في الإعلام كأداة للجريمة

يحيى اليحياوي

 

قبلما تضع "الحرب" على العراق أوزارها وتلتئم الأرض على آلاف الضحايا الذين دكتهم الآلة العسكرية الأنجلوأمريكية من الجو ومن البحر أو بنيران المدافع، تحرك أسياد العالم الجدد لترتيب طقوس "الفرجة" التالية التي لطالما وعدوا، ضمنا وفي العلن، سرا وفي الجهر، أنهم لن يبطئوا كثيرا في "إخراجها".

 

والواقع أن التصريحات المتتالية للرئيس الأمريكي كما لوزير دفاعه ووزير خارجيته بإزاء " تعاون" سوريا مع النظام العراقي وتسهيل السبل لأركانه لعبور الحدود (بعدما تسنى لهم " نقل ما لديهم من أسلحة الدمار الشامل" إلى هناك)، كما القول (من لدن هؤلاء) بأن سوريا " طورت" خلال الخمسة عشر شهرا الأخيرة، أسلحة كيماوية محذورة...كل هذه التصريحات لا تشي فقط، فيما نتصور، بصدقية هذا الزعم أو مصداقية ذاك التصريح، بقدر ما تشي، في منطوقها وفي شكلها، بأننا حقا وبكل المقاييس، بإزاء إعادة إنتاج السيناريو الذي بموجبه شن العدوان على العراق وتمت بمقتضاه إزاحة النظام السياسي القائم ودمرت على أساسه مقدرات العراق ومدنه ومتاحفه وجامعاته.

 

لسيناريو التحالف الأنجلوأمريكي (وهو الذي سيقود حتما ومن جديد العدوان على سوريا)، له ثلاثة أضلاع كبرى ستتكرر تأكيدا في المستقبل كما تم الأمر بالعراق:

 

+ أما الضلع الأول لذات السيناريو فينطلق من فرضية التشكيك التي يدفع بها ساسة ذات التحالف على خلفية من ادعاء عام أن لديهم "مؤشرات ومعطيات استخباراتية" تبين أن سوريا " ناشطة في الميدان الكيماوي" منذ مدة طويلة، أو أنها " نقلت معدات" لتصنيع ذلك من هذا البلد أو ذاك أو أنها "عاقدة العزم" على امتلاك أسلحة محذورة دوليا أو أن "النية لديها ثابتة" في سلك ذاك السبيل.

 

ليس من الأهمية في شيء توفر ذات "المؤشرات" أو ثبوت ذات المعطيات أو توفر الدلائل التي من شأنها مؤازرة تشكك هذا المسؤول أو ذاك، بل المهم حقا والمطلوب أيضا فضلا عن ذلك، إنما التشكيك في حد ذاته بما هو "المحرك" الذي على أساسه ستنطلق الآلة وتتحرك مكوناتها.

 

+ الضلع الثاني، متقدم نسبيا على الأول حدة في اللهجة وتدقيقا في التشكيكات. فهو لا يتعدى الضلع الأول في كونه يزيح اللثام على بعض من تلك "المؤشرات والمعلومات والمعطيات"، بل ويذهب لدرجة المطالبة (مطالبة الدولة المستهدفة) " بالتعاون" والتركيز من لدنه على "ضرورة الالتزام" وما سوى ذلك... لحد اعتماد لغة الوعيد والتهديد بهذا اللقاء الثنائي أو ذاك، ليتم "الاحتكام" في المحصلة لهيئة الأمم المتحدة حيث دولة العدوان، بهذه المسلكية أو تلك، هي صاحبة القول/الفصل.

 

+ لا يبتدأ الضلع الثالث عمليا من مرحلة المناقشات بذات الهيئة أو بماراطونية الاجتماعات لصياغة قرار يلزم هذه الجهة أو تلك، بل غالبا ما يبدأ بتحريك الترسانة العسكرية إلى عين المكان وفتح الدول لأراضيها ولأجوائها بغرض تنفيذ "مقررات وقرارات" قد لا تكون المداولات قد حسمتها أو تم لها اعتمادها أو " تمريرها".

 

بالتالي، فعندما ينطلق العدوان، بحالة العراق حاليا كما بحالة سوريا في الأيام القادمة كما بحال غيرها دون شك فيما بعد، فإنه لا ينطلق عبرة بهذا القرار أو تعبيرا عن الحاجة في تنفيذه، بل ينطلق تلقائيا بمجرد استنفاذ الشروط الشكلية هاته لأن "القرار/الأصل" غالبا ما يكون قد اتخذ ولم تبتغ آلة العدوان من اعتماد هذه الأضلع إلا تبريره وإصباغ الشرعية على الإجراءات (ليس إلا) التي من المرغوب "احترامها".

 

لم يعد الأمر مدعاة كبير مزايدة، فالمحافظون الجدد (أسياد العالم الجدد أعني) لم يعد يهمهم مما هو قائم ( دولا أومنظمات دولية أوشعوب) القوة المادية أو القيمة الاعتبارية، بقدر ما أضحت في نظرهم أدوات لأجرأة قراراتهم وتبرير سلوكاتهم والدفاع عما يترتب عن ذات القرارات والسلوكيات من مصائب ومحن وعاهات بالجملة.

 

المدعاة للدهشة حقا وللحسرة والتأسي كذلك، أن يتحول الإعلام، جراء هذه الإيديولوجية، من وسيلة لمناهضتها والتنديد بها والتشهير بخلفياتها، إلى أداة تتكأ عليها ذات الإيديولوجية، تعتمد عليها وتعمدها في ترويج ما يبني الإيديولوجية إياها أو يمرر لها.

