"الإعلام في العالم العربي بين التحرير وإعادة إنتاج الهيمنة"

 

مؤلف جماعي, مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان, القاهرة, 2006, 244 ص.

 

 

بتقديم الكتاب, يقول معتز الفجيري, مدير البرامج بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: "إن فكرة وجود مؤسسات إعلامية مملوكة للدولة, معبرة عن المجتمع وتياراته المتباينة, فكرة لها رونقها على المستوى النظري, إلا أنها ترتبط بمشكلات التسييس والتوظيف من جانب النخب الحاكمة, على المستوى التطبيقي".

 

بالمقابل, يؤكد الكاتب, فإن تجربة إدارة هيئة الإذاعة البريطانية (عامة ومستقلة عن الدولة) تغري بالدراسة حقا, "إذ وجود مثل هذا النوع من الإعلام العام المستقل, يمثل عامل توازن قد يحتاجه المجتمع في مواجهة أي احتكار محتمل للسوق ورأس المال, في ملكية وسائل الإعلام".

 

ويؤكد الكاتب أن إصلاح الإعلام المرئي والمسموع يعتمد على ثلاثة محددات كبرى:

 

+ أولا, "حرية الرأي والتعبير ونضج الممارسة الديموقراطية, حيث بلغت العديد من الدول العربية, بهذا الجانب, درجات من التسامح المؤقت, تحت وطأة المطالبة, أو جراء العولمة وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال...إلا أن فرض الانقضاض على الهامش المتاح للحريات الإعلامية, حتى في البلدان التي شهدت انفتاحا نسبيا أكبر, تظل قائمة طالما بقيت البنية التشريعية تحافظ على سمات النظام التسلطي في التحكم في البنى والحريات الإعلامية".

 

+ ثانيا, "وضع حد لاحتكار وسيطرة الدولة على الإعلام, عبر انتقال الإعلام المملوك للدولة إلى إعلام خدمة عامة, مكمل وليس بديلا عن المبادرات الخاصة في مجال الإعلام".

 

+ ثالثا, "استقلالية الأطر المنظمة والمشرفة على القطاع المرئي والمسموع, حيث يتعين حماية السلطات التنظيمية من كل أشكال التدخل السياسي والاقتصادي, وذلك في تشكيل وتعيين أعضائها بطريقة ديموقراطية وشفافة, وأن تتسع عضويتها لتمثل المصالح المختلفة, والجماعات السياسية والاجتماعية والمهنية في المجتمع, واستقلالية واتساع الصلاحيات والاختصاصات المخولة إليها, سواء في علاقتها بالبث العام أو الخاص, وأيضا في استقلالية ميزانيتها المالية, على أن تكون قراراتها قابلة للمراجعة القضائية في كل الأحوال".

 

وعن سمات المشهد الإعلامي في الوقت الراهن, يقر التقرير بالتالي: "يشكل الحق في الاطلاع على الأفكار والآراء والمعلومات عبر الوسائط الإعلامية المختلفة, حقا أصيلا من حقوق الإنسان, وينظر إلى الحريات الإعلامية باعتبارها ضمانة أساسية تساعد الفرد في تحقيق ذاته, وتسهم في كشف الحقائق, وتدعيم قدرة المواطنين على المشاركة في مجتمع ديموقراطي". لا, بل إن الحريات الإعلامية والحق في الاطلاع "هي المحك الأساسي لجميع الحريات".

 

بالعالم العربي, حيث النظم السياسية المفتقرة أو المتآكلة السلطة, "بفعل الإخفاقات المتتالية لمشاريع التحديث وبرامج التنمية...كان ولا يزال احتكار السلطة السياسية لوسائل الإعلام, وفرض هيمنتها الكاملة على الوسائط الإعلامية المختلفة, أداة رئيسية في الترويج للسياسات الرسمية, ومهاجمة الخصوم السياسيين, وتشويه صورتهم, وتعبئة وتوجيه الرأي العام وحشده في خدمة أهداف القابضين على السلطة في هذا البلد أو ذاك".

 

وعلى الرغم, يقول التقرير, من رياح الدمقرطة وثورة المعلومات وتراجع الشمولية, فإن العالم العربي يظل في عمومه "عصيا على الدمقرطة". بالتالي, يبقى الإعلام المرئي والمسموع "محتكرا بصورة مطلقة من قبل السلطات الحاكمة, حتى مع دخول العالم العربي عصر الأقمار الصناعية والفضائيات".

