حد بعيد "الناطق" باسمها، "المشرعن" لممارساتها وسلوكياتها والمبرر لتصرفاتها أيما يكن التبرير.
وعلى هذا الأساس، فلو كان للإحباط الكامن في ذات الإعلام أن يستجلي فلن يتم له ذلك إلا حين يتم استجلاؤه عن الفضاء العام الذي تؤثثه النظم إياها وتقوم على استمراره في الزمن والمكان.
2- والإحباط الذي نتحدث فيه هنا لا نخاله مقصورا على شريحة اجتماعية دون أخرى ولا حصرا على فئة عمرية لا تلقى في الإعلام (ولا في النظم القائمة) تجاوبا وتطلعاتها، بل هو حالة بسيكوسوسيولوجية تخترق المجتمعات في أفقيتها، تعتمل في فعلها وردود فعلها ولا تخضع فضلا عن ذلك للقياس بسهولة.
ولما كان كذلك وأكثر فإنه (أعني الإحباط) غالبا ما يتحدد بناء على مكامنه وانطلاقا من تجلياته وخاصياته.
بالتالي، فلو كان لنا أن نحصر الخاصيات إياها لحصرناها إجمالا في ثلاث كبرى لم يطاولها "التقادم" من أمامها أو من خلفها:
+ الخاصية الأولى وتتمثل أساسا في الطابع التهريجي الذي ما فتئ يطبع سير الإعلام العربي ويؤسس لتوجهاته المستقبلية.
فهو لا يطنب فقط في مدح الحاكم ويرفع من مرتبته لدرجة القداسة بل يختزل في شخصه الحاضر والمستقبل. بالتالي فهو من هنا لا يساهم فقط في "صناعة القائد" بل وأيضا في "تأليهه" ودرء الخطأ عن قراراته.
وهو أمر لا يتعذر التحاجج بشأنه، إذ غالبا ما "يشرعن" الإعلام العربي (القطري منه أساسا) لحالات الاستثناء أو لتجاوزات الحاكم ولغيرها ويتخندق بجانب النظام في تمرير قرار أو تبرير ممارسة.
وهو إعلام تهريجي أيضا لأنه لا يتطلع إلى الاقتراب من واقع الحال وعكسه، في الشكل والمضمون، بقدر ما يتجاهل ذات الواقع لدرجة المزايدة المجانية الصرفة.
+ أما الخاصية الثانية فتكمن في أن الإعلام العربي (المبثوث منه والمنشور، العامل بالداخل كما المتواجد بالمهجر) هو بكل المقاييس إعلام غير تجنيدي.
ليس المقصود هنا مطالبته ب "تهييج الجماهير" وتأليبها على الحاكم، بل المقصود ضرورة جنوحه إلى تلمس مكامن الخيبة والتقصير التي لطالما ميزت (ولا تزال) أساليب الحكم وعلاقات الحاكم بالمحكوم.
والقياس على ذلك إنما يتمثل في قصور وسائل الإعلام المختلفة على ترويج قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وغيرها لا بين ظهراني المجتمع فحسب، بل وأيضا في أروقة السلطة باعتبارها قوة ضغط لا يستهان بها.
لا يكمن تقصير الوسائل هاته على المستويات الوطنية الضيقة، بل يطال التقصير ايضا القضايا القومية الكبرى (كالقضية الفلسطينية بالتحديد) أو ذات التداعيات المرتبطة بالكينونة والهوية من قبيل استهداف الإسلام والتحامل على العرب والمسلمين بالغرب وما إلى ذلك...وهو ما يبرز فيه تقصير الإعلام العربي (بما فيه المتواجد بالمهجر) بجلاء أكبر.
إذا لم يكن الإشكال إشكال تقصير فما تفسير انحسار الإعلام العربي وعدم قدرته على بلوغ المواطن بأمريكا كما بأوروبا كما بغيرها؟
ثم إذا لم يكن التقصير جماعيا فما تبرير تخلف العرب والمسلمين على خلق آليات تستوظف ما استجد من تكنولوجيات لمخاطبة الغرب واستدراجه إذا لم يكن للتعاطف معنا فعلى الأقل لفهمنا؟
+ الخاصية الثالثة للإعلام العربي وتتمثل، فيما نتصور، في الطابع المتعالي الذي يطبع مكوناته ويطبع توجهه القائم بجهة "الاستقلالية" التامة عما سواه من فضاءات.
