عن الإعلام والاتصال والتواصل

 

 

ثمة معطى بديهيا شبه ثابت, يبدو لنا مهما سياقه هنا, كمدخل لهذا الحديث: إن المصطلحات والمفاهيم والبراديغمات والنظريات, غالبا ما تكون نتاج ومحصلة البيئة التي يعمل بها الباحث, أو تعتمل أفكاره من بين ظهرانيها, أو يفعل فيها, يتفاعل معها, ولا يتوسع مجالها ومجال فعلها وتأثيرها وشيوعها, إلا بقدر دقتها, وقدرتها على ملامسة الموضوع أو الظاهرة, مادة البحث والدراسة.

 

جانب المرجعية هنا أساسي, ليس فقط لأنه يحدد ويرهن رؤية الباحث ويؤطرها, ولكن أيضا لأنه يضع فرضيات وتحليلات واستناجات هذا الأخير, في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي, ويمنح نتائجه سبل التجدر والتكريس, أو يرفع عنها القوة التفسيرية والتحليلية, في مكان ما, وزمن ما, وبظرف من الظروف القائمة.

 

 بالتالي, فليس صحيحا بالمرة القول بأن هذا المفهوم أو النظرية متجاوزان, أو لم يعودا صالحين لمقاربة هذه الظاهرة أو تلك, لأنهما بالأصل تعبيران عن واقع قد يطول مداه فيلازمانه, أو قد تتراجع عناصره, فتتراجع قدرة الأدوات المستعملة على مجاراته, وهكذا.

 

بمعنى أن المفهوم أو النظرية إنما يصممان بالغالب الأعم لضبط واقع حال, وكلما تطور هذا الأخير أو تحول, تتراجع قدرة المفهوم والنظرية على ضبطه, فتتأثر بذلك قابليتها على المواكبة. كل هذا يفسر إما تجاوز النظرية للزمن, وإما تراجع قدرتها على الاستمرار.

 

إذا كان هذا صحيحا بالطرح العام, فإنه يصح بالحالات الخاصة أيضا, أي بالحالات التي تحاول المفاهيم والنظريات مقاربتها, ضمن زاوية أضيق من المجتمع, أو الثقافة, أو السياسة, أو الفن, أو الأدب, أو ما سواها. وهو أمر يصدق على ميدان الإعلام والتواصل والاتصال أيضا, باعتبارها حقلا من ذوات الحقول.

 

بالميدان الأخير, ميدان الإعلام والتواصل والاتصال, لا يبدو لنا أن الاختلاف يطاول المضمون والفلسفة, بقدر ما يطاول مستويات التوظيف والتوطين, أي قدرة المرء على أخذ سياق استنبات هذه المفاهيم بعين الاعتبار, والنظر في مدى إمكانية تبيئتها وموطنتها, شكلا وعلى مستوى المضامين.

 

الإعلام والاتصال والتواصل يحيلون على معين واحد, معين إنتاج المعلومة (بكل أشكالها, المكتوب والمرئي والمسموع والألكتروني) ومعين معالجتها واستغلالها وتخزينها واسترجاعها وتوزيعها ثم استهلاكها, من لدن الأفراد والجماعات استهلاكا نهائيا, أو بغرض إدماجها بمسلسلات أخرى, وإحداها مسلسل إعادة إنتاج القيمة, في الدورة الاقتصادية, دورة رأس المال.

 

الاختلاف بين العناصر الثلاثة لا يطاول الوظيفة, بقدر ما يطاول الأدوار. الاتصال ذو بعد إلى حد ما تقني, يحيل على الحوامل والأعتدة والتجهيزات التحتية, التي لا انتقال للمعلومة بدون توفرها, ولا سبل لإقامة تواصل بين طرفين بغيابها, أو بتردي مستواها. والإعلام كوسيلة إخبار, عمودية كانت أم أفقية, لا يمكن أن يتم إلا بتوفر أدوات الاتصال, وتوفر القابلية على التواصل, وهكذا.

 

بالتالي, فإذا كان جانب الاتصال يحيل على الجانب الأدواتي الصرف, فإن الإعلام والتواصل يتغيآن امتطاء ناصية هذا الجانب, لتمرير المعلومة بكل أشكالها وأصنافها, وأيا ما تكون طبيعتها, ووظيفتها, والغاية المرجوة من نقلها وتبادلها.