 

بالتالي، فالإعلام زمن أسياد العالم الجدد، لم يبق سلطة مضادة، كما أوشك أن يكون عليه من ذي قبل، بل أضحى عكس هذا الاجتهاد أو ذاك أداة حرب وعدوان بل أداة في الجريمة يبررها ويشرعن لمقترفيها ويكون شاهد زور عندما تتم ولا يقدم لأطوارها (بصرف النظر عن مسوغه في ذلك) بالكلمة والصوت والصورة.

 

+ فهو أداة الجريمة التي تمت بالعراق ويتم بواسطتها الترويج لأخرى على منوالها بسوريا ومن بعدها بلبنان وإيران ومصر والسودان وسواها.

فهو لا يمهد الطريق ويؤسس (بالصوت والصورة و"الموقف") للأضلاع الثلاثة التي قدمناها أعلاه، بل يتعدى الأمر اصطحاب مقترفي الجريمة له وتصوير ما يقومون به بالجملة والتفصيل لكنه لا يمرر منها ("كشاهد إثبات") إلا ما يريده المجرم لتبرير فعلته أو تبيان "إنسانيته" أو " نبل رسالته" التي اؤتمن على تنفيذها "لتخليص هذه الدولة" أو تلك أو " تحرير" ذات الشعب أو ذاك.

 

+ وهو أداة للجريمة بالعراق اليوم كما بسوريا غدا كما بغيرها بعد غد، ليس فقط كونه يتلبس على المعلومات التي من شأن الجاني اعتمادها لشن العدوان، بل وأيضا لأنه يتواطأ معه في شرعنتها، في تبريرها، في الترويج لها على نطاق واسع (وفق منطق التكرار) حتى إذا تسنى للعدوان أن يتم تراه في مقدمة المدافعين عنه بالكلمة والتعليق كما بالصوت والصورة والاستجواب.

 

يبدو الأمر هنا ولكأن المجرم مندغم في أداة جريمته، إذ العدوان على العراق مثلا لم يثبت فقط مدى ارتهان الإعلام من لدن المؤسسة السياسية/العسكرية بل وأيضا مدى "تفضلها عليه" في بعض ما يعطيه السبق أو يضمن له بعضا من الإشهار.

 

لن يتعذر التسليم إذن، بمحصلة الأمر، بأن ما يقوم به التحالف الأنجلوأمريكي منذ العشرين من مارس وبعد ذلك (سيما مع التهديدات لسوريا) لا يبين فقط بأن الجريمة متعددة بل هي واحدة وقائمة من لدن دولة تندغم بصلبها الجريمة كما أدواتها سواء بسواء

 

وإذا لم يكن للمرء أن تنتابه علامات الاستفهام أو إمكانات التساؤل من سلوك الإعلام الغربي (الأنجلوأمريكي تحديدا في هذه الحالة) كونه تعبير صادق عن مواقف دولته وحكومته " فترة المصاعب والمحن" (حيث شروط "الأمن القومي مهددة" و"ظروف الأمان متعذرة")، فإن المواطن العربي، على النقيض من ذلك، لا يمكن إلا أن يستبد به من وسائل "إعلامه"، طيف من التساؤلات وحجم من الاستفهامات يدفع للتشكيك في طبيعة ذات الإعلام والأغراض (والجهات التي هو قائم على خدمتها):

 

+ فهو لم يرتكن فقط إلى " قرصنة" ما تمت إذاعته حول العدوان على العراق، ولا اكتفى بالترويج لما شاع من تعاليق وصور وممارسات، بل ذهب لحد الاصطفاف وراء مواقف الحكومات القائمة عليه...فلم نر منه بالتالي إلا ما أرادته لنا وزارات الإعلام بهذه الدولة العربية أو تلك دونما تحقق من صحة ومصداقية هذا الخبر أو ذاك.

 

+ وهو لم يدر بعد بأن ما يردده على مسامعنا وأعيننا ليس جوهر الحقيقة القائمة ولا الواقعة المؤكدة، بل هو ضمنيا من فلسفة عامة، سائدة ومجربة تقول سرا وجهارة بأن تكرار الشيء/الخطأ من شأنه أن يفضي مع المدة إلى تكريسه كحقيقة.

بالتالي فتكرار واجترار ما تم للآلة الإعلامية الأنجلوأمريكية قبل وخلال وبعد العدوان على العراق لم تكن تبعاته هي المهمة بقدر ما كانت مهمة تأويلاته بجهة "رسالة" العدوان.

 

وعلى هذا الأساس، فلم يعد الأساس بالنسبة للتحالف إياه، تبرير الجريمة بل أضحت شرعنة الأداة هي المحك: إذ لم يبد ما تم بأم القصر كما بالبصرة كما بالناصرية كما بالنجد كما ببغداد والموصل وتكريت وغيرها...لم يبد جريمة في حد ذاته...بل "تحريرا وتخليصا وإنقاذا"...هكذا تم للإعلام الغربي أن يقول (وهكذا قال الإعلام العربي)...إنهما معا، بإزاء العراق كما بإزاء الإعداد للعدوان على سوريا، مجرمين بل وثابتة من بين ظهرانيهم أداة الجريمة.

 

جريدة القدس العربي، 20 يونيو 2003

جريدة الشعب، القاهرة، 21 يونيو 2003