 

ويتابع التقرير: إنه "تحت تأثير الضغوط المزدوجة من الداخل والخارج, شكلت مطالب إنهاء احتكار الدولة لوسائل الإعلام وإطلاق الحريات العامة, قاسما مشتركا في المبادرات الداعية للإصلاح والديموقراطية, سواء في المبادرات التي أطلقتها مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي, أو المبادرات الدولية, أو حتى عبر المبادرات شبه الرسمية التي انبثقت عن عدد من المؤتمرات, تحت رعاية بعض الحكومات العربية".

 

ويتساءل التقرير: "أين نحن من حرية الإعلام وحرية البث؟".

يقر التقرير هنا, على الأقل قياسا إلى الحالات الثلاث التي استعرضها (الأردن والمغرب ومصر) بأنه على الرغم من تنصيص الدساتير على حرية الإعلام, فإن المشرع الدستوري يعتبر "القانون هو المرجعية في تنظيم مختلف الحريات, وفي القلب منها حرية الإعلام, ومن ثم, فقد أطلقت يد المشرع في سن تشريعات, غالبا ما تجافي الضمانات الدستورية للحريات".

 

ما يعقد الأمر أكثر, برأي صائغي التقرير, هو ارتهان المستوى التشريعي من لدن السلطة التنفيذية, فتضطر الأولى لمجاراة الثانية في تشريعات تطعن بروح الدستور, وحتى بالضمانات التي وقعتها هذه الدول عالميا.

 

ويقر هؤلاء, من جهة أخرى, ب"اتساع نطاق التجريم بصورة تفوق بشكل هائل القيود المقبولة على حرية الإعلام وحرية التعبير عموما", من قبيل نشر أو بث ما "ينال من هيبة الدولة أو يهز الثقة بمكانتها المالية أو باقتصادها", أو "إضعاف الشعور القومي", أو "إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية", أو "الإضرار بالوحدة الوطنية" أو "المس برموز الدولة", أو ما سوى ذلك.

 

الأخطر من ذلك كله, نزوع المشرع إلى تطبيق عقوبات سالبة للحريات, مما يكون من شأنه ترويع المشتغلين بحقل الإعلام". ويقر التقرير أيضا ب"اتساع دائرة القيود الصارمة على حق الإعلاميين في الحصول على المعلومات, والنفاذ إلى مصادرها ونشرها", أي اتساع مجال السرية والضوابط الصارمة المطبقة على "السر المهني" الذي يقيد الموظفين.

كل هذا ناهيك عن الرقابة الممارسة على العديد من المؤسسات الإعلامية العمومية, والتدخل المباشر فيما تبث أو تنشر.

 

ويشير التقرير إلى مدى الرقابة التي تمارسها الهيئات والمؤسسات التي أنشئت للبث في التراخيص, وارتباطها بالحكومات, والطبيعة الانتقائية التي تميز قراراتها, إلى جانب رهنها بقيود فضفاضة من قبيل "المحافظة على النظام العام", و"حاجات الأمن الوطني", و"مقتضيات المصلحة العامة"...الخ. مما يعني أن هذه الهيئات والمجالس ليست "مؤشرا على الاستقلال" بالمرة.

 

بالتالي, فإذا كان للأشكال والأطر التنظيمية أن تتغير, فإن الجوهري والأصيل يبقى ثابتا وأسيرا للهيمنة الحكومية. من هنا, يؤكد التقرير, فإن ما يعتمل اليوم, إنما يبين بجلاء أن هذا القطاع لا يزال بعيدا عن أن "يجسد المعايير المتعارف عليها في المجتمعات الديموقراطية, لضمان حرية وتعددية واستقلالية البث الإعلامي, وأنه لم تتوافر بعد إرادة سياسية جادة لتحرير هذا القطاع من مختلف القيود والأطر التي تحكم الحصار حوله".

 

وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا في "إطار عملية شاملة للإصلاح الديموقراطي في مختلف البلدان العربية, تقود إلى تعزيز دولة القانون, وتقيم توازنا حقيقيا بين مختلف السلطات, وتعلي من شأن استقلالية القضاء, وتستعيد في إطارها السلطة التشريعية استقلالها عن ضغوط السلطة التنفيذية".

 

من هنا, يصيغ التقرير مجموعة توصيات تبدو له أساسية للنهوض بهذه الحريات.

 

المجموعة الأولى من التوصيات تتعلق بتعزيز حرية الإعلام وتتعلق بالجوانب التالية:

 

+ "إنهاء القيود الهائلة على حرية الرأي والتعبير, ووضع حد نهائي للعقوبات السالبة للحرية, في جرائم الرأي وجرائم الصحافة والنشر"...