فهو (قطريا كان أم "قوميا") لا ينطلق من مبدأ القرب لمخاطبة المواطن المتلقي بقدر ما ينظر إليه من عل تماما كما يفعل الحاكم أو يكاد.
وعلى هذا الأساس، فلا غرو إذا مرر للرداءة وللميوعة وللرتابة ولغيرها تماما كما يمرر الحاكم للاستبداد وللرأي الواحد ولسواها... لا يقبلان كل بوسيلته لا محاسبة المتلقي ولا رقابة المواطن.
من هنا فإذا كان الحاكم يخاطب "كتلة موحدة" (بصرف النظر عن الأداة المستخدمة في ذات التوحد) فإن الإعلام بدوره لا يعير أدنى اعتبار (في تصميم شبكة برامجه وصياغة مادته المكتوبة) لتباين الأذواق أواختلاف التطلعات: فهو كما السلطة مشيأ في شخص واحد و مندغم في ذات واحدة.
ثم هو إعلام مستلب وتابع (تماما كالحاكم) ليس فقط في تمثله للغاية من العمل الإعلامي وجنوحه الطبيعي بجهة الاستقلالية (بالمعنى السلبي)، بل وكذلك في ارتهان منظومته السيميائية "للأقوى منها" والأنجع.
لن تعدم الأمثلة في ذلك أو تتعذر إذ القائم السائد (على الأقل بداية هذا القرن) أن العديد من المنابر الإعلامية العربية دأبت منذ مدة على تصنيف عمليات الفلسطينيين الاستشهادية مثلا ضمن خانة الإرهاب وفي أخف الأحوال وصفها ب "العمليات الفدائية" أو "الانتحارية" أو ما سواها تماما كما يردد ذلك الحاكم وأكثر.
لن يقل الإحباط وطأة في نفسية الإنسان العربي حينما تتحدث "وسائل إعلامه" (كما حكامه) عن "ضرورة احترام العراق للشرعية الدولية المطالبة بإزالة أسلحة الدمار الشامل" بصرف النظر عن الوعي القائم لدى هذا الإنسان بأن الهدف، نهاية المطاف، هو تدمير العراق في حالة امتلاكه لذات الأسلحة كما في حالة عدم امتلاكه لها، وسواء "احترم" في ذلك "الشرعية الدولية" أم لم يحترمها.
3- لن يستطيع المرء، على الأقل قياسا إلى الخاصيات الثلاث السابقة، المزايدة على أن الإعلام العربي إنما هو ، وإلى حد بعيد، إعلام إحباط: هو إعلام إحباط لأنه مرتبط لدرجة الاندغام بحاكم مستبد، وهو إعلام إحباط لأنه لا يدفع بجهة تجنيد الشعوب وتوعيتها والدفع بتطلعاتها في الديموقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وهو إعلام متعالي لا يخاطب المحكومين بمنطق آخر غير منطق الحاكم المهووس ببقائه وبقاء نظامه.
كيف إذن لإعلام من هذا القبيل أن يبني ويؤسس وكيف له، فضلا عن كل هذا وذاك، مواجهة إعلام إسرائيل (والإعلام الصهيوني عموما) ... مكمن إحباطنا الأكبر في الحاضر والمستقبل؟
لا نخاله قادرا على ذلك في المدى المنظور، وإن كان له ذلك في الأمد المتوسط، فلن يتم إلا في إطار استنبات واقع عام جديد تحدد في ظله تطلعات الشعوب في التنمية والديموقراطية وتقنن في إطاره سبل إنتاج وتوزيع الثروة المادية والرمزية.
والمقصود من هنا، في المحصلة، إنما القول بأن تخلف واستبداد الواقع العام (والإعلام بصلبه) ليس حالة مزمنة تبتلى بها الشعوب إلى ما لا نهاية...بل هو حالة نفسية يراد من تكريسها إعادة إنتاج الإحباط السائد بانتظام.
العلم، 12، 01، 2003