 

من هنا, فإن الاختلاف بين المستويات الثلاثة, هو اختلاف في المقاربة المعتمدة بالبناء على ذوات المستويات, وليس اختلافا في جوهر كل مستوى, أو مضمون كل مفهوم من هذه المفاهيم. والدليل على ذلك أن حاجة الإنسان للإعلام والاتصال والتواصل لا تتغير, في حين تتغير الأدوات والوسائل, وتتباين المقاربات بين من يريد أن يقدم هذا الجانب, أو يؤخر ذاك, بين من تحكمه مرجعية تقنية صرفة, وبين من تكون الأبعاد الاجتماعية والأنتروبولوجية وما سواها, هي الناظمة لفعله, أو المؤثرة في سلوكه.

 

لا نتصور بالتالي, على الأقل بالبناء على ما سبق, أن المدارس الكبرى التي تناولت هذه القضايا, تختلف حول طبيعة الرسالة, بقدر اختلافها حول وظيفتها ودورها, أو مدى تركيز هذه المدرسة أو تلك, على هذا الجانب عوض ذاك, على هذه الزاوية عوض تلك. فعندما يعمد ماكلوهان مثلا, إلى جعل الأداة متماهية مع الرسالة, فهو لا يطعن في مضمون الرسالة, لكنه يركز اهتمامه على الحامل لذات الرسالة, بصرف النظر عن تأثيره في مضمونها من عدمه. وقد نقيس على ذلك باستحضار أكثر من مدرسة بفرنسا وبأمريكا وبغيرها, حيث التباين يطاول الجانب الذي له الغلبة في ثنائية الأداة والمضمون, المقتني لهذه الأخيرة, أو المرتكز عليها لإدراك المتلقي.

 

على هذا الأساس, يبدو لنا أن التباين عندنا بالوطن العربي, هو أيضا وإلى حد بعيد تباين في زاوية الرؤية, وفي المقاربة, وليس تباينا حول طبيعة الرسالة الإعلامية والاتصالية. صحيح أن خلفية التكوين تبقى مهيمنة, لكن المحصلة قد لا تختلف كثيرا, بين من تلقى تكوينه من الباحثين بفرنسا أو بأمريكا الشمالية أو بما سواهما, اللهم إلا, مرة أخرى, فيمن له الغلبة ضمن الثنائية أعلاه.

 

قد لا يكون ذلك مثار إشكال كبير, لكن المشكل كامن في مدى القدرة على استيعاب هذه المفاهيم, ومحاولة استقراء واقع الحال من بين ظهرانينا, دونما تجاوز, أو لي قسري لعنق المفاهيم والنظريات. بمعنى, هل إعمال هذه المفاهيم والنظريات قادر وذو نجاعة كافية لاستقراء واقع الحال لدينا, أم لا يعدو الأمر كونه تمرينات ذهنية, لا عبرة منها كبيرة, على مستوى التراكم المنهجي والبحثي.

 

 إن عدم بروز مدرسة عربية تهتم بهذا الجانب, كتابة وتنظيرا, يعطي الانطباع المحيل على القناعة ربما, بأن ما تم تراكمه لا يخرج كثيرا عن نطاق التمارين, أو في أحسن الأحوال عن محاولات تعيد إنتاج ما يكتب بالغرب, مع الجهد في تبيئتها وزرعها بالتربة العربية طوعا أو قسرا أو بالتقابل الغير مضمون النتائج والتداعيات.

 

إن كل مصطلح (ومفهوم ونظرية), إنما هو بالأساس نتاج بيئة وإفراز محيط. أما مدى شيوعه وتأثيره, فهو مرتبط بمدى دقة اقترابه أو ابتعاده من الظاهرة مادة التحليل. بالتالي, فإن إعماله ببيئات أخرى ليس دائما مضمون النتائج والعواقب, على الرغم من الحاجة للاستئناس به, بأفق بناء منظومة مفاهيمية ونظرية ذاتية, مستنبتة من واقع الحال المعاش والسائد.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 14 شتنبر 2009