 

+ "إعادة النظر في مختلف القيود التشريعية, التي تقف عائقا أمام حرية تداول المعلومات, وحق المواطنين في المعرفة, وتوفير الضمانات القانونية التي تكفل للإعلاميين الحق في الوصول إلى مصادر المعلومات ونشرها".

 

+ تعزيز حق الإعلاميين في التمتع بمظلة الحماية النقابية, وإنهاء القيود التي تحول في بعض البلدان دون ممارسة حق التنظيم النقابي, وبخاصة المشتغلين في قطاع الإعلام السمعي والبصري, ومنح الإعلاميين الدور الأكبر في إعداد ومراقبة الالتزام بمواثيق الشرف الصحفية والإعلامية".

 

+ "تكريس مبدأ خضوع الدولة للقانون, بما يقتضيه ذلك من وضع حد نهائي لجميع الضغوطات والتدخلات والممارسات غير القانونية التي تحاصر المشتغلين بالإعلام, وتحد من قدرتهم على أداء واجبهم المهني, وكذلك وضع حد للممارسات ذات الطابع التمييزي والانتقائي, المتمثل في تقديم الدعم أو التسهيلات للوسائط الإعلامية المعارضة, أو ذات الطابع المستقل".

 

+ "الارتقاء بأوضاع المشتغلين بالصحافة والإعلام, بما يؤمن عدم خضوعهم في عملهم لتأثير الضغوط الاقتصادية والتدخلات الإدارية".

 

أما المجموعة الثانية من التوصيات, فتتعلق بتنظيم قطاع البث السمعي والمرئي, وأهمها:

 

+ "وضع حد نهائي لسيطرة الحكومات واحتكارها لمجال البث العام, بما يضمن تحول هذا القطاع, الذي أحكمت الدولة تاريخيا سيطرتها عليه, إلى مؤسسات خدمة عامة للجمهور, تتميز بالاستقلالية على مستوى الإدارة والتمويل والبرامج".

 

+ "إخضاع إدارة وتنظيم قطاع البث السمعي والبصري إلى مجالس أو هيئات تنظيمية, تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية التي تجعلها بمنأى عن ضغوط السلطة السياسية. ومن ثم, ينبغي إعادة النظر في التوجهات التي تحكم تشكيل هذه الهيئات التنظيمية, لقطع الطريق على صلاحيات السلطة التنفيذية في التحكم في تشكيل هذه المجالس".

 

وينبغي أن تضمن التشريعات المنظمة في هذا الإطار, قواعد الاختيار لعضوية هذه المجالس على أسس ديموقراطية, وتراعي اعتبارات الكفاءة والخبرة في العمل في هذا المجال. كما ينبغي منح هذه الهيئات صلاحيات تقريرية وتنفيذية, وهو ما يقتضي مراجعة مختلف التشريعات التي تسبغ على هذه الهيئات دورا استشاريا, أو تخضع عملها في نهاية المطاف لإشراف السلطة التنفيذية".

 

+ "ينبغي أن يحظر بالقانون, الجمع بين عضوية الهيئات التنظيمية المنوط بها تنظيم قطاع البث السمعي والمرئي, والاحتفاظ بمصالح في مشروعات خاصة بقطاع البث, تفاديا لتضارب المصالح".

 

+ "رفع القيود على حق الأحزاب والجمعيات والنقابات في إنشاء وتملك محطات للبث, وإعادة النظر في مختلف القيود التي تجعل البث السياسي حكرا على الدولة".

 

+ "ينبغي أن يحظر بموجب القانون, أي شكل من أشكال الرقابة المسبقة على محتوى البث ومضمونه, ولا يتعارض ذلك مع الدور الذي يفترض أن تقوم به الهيئات التنظيمية في متابعة ومراقبة وسائل البث المختلفة, لضمان الالتزام بالشروط الموضوعة بالقانون, أو التي يتضمنها الترخيص الممنوح, وعلى وجه الخصوص ضمان التزام وسائل البث باحترام التعددية الفكرية والسياسية والثقافية والقيود المقبولة على حرية التعبير, وفق ما تقضي به المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية".

 

+ "يفترض أن يخضع عمل وقرارات الهيئات التنظيمية في قطاع البث لمراقبة الشعب, فضلا عن مراقبة القضاء...كما يتعين أن يلزم القانون هذه الهيئات بأن تكون قراراتها, وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمنع أو حجب التراخيص, أو فرض العقوبات على وسائط البث مسببة, وأن يتاح للمتضررين الحق في استنفاذ وسائل الطعن على هذه القرارات, أمام الهيئات القضائية المختصة".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 28 فبراير 2008